لا تزال امريكا اللاتينية تدهشنا كل يوم بالجديد في جميع المجالات, لكن اكثر الدهشة لم تعد تأتينا من الأدب المتسم بالخيال الخصب الجامح الذي قدم لنا خلال العقود الثلاثة الاخيرة ثورة في عالم الابداع جعلها تفرض نفسها على العالم كله من خلال (الواقعية السحرية) بل يأتينا هذه المرة من الواقع الغريب الذي يفوق خيال اي مبدع, وبشكل خاص عندما يتعلق الامر بحياة البشر الذين يسكنون ارض تلك البلاد, هذا الواقع الذي يبدو غريباً على اي عقل قادر على التفكير. اختلط الواقع بالخيال في عالم السياسة في امريكا اللاتينية, بل فاقه, واصبحت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعوب تلك القارة الشاسعة تعيش وفق منطق (الواقعية السحرية) , وليس امام المراقب السياسي سوى ان ينظر الى مظاهر الحياة الواقعية هناك بالمنظار نفسه الذي يتعامل من خلاله ناقد الأدب مع الاتجاهات الادبية المعاصرة في الرواية والقصة والشعر والمسرح. لا يمكن فهم الحركة السياسية والحزبية في بلد مثل المكسيك مثلاً, ما لم نكن على وعي بقواعد منهج ومنطق الواقعية السحرية, لان تلك الواقعية السحرية التي يختلط فيها الواقع بالخيال الجامح والاسطورة, لم تعد قاصرة على حقل الفن والأدب فقط, بل امتدت الى عصب الحياة اليومية المتمثل في السياسة, ودليلنا على هذا موقف الاحزاب الرئيسية من حكم ومعارضة من مسألة اعفاء رجال الاعمال والبنوك الكبرى من اعادة ما سرقوه خلال اكبر عملية نصب واحتيال جرت ليس في تاريخ المكسيك فقط, بل في تاريخ العالم كله, عملية النصب التي تمت مع نهاية عام 1994 وبداية عام ,1995 وفقدت خلالها المكسيك 65 مليار دولار في اسبوع واحد, وكادت ان تؤدي الى اعلان افلاس دولة المكسيك لولا تدخل (الصديق الامريكي) في اللحظة الاخيرة, وتقديمه (الدعم المالي) من خلال ضخ رؤوس اموال جديدة تبدو وكأنها انقذت البلاد من ورطتها, ولكنها في الحقيقة رهنت مستقبلها الاقتصادي لاجيال عديدة. هذه العملية التي وضعت عمليا بترول المكسيك تحت وصاية البنوك الامريكية لعقود طويلة تمتد في المستقبل, ظلت ترقد اسرارها في اضابير حكومة (الحزب الدستوري) الذي يحكم البلاد بمفرده ما يقرب من سبعين سنة من خلال ديمقراطية (ديكورية) لا تسمح بتبادل السلطة مع الاحزاب الاخرى, وعادت للحياة من جديد بعد ان تمت عملية مقايضة غريبة, شارك فيها حزب المعارضة الرئيسي الذي قبل عقد صفقة غير مفهومة للبعض, يتم خلالها اغلاق هذا الملف تماماً, وعدم الحديث عنه في المستقبل ــ القريب على الأقل ــ من خلال اصدار قانون يتقرر بموجبه انهاء وجود (صندوق حماية المدخرات) , الذي يعتبر المؤسسة الرسمية الرئيسية المعنية برقابة البنوك والقروض التي تمنحها تلك البنوك للشركات ورجال الاعمال, اضافة الى اعتبار ديون البنوك والشركات المصرفية الناتجة عن عملية الافلاس كديون للدولة, اي تتحملها الخزينة العامة (؟!). بدا واضحاً ان الهدف من اصدار هذا القانون ايجاد مخرج (ديمقراطي) من خلال البرلمان ردا على المطالب الجماهيرية بمطاردة البنوك ورجال الاعمال لاسترداد الاموال المسروقة, او بعضها, او على الأقل عقاب المسؤولين عن ضياعها حتى لا تتكرر في المستقبل عمليات نصب واحتيال مشابهة. الدعم الذي قدمه حزب العمل الوطني اليميني المعارض للحزب الحاكم والمسؤول عن ضياع تلك الاموال على الشعب المكسيكي بدا دعما مشبوها, خاصة ان عددا من اعضائه البارزين في البرلمان رفضوا الخضوع لتوجيهات قيادة الحزب بالتصويت لصالح هذا القانون, الذي يعتبر نوعا من العفو العام المقنع, وقرروا اعلان رفضهم لتلك (المقاصة) المشبوهة, والخروج الى الشارع للمطالبة باجراء حوار علني تشارك فيه جميع فئات الشعب للوصول الى الحقيقة. الهدف المعلن من اصدار القانون الذي يضع حدا لحياة مؤسسة (صندوق حماية المدخرات) هو تقنين الوضع الراهن للتخفيف من خوف الاموال الاجنبية من الوضع الاقتصادي المتردي حتى لا تهرب مرة اخرى, وتترك الوطن في حالة افلاس كامل, وما يعنيه هذا الافلاس من خطر على حاضر ومستقبل الاقتصاد المكسيكي (!), لكن ما تم في دهاليز البرلمان ــ حسب الرافضين للقانون ــ هو اتفاق بين (لصوص السياسة) و(لصوص البنوك والاعمال) على اقتسام الغنيمة, كما اعلن احد اعضاء الحزب الحاكم, الذي رفض التصويت لصالح هذا العفو العام المشبوه, لان هذا القانون في رأي الرافضين يضع مزيدا من الاعباء على الديون الرهيبة التي يتحملها رجل الشارع المكسيكي البسيط, ويدفع بمستقبل الاجيال القادمة الى نفق مظلم لا امل في امكانية الخروج منه, فيما يزداد لصوص الاموال في البنوك ثراء على ثرائهم. 65 مليارا من الدولارات ليست بالرقم الصغير الذي يمكن التجاوز عنه بهذه السهولة التي تمت في البرلمان المكسيكي, خاصة ان اسماء من سرقوا هذه الاموال, او على الاقل تسببوا في ضياعها معروفة للجميع, وليس بينها اسما واحدا غير قادر على اعادة ما حصل عليه خلال عملية الافلاس الشهيرة التي شهدتها دولة المكسيك لأول مرة في تاريخها, ان اتمام عملية التصويت ووقوف الحزب المعارض الرئيسي في البلاد رسمياً وراء الحكومة لاصدار هذا القانون يثير الكثير من التساؤل في رأس رجل الشارع المكسيكي: هل من المعقول ان تتفق المعارضة مع الحكومة في سرقة مستقبل الوطن, ما لم تكن هناك شراكة في الجريمة؟ هذا السؤال لا يجد اجابة رسمية, ولكن التكهنات سهلة ويمكن من خلالها الوصول الى حقيقة الامر لو ان عمليات التحقيق استمرت في مجراها الطبيعي قبل اجهاضها بقانون العفو العام, فالاجابة سهلة وبسيطة: في ظل فساد عام لا يقتصر على الحكومة وحدها وحزبها, بل يمتد الى احزاب المعارضة التي تتغذى صناديقها من رشاوى البنوك والشركات بشكل مباشر عبر عمليات مقاصة (خدمات مقابل اموال) , وايضاً هناك العلاقات المالية المشبوهة التي تربط بين البنوك والشركات الوطنية والاجنبية من جهة, وبين بعض الاعضاء البارزين في الاحزاب السياسية, الذين جعلوا من صناعة السياسة مهنة للتكسب منها, مما جعلهم يخلطون ما بين ما هو في صالح الوطن وما هو من الصالح الشخصي والمنفعة الخاصة. في ظل وضع كهذا تختلط الامور, وبرلمان وضعه في مثل هذه الحال لن ينظر الى الصالح العام عند التصويت على قانون مثل هذا, بل من المؤكد انه سوف ينظر الى النتائج المباشرة التي تتعلق بشخوص الاعضاء الذين تربطهم علاقة مشبوهة مع من سرقوا اموال الوطن, فيجدون انفسهم في سلة واحدة مع (اللصوص) ولا يجدون مفرا من انقاذ انفسهم بالتصويت لصالح العفو عن شركائهم, حتى لا يجدوا انفسهم في الموقف نفسه, وتضمهم قضبان واحدة. فساد الحياة السياسية في المكسيك لم يعد يقتصر على الحزب الحاكم, بل امتد ليشمل المعارضة, لذلك فإن التشاؤم في الشارع عام, بعد ان فقد الجميع الأمل في اصلاح ما فسد خلال الانتخابات الرئاسية المنتظر اجراؤها عام 2000. لا فارق بين ان يبقى الحزب الحاكم لعقد جديد, ان يأتي حزب معارض الى السلطة, لأن الجميع كما يقول المثل الشعبي: (في الهوا سوا) . كاتب مصري مقيم في اسبانيا*