للمرة الثانية, خلال سنتين, تجدد المشهد المبكي الذي صفق فيه, من يفترض انهم ممثلو الشعب العربي الفلسطيني, وتبادلوا التهاني, احتفاء بالغاء ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية, (فعلوها) , اول مرة, يوم الخامس والعشرين من ابريل ,1996 عربونا لصداقة شيمون بيريز, ودفعة على الحساب, لانجاحه في الانتخابات, وكرروا فعلتهم , وقدموها هدية لقاتل اطفال العراق ــ بيل كلينتون ــ وبحضوره, يوم الرابع عشر من ديسمبر 1998. ولم يدر هؤلاء ــ وربما كان قسم كبير منهم يدري, (وفعلها) عن سابق اصرار ــ انهم كانوا يرقصون في حفل تأبين تاريخهم, ويستهينون, او يهينون ارواح شهدائهم, ويدمرون الاساس الفكري والسياسي للوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني وقواه السياسية, ويمزقون الاطار التنظيمي الذي قامت عليه منظمة التحرير الفلسطينية. حاكم هؤلاء ميثاقهم بمقاييس التسوية الجارية, وشروطها المذلة, فحكموا عليه بالاعدام. ونسي هؤلاء, او تناسوا عمداً, ليبرروا (فعلتهم) , ان الميثاق حين وضع اواسط الستينات, لم تكن الضفة وغزة قد سقطتا في قبضة الاحتلال الصهيوني, وان هدفه حينها, كان تحرير الجزء الفلسطيني الذي وقع تحت الاحتلال عام ,1948 وحين امتد الاحتلال ليبسط وجوده على بقية الارض الفلسطينية عام ,1967 فإن ذلك عزز من اهمية الميثاق, وزاد في قيمته, وجعل التمسك به اكثر ضرورة, فقد اكد انه كان سباقاً في تحديد مخاطر الغزوة الصهيونية, وتهديدها للأرض العربية وليس الفلسطينية فقط, وان رؤيته لمخاطر الوجود الصهيوني في فلسطين, وطبيعة الحركة الصهيونية, وارتباطها بالاهداف الاستعمارية في المنطقة العربية, هي التي جعلته بهذا الشمول. ولم يكتف خصوم الميثاق بالتنكر لبنوده, بل تنكروا للمرحلة التي انجبته, والقيادات السياسية والفكرية التي أنشأته, فقد جاء الميثاق وليد مرحلة الصعود لحركة التحرر القومي العربية المعادية للاستعمار, وشمولها, بقيادة عبدالناصر, وما كان لتلك المرحلة ان ترى اسرائيل والحركة الصهيونية بغير الصورة التي رآها الميثاق, ولم يكن في وسعها بالتالي, ان تتعاطى معها دون لغة الميثاق. ومن ناحية ثانية فإن القيادات الفكرية والسياسية للشعب الفلسطيني التي انشأت الميثاق, كانت ابنة تلك المرحلة, ومراحل النضال الوطني الفلسطيني التي سبقتها, والتي عاشت معاناة سنوات الاغتصاب الصهيوني لفلسطين, وتشريد اهلها, وعليه جاءت صياغتها للميثاق بحجم الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وفي سياق الحملة على الميثاق, لم تسلم تلك المرحلة, ولا قياداتها من التجريح والاستخفاف. لكن الاسباب التي ساقها دعاة تعديل الميثاق والغائه, كاتهامه بعدم الواقعية, والقصور عن مجاراة تطورات العصر, لم تفلح في تغطية الاسباب والدوافع الحقيقية لالغاء الميثاق. فالنصوص المكتوبة, والمعلنة لاتفاقات اوسلو وملحقاتها, وآخرها اتفاق (واي بلانتيشن) اكدت ان رأس الميثاق كان مطلوباً اسرائيلياً, وان توقيت عملية الالغاء, وتحديد الهيئات الفلسطينية المنوط بها ذلك, جاءت مفصلة في الجدول الزمني الملحق باتفاقات (واي بلانتيشن) وبالتالي فإن المصلحة الاسرائيلية (البحتة) , وليس الفلسطينية ــ كما يدعي (الواقعيون) الفلسطينيون ــ هي التي وقفت وراء الغاء الميثاق, واذا اردنا التحديد اكثر نقول: ان نص التعديل الذي صوت عليه المجلس الوطني في دورة 1996 كان نصا اسرائيلياً بالأساس. ولم يفطن المتحمسون لالغاء الميثاق, او لم يدققوا ــ وهي عادة باتت سمة من سمات النهج السياسي والتفاوضي الفلسطيني ــ في الجدول الزمني لاتفاقات (واي بلانتيشن) حين حتم هذا الجدول الغاء الميثاق, قبل نهاية الاسبوع السادس من (واي بلانتيشن) حين حتم هذا الجدول الغاء الميثاق, قبل نهاية الاسبوع السادس من (واي بلانتيشن) بينما لا تنتهي (اعادة الانتشار) والالتزامات الاسرائيلية الاخرى قبل نهاية الاسبوع الثاني عشر, اي ان النية الاسرائيلية كانت مبيتة للتوقف عن الوفاء بالتزاماتها بمجرد حصولها على ما يخصها. ومن يجادل في ذلك: عليه ان يسأل اين أصبح اتفاق (واي بلانتيشن) ؟؟. بل لم يدقق المبتهجون بالغاء الميثاق, والمصفقون وقوفاً لذلك, والمبهورون بالرئيس الامريكي وعقيلته, وفي توقيت الزيارة, وتوقيت مهرجانهم, الذي مكن الرئيس الامريكي من تحديد ساعة الصفر للعدوان على العراق اثناء زيارته للمنطقة. وللدفاع عن (فعلتهم) يجادل دعاة الالغاء, بأن الميثاق جرى تجاوزه منذ عام 1974 عندما اقر المجلس الوطني البرنامج المرحلي, ذي النقاط العشر. وعندما اعلن الدولة في دورة الجزائر عام ,1988 وقبل بوجود دولتين في فلسطين. لكن هذا المنطق, يغفل حقيقة كون الميثاق, حدد طبيعة العدو وأهدافه, وحدد بالمقابل اهداف النضال الوطني الفلسطيني, والحقوق الوطنية الفلسطينية, واعتمد الشعب الفلسطيني والعربي عموماً, أداة لتحقيق هذه الأهداف, ومنظمة التحرير اطارا ينتظم قواه السياسية والشعبية. ولم يقل إن تحرير فلسطين, وتحقيق الأهداف, يتم دفعة واحدة, ونهائية, أي انه لم يبلغ المرحلية, ولم يستبعدها, وترك للقيادة السياسية مرحلة نضالها, وتكييفه وفق الظروف والمتغيرات التي تمر بها العملية الكفاحية الطويلة. وفي هذا السياق جاء البرنامج المرحلي ذي النقاط العشر عام 1974. فقد رأى المجلس الوطني الفلسطيني وقتها اعادة ترتيب الأولويات النضالية, والتركيز على استعادة الضفة والقطاع, مستفيدا من القرارات الدولية بشأنهما, ومن المناخ الدولي الذي تولد في أعقاب حرب أكتوبر ,1973 وانعقاد مؤتمر جنيف للسلام عام ,1974 واعتماد حرب أكتوبر ,1973 وانعقاد مؤتمر جنيف للسلام عام ,1974 واعتماد منظمة التحرير ــ عربيا ــ ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني, وقبولها عضوا مراقبا في الأمم المتحدة, على هذا الأساس, في العام نفسه. لكن أيا من نقط البرنامج المرحلي لم تتعرض للميثاق, أو تقدم أي تنازل في أي جزئية منه. بل إن كل قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في دوراته المتعاقبة منذ عام 74 حتى عام 96 ظلت تؤكد على الميثاق, وتتمسك به, وتستند إليه. وحتى على المستوى الدولي, جرى استصدار قرارات من الجمعية العامة للأمم المتحدة, وتأكيد قرارات أخرى, تعزز ما جاء في الميثاق. كقرار إدانة الصهيونية واعتبارها شكلا من أشكال العنصرية الذي صدر في نوفمبر 1975 برقم 3379 والقرار رقم ,3236 الذي صدر في نوفمبر 1974 وأكد على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني, وكل حقوقه غير القابلة للتصرف. وتأكيد الجمعية العامة للأمم المتحدة, سنويا, لقرارها رقم 194 الخاص بحق اللاجئين في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم, وتعويضهم. وحين أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته عام 1988 قيام دولة فلسطين استثناء لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 ــ أي قرار التقسيم ــ استند إلى الجانب الذي يخص الشعب الفلسطيني في هذا القرار, والذي يعترف له بحقه في اقامة دولته المستقلة. أي انه أراد أن يسند قراره, ويعززه, بقرارات الشرعية الدولية, لتحظى الدولة المعلنة بالاعتراف الدولي, ولما يتضمنه القرار من تأكيد على بقاء الفلسطينيين في أراضيهم وممتلكاتهم, حتى من وقع منهم تحت الحكم الاسرائيلي. ولم يتطرق قرار المجلس الوطني للاعتراف للحركة الصهيونية بحقها فيما استولت عليه من فلسطين. وحين تمت الاشارة للقرار ,242 جاء ذلك بهدف الاستفادة مما نص عليه القرار من الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام ,1967 دون أن يعني ذلك التنازل عن بقية الحقوق, ذلك ان القرار يخص الدول العربية, ولم يكن الجانب الفلسطيني مقصودا به, أو حتى مذكورا فيه. لكن الاهتمام الفلسطيني به جاء نتيجة كون الضفة وغزة أراض فلسطينية. وقد تعامل الشعب الفلسطيني مع كل هذه المحطات السياسية, على انها قرارات اقتضتها مراحل النضال, وفق الظروف والمتغيرات الدولية والاقليمية. ولم يشعر بأية حساسية تجاهها, لان الأساس ــ الميثاق ــ الذي يصون الحقوق التاريخية ظل قائما. وكان ذلك مصدر الثقة المتبادلة التي ظلت تحكم العلاقة بين القيادة الفلسطينية وشعبها, ومصدر وقوف الشعب الفلسطيني خلف قيادته, ودفاعه عنها, في كل المعارك التي خاضها دفاعا عن شرعيتها. فالميثاق ليس قرارا يخص موقفا معينا, ولا هو برنامج سياسي لمرحلة نضالية معينة. انه الأساس الفكري والسياسي والتنظيمي للوحدة الوطنية, على مستوى الشعب, ومستوى القوى والفعاليات السياسية. وهو التجسيد لأهداف النضال الوطني, وهو العمود الفقري للاجماع الوطني لكل التيارات السياسية, ومنه, وعلى أساسه, استمدت منظمة التحرير تمثيلها للشعب الفلسطيني, واكتسبت شرعيتها ووحدانية التمثيل على الصعيدين الفلسطيني والعربي. وبالتالي فإن المساس بالميثاق, يهز كل هذه الأركان, التي قامت عليها المنظمة, ويفتح الباب على مصراعيه, أمام الفرقة الداخلية, وأمام المتربصين بوحدانية التمثيل, ويهدد بنيان المنظمة بالتقويض من الداخل, هذا فضلا عما يعنيه من تفريط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني, والأمة العربية في فلسطين. ومن التسليم للحركة الصهيونية بحقوق في فلسطين, وتبرئة لها من الجرائم التي ارتكبتها بحق شعبنا منذ مطالع هذا القرن. وحتى لو حاكمنا خطوة تعديل الميثاق, والغاء القسم الأكبر من بنوده ومواده, بمنطق المساومة الذي اعتمده أصحاب الخطوة. نلاحظ انها جاءت متسرعة, ودون حساب دقيق, وفي غير أوان المساومات التاريخية إذ انهم لم يحصلوا, مقابل خطوتهم, على أي ثمن مهما كان ضئيلا, ورموا بورقتهم, وهي أقوى ورقة يملكونها, بل هي آخر الأوراق, دون مقابل. وحتى قبل أن تبدأ مفاوضات الحل النهائي التي تتناول القضايا الرئيسية. وإذا كان الثمن الذي دفع في المرحلة الانتقالية بحجم الميثاق, فما الثمن الذي سيدفع مقابل قضية كالقدس واللاجئين, والاستيطان, والسيادة؟.