اما وقد انحسرت الضربات العسكرية الامريكية ــ البريطانية ضد العراق, واعلن الرئيس بيل كلينتون عن وقف الجولة الاولى مع التأكيد على معاودة العدوان عند الضرورة التي تحتاج الى ابقاء القوات الامريكية والبريطانية متمركزة في المنطقة استعدادا لجولة اخرى فإن حسبة بسيطة تعطي مؤشرا قويا على ان المنطقة ستظل تعاني من عدم الاستقرار الذي تهرب منه رؤوس الاموال المحلية والاجنبية ويصبح الحديث عن جذب المزيد من الاستثمارات الاجنبية ضرب من المستحيل. الحسبة الاولى التي قدرها المحللون تفيد بان التكلفة المباشرة للعدوان الذي استمر اربعة ايام تصل الى مليار دولار يوميا من دون حساب الخسائر البشرية العراقية وعلى فرضية ان لا خسائر مادية او بشرية في الجانب الامريكي والبريطاني ومع الوضع في الحسبان ان حرب الخليج الثانية كلفت نحو الف مليار دولار, فإن علينا تخيل حجم الخسائر التي منيت بها دول الخليج المباشرة منها وغير المباشرة. البعض توخى من العدوان الاخير احداث زيادة في اسعار النفط لعله يعوض الخسائر التي استمرت منذ شهر ديسمبر من العام الماضي وحتى الان بيد ان هذا لم يتحقق حين اهملت الاسواق النفطية دعوات المنتجين وذهبت تحسب الفائض الموجودة ومقارنته بتراجع انتاج العراق الذي يصل الى مليون وثمانمائة الف برميل يوميا وحتى هذه لم تتأثر, لذلك لم تجد معطيات السوق مايجبرها على تغيير القاعدة القائمة على الشراء بأبخس الاسعار فظل سعر البرميل مترنحا في حدود العشرة دولارات لنفط القياس, بينما هو اقل من ذلك بالنسبة لسلة نفوط (اوبيك) . ولان ثقلا رئيسيا من القوات الامريكية والبريطانية سوف يبقى في المنطقة فإن ذلك يعني تكلفة مباشرة لاتقل عن ستمائة مليون دولار في اليوم الواحد حسب تقديرات الخبراء والمحللين ولاندري الى متى ستبقى هذه القوات وماهية اهدافها الجديدة بعد ان لاح في الافق حلف جديد يبدأ في التشكل بناء على المعطيات التي افرزتها الضربات الاخيرة التي يحمل بعضها تناقضا صارخا ففي الوقت الذي اعلنت فيه وزارة الدفاع الامريكية انها حققت اهدافها كاملة في الضربات الاخيرة خرج من الادارة الامريكية رأي يقول ان الهجمات اخرت برنامج العراق التسلحي لمدة سنة واحدة اي ان الضربة القادمة قد تكون بعد سنة او سنتين بناء على هذه الفرضية بينما قد يعجل بها اذا وجدت واشنطن ان شروطها المعلنة بعد وقف الضربات لم تنفذ من قبل بغداد التي اعلنت ان مرحلة فرق التفتيش قد انتهت ولاعودة لهذه الفرق بعد الضربات الموجعة التي شملت مستشفيات ومحطات تكرير النفط ومواقع تأهيل احداث ومطارات مدنية ومنازل مواطنين عاديين الى جانب المواقع العسكرية والحكومية مثل مراكز الاتصالات وقواعد الجيش والحرس الجمهوري وفي هذا يقول الخبراء ان العراق خسر نحو ثمانمائة مليون دولار من جراء الضربات المباشرة طوال الليالي الاربع التي اشتعلت فيها بغداد ومناطق القصف الاخرى. وفق هذا فإن الاحتمالات مفتوحة ان أرادت الادارة الامريكية لها ان تكون كذلك بمعنى الحق في الضرب حتى ما تقرر واشنطن ذلك حتى وان كان ذلك للتغطية على فضائح (لوينسكية) وتهديد بقاء الرئيس بعيدا عن مقصلة العزل والمحاكمة. وثمة حالة غثيان انتابت الشارع العربي من المحيط الى الخليج, سببها الصمت الرسمي المطبق الذي اصابه الهلع من خروج الناس الى الشوارع رغم قوانين الطوارىء المنتشرة كالطاعون ورغم الجاهزية العالمية للادوات الرسمية التي عادة ما تضمن البقاء في المنازل هذا الهلع حول بعض المواقف او لطفها, فجاءت واشنطن وانقذت الحال واعلنت وقف العمليات ضد العراق لتتنفس العواصم العربية الصعداء, ان هذا ليس سوى صورة للارباك في التعاطي مع قضية مصيرية لايريد البعض معرفة مصالحه فيها بالرغم من ان لعبة المصالح هذه حدت بعواصم مثل موسكو وبكين, والى حد ما باريس, تعلن عن رفضها للقرار الامريكي البريطاني في قصف العراق, وليس هناك عيبا في ذلك كما يظن البعض ضمن منطلق المصالح ذاتها حيث اقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا على مهاجمة العراق والتبشير بحكومة جديدة في بغداد تأتي مفصلة على المقاس الامريكي, ذلك ان الكعكة العراقية تثير من الشهية ما يجعل لندن تابعا للولايات المتحدة. وضمن هذا المفهوم للمصالح, فدول المنطقة هي المتضررة من عمليات القرصنة الاخيرة حيث ان شعور واشنطن قوي بضرورة ان تقدم دول المنطقة على الاستدانة من المؤسسات الدولية لتغطية الجزء الاكبر من الحملة الاخيرة وتبعاتها الاخرى. كاتب وصحافي بحريني