عندما انطلقت عملية التسوية قبل سبع سنوات, على خلفية المتغيرات الدولية والاقليمية العاصفة, في اوائل التسعينات, حاولت حكومة الليكود في حينها, التي كان يرأسها اسحق شامير زعيم الليكود (آنذاك) , التملص من استحقاقاتها, متذرعة بأنه لا يوجد لديها ما تعطيه, وان العرب لديهم الكثير من الاراضي! وانهم هم الذين يجب ان يدفعوا مقابل (السلام) ؟ لانهم هم الطرف الذي خسر جراء المتغيرات الدولية والاقليمية الحاصلة, ثم لان المنطقة العربية منطقة غير مستقرة, ومرشحة لمزيد من الاهتزازات, الامر الذي يفترض اولا واساسا الحفاظ على أمن اسرائيل واستقرارها وتعزيز مكانتها في الاستراتيجية الامريكية, باعتبارها ذخرا استراتيجيا لها في هذه المنطقة المتقلبة. وبرغم هذا المنطق الليكودي, استطاعت الولايات المتحدة اقناع اسحق شامير بالمشاركة في مؤتمر مدريد, ولكن هذه المشاركة كانت شكلية, فقد وعد شامير حينها بالاستمرار بالمفاوضات عشر سنين كما انه استطاع تجميد المفاوضات مع الفلسطينيين في حدود التفاوض على حكم ذاتي, اما المفاوضات حول القضايا الاساسية فقد جرى ترحيلها للتفاوض عليها فيما بعد في مفاوضات الحل النهائي. بعد سقوط الليكود في انتخابات الكنيست عام ,1992 وتشكيل اسحق رابين (الزعيم الاسبق لحزب العمل) حكومته, تم توقيع اتفاقات اوسلو مع الفلسطينيين, واتفاق وادي عربة مع الاردن, الا ان هذه الحكومة لم تستطع الاستمرار بتطبيق اتفاق الحكم الذاتي الانتقالي مع الفلسطينيين, بشكل ناجز فقد جرى التملص من عدد كبير من الاستحقاقات التي وقعت عليها حكومة حزب العمل, وكانت المقولات الشهيرة لاسحاق رابين بأن (لا مواعيد مقدسة) وان (القدس الموحدة هي عاصمة اسرائيل الابدية) , هي المقولات السائدة آنذاك. وحتى ان شمعون بيريز بعد تسلمه السلطة, اثر اغتيال سلفه على يد متطرف اسرائيلي, لم يستطع الايفاء بتعهدات اسرائيل, لا بالنسبة للانسحاب من الخليل ولا بالنسبة لقضايا المعابر والممر الآمن والميناء والمطار والمعتقلين وغيرها, اذ جرى ترحيل هذه القضايا الى ما بعد انتخابات 1996 لحسابات انتخابية بحتة من حزب العمل, لاعتقاده بأن ذلك يضمن له الفوز بعدد من اصوات الناخبين المترددين والوسط. بكل الاحوال فقد جرت الامور فيما بعد عكس ما يتوقع حزب العمل الذي خسر الانتخابات على موقع رئيس الوزراء بفارق بسيط حيث فاز بنيامين نتانياهو بهذا الموقع وجاء معه حزب الليكود الى السلطة وقد ادى هذا الوضع كما هو معروف الى تجميد عملية التسوية على كافة المسارات برغم كل الضغوط والجهود التي بذلت دوليا واقليميا لزحزحة نتانياهو عن مواقفه. وحتى اتفاقيتي الخليل وواي بلانتيشن اللتين وقعتهما حكومة بنيامين نتانياهو مع الفلسطينيين, لم يجر الالتزام بهما, لا بالنسبة لاعادة الانتشار, ولا بالنسبة لمجمل قضايا الحل الانتقالي الاخرى. وعندما ازفت ساعة الحقيقة, بالاتفاق على مذكرة واي بلانتيشن بعد ان بلغت الجهود ذروتها بقيام الرئيس الامريكي بيل كلينتون بنفسه برعاية الاتفاق الجديد, توجه بنيامين نتانياهو نحو تقريب موعد الانتخابات الاسرائيلية وفي نيته الخروج من ازمة استحقاقات عملية التسوية, وعدم تحمل تبعات الاعلان الفلسطيني المرتقب عن قيام الدولة الفلسطينية, في الرابع من مايو من العام المقبل, وتعزيز وضعه في اطار الليكود وفي المعادلات السياسية الاسرائيلية الجديدة. ما نريد ان نثبته من كل ما تقدم ليس عدم وجود فوارق بين سياسات حزب العمل والليكود فهذه الفوارق موجودة وعميقة, ولكن ما نريد اثباته هو ان كلا الحزبين يعمل انطلاقا من المصلحة الاسرائيلية اساسا, وانهما لا يضعان في اعتبارهما مصالح الاخرين وحقوقهم, هذا من ناحية, ومن ناحية ثانية فإن هذين الحزبين لم يستطيعا وهما في السلطة تطبيق برنامجها بالنسبة لعملية التسوية وبالنسبة لمستقبل الاراضي الفلسطينية المحتلة بسبب الخلافات الاسرائيلية الداخلية, وبسبب وعيهما لضرورة تحقيق افضل نسبة من الاجماع الداخلي الاسرائيلي, ومن ناحية ثالثة فإن ما نريد اثباته هنا هو انه ليست حكومة نتانياهو وحدها هي المسؤولة عن تعثر التسوية, وانما جميع الحكومات الاسرائيلية, ومن ضمنها بالطبع حكومة حزب العمل (سواء في ظل رابين أو بيريز) وهذا يدل على ان اسرائيل ظلت على الدوام هي المعوق لعملية التسوية, وان هذه العملية هي مجرد عملية مفاوضات بين الاطراف السياسية الاسرائيلية. فالنقاش حول عملية التسوية, يرتبط بتعريف اسرائيل لذاتها ولهويتها ولطبيعة وجودها وحدودها في المنطقة بمعنى ان النقاش الداخلي لا يقتصر على حدود التسوية مع الفلسطينيين والانسحاب من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة وانما يشمل ايضا مفهوم اسرائيل للمشروع الشرق اوسطي وموقعها فيه, ودورها السياسي الوظيفي في المنطقة فإسرائيل ليست مجرد دولة محتلة على غرار فرنسا (سابقا) في الجزائر, وهي ليست مجرد دولة استيطانية عنصرية, على مثال نظام الفصل العنصري (السابق) في جنوب افريقيا, فهي دولة استعمارية استيطانية عنصرية من طراز فريد فهنا استيطان احلالي (للمستوطنين اليهود) واقتلاعي لاصحاب الارض الاصليين (الفلسطينيين) وهنا لا يوجد دولة استعمارية ام كما كان الحال في الدول المستعمرة, وليس ثمة مصالح اقتصادية كما هو الحال في جنوب افريقيا, فهذه دولة استعمارية استيطانية من طراز فريد لها طابع ايديولوجي ودور سياسي وظيفي في المنطقة. بسبب وعيها لطبيعتها ولاشكاليات وجودها ولحدود دورها في المنطقة تبدو اسرائيل عصية على عملية التسوية, ومن الطبيعي والامر كذلك ان تحتفظ اسرائيل بحق (الفيتو) على مجمل هذه العملية, وان ترفض بالتالي تدخل (الاغيار) بهذا النقاش الداخلى حولها ومن الطبيعي ايضا ان تتحول هذه العملية الى مجرد هدف بحد ذاته, او الى مجرد (ديكور) وعلاقات عامة, من دون تحديد الهدف او الافصاح عن الغرض النهائي المطلوب منها فطالما انه لا يوجد في الاطارين ــ الدولي والاقليمي ــ عوامل ضغط على اسرائيل, وطالما ان هذه الدولة المصطنعة لا تجد في الافق ما يجبرها على تغيير سياساتها, وانها بالتالي لا تدفع كلفة هذه المواقف فإن اسرائيل ستظل تفضل الاستمرار بمواقفها المتعنتة, بتجاهل وتجاوز عملية التسوية واستحقاقاتها, وباعاقة مسار التحولات الاقليمية في المنطقة. كل المؤشرات تؤكد بأن اسرائيل تفتقد للاجماع الداخلي حول مفهومها لعملية التسوية (الثنائية والاقليمية) , وان كل المحاولات التي جرت الآن لابراز موقف اسرائيلي من هذه العملية هي مجرد دراسات او تمرينات ذهنية, وحتى (الوثيقة) التي جرى الاتفاق عليها بين بعض قياديي حزب العمل والليكود (اوائل 1997) والتي عرفت باسم وثيقة (بيلين ــ ايتان) جرى التملص منها فيما بعد برغم انها تتعلق بوضع خطوط عامة لاجماع قومي اسرائيلي حول المفاوضات على قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين. وهكذا تبين تجربة السنوات السبع الماضية, من عمر مسيرة التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد في اواخر ,1991 بأن اسرائيل هي المعوق الاساسي لهذه العملية, بمواقفها المتعنتة وبرفضها تقديم الاستحقاقات المطلوبة منها ازاء مسار التسوية, وذلك بسبب ان هذه العملية تفترض من اسرائيل اجراء مراجعة اساسية لمنطلقاتها الايديولوجية الصهيونية ولمبررات وجودها ولدورها السياسي ــ الوظيفي في المنطقة. وقد بينت السنوات الماضية بأن اسرائيل هذه بوضعها الراهن ليست مهيأة بعد لاجراء هذه المراجعات وانها بالتالي غير ناضجة للشروع في عملية التسوية التي تتطلب منها تعريف حدودها الجغرافية والسياسية والبشرية والاقتصادية ولقد اكدت سياسات الحكومات الاسرائيلية سواء أكانت في ظل حكم (الليكود) أو في ظل حكومة (العمل) هذه الاستنتاجات, حيث كانت المفاوضات في حقيقتها تجري داخل اسرائيل ذاتها, وفيما بين التيارات السياسية الاسرائيلية, ويصح القول بأن اسرائيل انما تتفاوض في الحقيقة مع نفسها!. ازاء هذا الوضع بات من المطلوب وبالحاح العمل على مواجهة هذا التناقض المحيط بعملية التسوية, والمتمثل بأن احد اطرافها الاساسيين (اسرائيل) غير ناضج لهذه العملية, لانه سيبقى يتفاوض مع نفسه الى ما شاء الله من السنوات. ويمكن القول انه لم يعد من الملائم ولا من المجدي, ان, بالنسبة للفلسطينيين خاصة, او بالنسبة للعرب عموما الافصاح عن نواياهم الطيبة والخيرة تجاه اسرائيل, وانما بات من المطلوب العمل بشكل جدي على صياغة سياسة استراتيجية عربية تتأسس على اعادة تعريف مبادىء عملية التسوية المطلوبة, والتمسك بحزم بموقف عربي موحد لمقاومة السياسات الاسرائيلية, ودفع امريكا (خاصة) واوروبا نحو اتخاذ مواقف اكثر حزما في الضغط على اسرائيل لاجبارها على انتهاج سياسة مرنة وواقعية, تفسح المجال امام قيام تسوية عادلة وشاملة في هذه المرحلة. ذلك ان احد اهم عوامل دفع اسرائيل نحو حسم النقاش الداخلي فيها, انما يتمثل بحسم العرب لأمورهم وتعزيز تضامنهم كما يتمثل ذلك بتضافر العوالم الدولية والاقليمية الضاغطة على اسرائيل, وفيما عدا ذلك فإن النقاش الداخلي الاسرائيلي سيستمر و الوقائع على الارض ستستمر خصوصا في ظل حالة اللاحرب واللاسلم السائدة. اخيرا يمكن القول بأن اتفاق اوسلو انتهى بشكل ما ولكن مسيرة التسوية لم تنته بعد فأزمة عملية التسوية هي ازمة السياسة في المنطقة, وتاليا هي ازمة النظام الدولي السائد, والى حين تعديل المعطيات, في هذين المستويين والى حين تحرير عملية التسوية من اسر المفاهيم والمصالح الاسرائيلية, فإن هذه التسوية ستشهد المزيد من الازمات والاحباطات. كاتب فلسطيني