وتشاء الصدف, غير السعيدة بالقطع, ان يكون القائد الامريكي الأعلى غارقا في حمأة أزمة ذات ابعاد جنسية واخلاقية وسلوكية وقضائية وبرلمانية تآكلت معها مصداقيته وأعلن معها الرأي العام في استطلاعات شتى انه يسحب الثقة من شخصيتهوشهادته التي ادلى بها تحت طائلة اليمين القانونية وعلى الكتاب المقدس ثمة اجماع يكاد ينعقد في العاصمة الامريكية واشنطن على ان عملية ضرب العراق الاخيرة بالصواريخ جاءت لتشكل واحدا من افدح اخطاء السياسة الخارجية للرئيس الامريكي كلينتون وكبار معاونيه ومنهم بالطبع وزيرة خارجيته اولبرايت ومستشاره للأمن القومي بيرجر فضلا عن وزير دفاعه كوهين ولقد وصل هذا الخطأ الى حد ان اصبح بمثابة احدى الكبائر ذات الابعاد واسعة النطاق في مجال السياسة الخارجية على نحو ما عبر عنه الكاتب الامريكي المعروف جيم هوجلاند وهو من كبار المتهمين باحوال منطقة الشرق الاوسط من منظور المصالح والتحيزات الامريكية بطبيعة الحال وبصرف النظر عما تبادر الى ذهن الكثيرين من ساسة ومحللين وقطاعات شتى في الرأي العام في امريكا والعالم بأن الرئيس كلينتون بادر الى ضرب العراق ليستر عورات وضعه الداخلي حيث كان مقدما للمساءلة بقصد المحاكمة تمهيدا للعزل من جانب الكونجرس وبصرف النظر عن المبررات والمسوغات التي ساقتها الآلة الاعلامية للبيت الابيض ودهاقنة تشكيل الرأى العام في واشنطن, الا ان الفعل السياسي الخاطىء والعقيم الذي واكب قصف المواقع العراقية بالصواريخ الامريكية ومن الطائرات البريطانية ما لبث ان ارتد الى نحو فاعليه او بالادق مرتكبيه حتى ان عبارة ارتداد الكيد او انقلاب السحر على الساحر (باك فاير بالانجليزية) اصبحت بمثابة العبارة ــ المفتاح في معظم التحليلات وتقديرات الموقف التي تمت في اطار بحث نتائج قصف العراق قبيل حلول رمضان الكريم. لقد ادعى الرئيس الامريكي في نوفمبر الماضي انه انهى في اللحظات الاخيرة قرارا بضرب العراق لانه, (كتر الله خيره) , كان يساوره القلق ازاء رد الفعل العالمي ازاء مثل هذا القرار. فما الذي تغير ما بين نوفمبر وديسمبر؟ وفي معرض الاجابة, وحتى لو صدقنا كلمة العسكريين في البنتاجون, وحتى لو سلمنا بأغراض المناقشة ليس الا, باليمين التي اقسمها وزير الدفاع الامريكي كوهين, بان قرار ضرب العراق كان جاهزا ولاسباب عسكرية واستراتيجية بحتة, فمن البديهي ان التوقيت وتحديد ساعة الصفر كان في يد القائد الاعلى للقوات المسلحة الامريكية وتشاء الصدف غير السعيدة بالقطع ان يكون القائد الامريكي الاعلى غارقا في حمأة ازمة ذات ابعاد جنسية واخلاقية وسلوكية وقضائية وبرلمانية تأكلت معها مصداقيته واعلن معها الرأي العام في استطلاعات شتى انه يسحب الثقة في شخصيته وشهادته التي ادلى بها تحت طائلة اليمين القانونية وعلى الكتاب المقدس. .. وتلك ازمة اشبه بمسلسلات الصابون (سوب اوبرا) التي يعرضها التلفاز في امريكا وغيرها لازجاء فراغ المشاهدين... وهي نوع من (هرش المخ) كما يقول اخوننا في مصر حافل بتوابل الاثارة ومشهيات الجنس والسرية وحاشد بشخصيات سيكوباتية معلولة سلوكيا وسيكولوجيا ثم انه يصدر عن رغبات مريضة في تصفية حسابات شخصية وفي محاولات اغتيال مصداقية البشر وفي الطمع الى المناصب الكبرى... واذا راجعت هذه القائمة التي عرضناها فلسوف تجدها وقد انطبقت على وقائع انحرافات الرئاسة الراهنة في امريكا من ايام القناة القروية جونز ذات الانف المعتوف (تم اصلاحه في جراحة تجميل دفع اعداء كلينتون تكاليفها الباهظة) ومن قبلها فلاوزر وكانت عشيقة قديمة للسياسي المفتون كلينتون ايام كان حاكما على ولاية اركنسو مرورا بالفتاة لوينسكي التي ولدت وتربت وتغذت على الاكاذيب كما اعترفت هي شخصيا, ناهيك عن تريب التي سجلت الساعات الطوال من ادق الاسرار الشخصية التي كان لابد وان تؤتمن عليها وهي اسرار صديقتها الاثيرة لوينسكي للدرجة ان قال القائلون في دوائر واشنطن ايضا: اذا كان هذا ما يفعله الاصدقاء... فمن يصبح بحاجة من ثم الى اعداء؟ وهاهم الاصدقاء الخلصاء يتكفلون بتدمير اصدقائهم وافشاء اسرارهم فضلا عن حكاية المحقق القضائي (ستار) الذي بدأ تقريره الشهير حول سلوكيات اكبر رؤوس البلاد, تتصدر في احصاءات واستطلاعات آخر العام قائمة اكثر المطبوعات رواجا وقبولا ومبيعا من جماهير القارتين, كيف لا وقد حشده صاحبه ــ القاضي المحترم ــ بتفاصيل تدخل به الى مضمار الاباحية واللاأدب المكشوف. العراق هو الأهم وبديهي ان الذين ادانوا سلوك كلينتون المغلوط في ضرب العراق يحرصون على ان يستهلوا احاديثهم بتوضيح انهم لا يؤيدون بهذا مسلكية صدام حسين وربما امعنوا في التحليل قائلين انهم ممن يودون ان يشهدوا يوما عراقا بغير صدام بكل ما ارتبط باسم هذا الحاكم من التسبب في معاناة شعب عربي يسكن بلدا عريقا يحسب له كل حساب في موازين النظام الاقليمي العربي وفي موازين القوى في منطقة الشرق الاوسط دع عنك غياب الديمقراطية والمشاركة السياسية الواعية والفاعلة وحريات الانسان الاساسية التي ترزح تحت وطأة البروباجاندا الزاعقة التي تكرس حاكم العراق فردا اوحد وحاكما مطلقا حتى ان يقرأ الناس شعارا رفعوه في مظاهرات بغداد مؤخرا يقول: (بك بدأ تاريخ الأمة العربية) . غياب التحالف الدولي لا عجب بعد هذا كله ان تعترف اركان السياسة الامريكية بان واشنطن قد ذهبت الى حرب العراق صفر اليدين محرومة من اي تأييد دولي او اقليمي (عربي) يعتد به ان لم تكن قد حشدت آلتها العسكرية زاعمة انها تنفذ قرارات مجلس الامن ولكن وسط انقسام حاد شديد الوضوح بالغ الاستقطاب داخل مجلس الامن ذاته وخاصة على مستوى اعضائه الدائمين باستثناء بريطانيا الذي ظل رئيس وزرائها في حال من الاستصغار يردد سقط المتاع الذي انتجته آلة الدعاية الامريكية لتبرير ضرب فعاليات الشعب العراقي دون ان يصدقه احد حتى ولو في المبنى 9 دواننج ستريت المجاور لمقر رئاسة الوزارة في لندن. بين بوش وكلينتون وفيما ذهب جورج بوش الى حرب العراق رافعا الشعار ــ القضية التي تقول بتحرير الكويت وفيما استطاع وزير خارجية بوش جيمس بيكر ان يضع طوبة على طوبة داخل اجتماعات مجلس الامن الدولي ذاته كي يبني تحالفا دوليا واقليميا حشده وراء هذا الشعار ــ الهدف المشروع بكل تأكيد ــ اذا بالرئيس كلينتون يتخذ قراره بالحرب وسط رفض روسي وتبرّم صيني وسخط فرنسي وغضب عربي عبرت عنه الجماهير في مشرق الوطن الاكبر في مغربه متخطية بذلك سياسات النظم الحاكمة وتحفظات المسؤولين فيها بل ومتخطية في لماحية فطرية لا تتاح سوى لجماهير واعية وفاهمة ــ تحفظاتها على صدام حسين ذاته واساليبه اللاديمقراطية في سياسة الامور ــ كي تصل الجماهير الى تكريس القناعة البديهية التي تقول بأن صدام حسين ليس العراق... وان الفرد مهما كان له دور محسوب وعمر موقوت والذي يبقى ــ بعد وجه الله عز وجل ــ هو الشعب ــ البلد ــ الناس في التاريخ. مطلوب تمثال لمونيكا من جهة اخرى ــ يلاحظ ــ ان الرئيس كلينتون لم يكد يلقى بالا في الماضي لقضايا السياسة الخارجية او لم يكن يتعامل معها على النحو الواجب من الدرس والتحليل والتعرف بالامكان في قضايا العلاقات الدولية والشؤون العالمية. ان كلينتون ــ الرئيس في واشنطن يصدر عن ثقافة كلينتون ــ المحافظ الحاكم في ولاية شبه منسية من ارياف امريكا المترامية الاطراف وقد استغل الرجل تعليمه وثقافته القانونية لا من اجل تكريس حقوق الانسان وحكم القانون الدولي وتأكيد ميثاق الأمم المتحدة ــ ولكن استغلها ــ كما اتضح مؤخرا ــ في التلاعب بالاجروميات والمصطلحات والتعريفات القانونية او هو شغل المحامين كما قد نتصور وقد وظفه كله لتدبير سلوكياته غير السوية في علاقته مع الفتاة لوينسكي وهو ما ظل مثارا لنكات ورسوم كاريكاتورية شتى تعلق في سخر وتهكم حول تلاعب المحامي بيل كلينتون بالالفاظ كسبا للوقت وتمحكا في الصياغات حيث يسأله المحلفون هل تعترف بأن ربطتك علاقة غير مشروعة بالفتاة...؟ فتكون اجابته من قبيل: هذا يتوقف على تعريفكم لكلمة ربط وكلمة علاقة, ولفظة غير وحكاية مشروع... الخ... الخ. كل هذا التوجه الداخلي عند كلينتون ما لبث ان اخلى مكانه لاهتمامات كانت مفاجئة للمراقبين بتقرير كبير المفتشين الدوليين بتلر ولهفة من سيد البيت الابيض على مصير الشعب العراقي, وتصريحات رئاسية اثارت عجبنا الشديد (كاتب السطور) حين صدورها في نوفمبر عن الرئيس الامريكي شخصيا وكانت تؤكد ان الادارة الامريكية قد قررت دعم ما يسمى باسم معارضة عراقية للنظام الحاكم في بغداد الذي رأى السيد كلينتون أنه آن الآوان لتغييره وبعدها جاءتنا الاخبار باعتماد نحو 100 مليون دولار لدعم المعارضة العراقية في الخارج دع عنك مقابلات متلفزة لبعض رؤوسها حتى لا نقول زعماء هنا تمثل هؤلاء لا تعلو هاماتهم ــ مهما كانت نواياهم الى مستوى القيادة او الزعامة. اذن فالرئيس كلينتون يخرج من شرنقة السياسات المحلية والخلافات والحرتقات والمناورات والاحابيل المتبادلة بينه وبين الكونجرس,. كي يهتم بالشأن الخارجي وكل ذلك مرده الى ان الرجل كان يلتمس في السياسة الخارجية ما يعصمه من خطر الوقوف متهما في محكمة الكونجرس او ما قد يحول لصالحه تأييد الرأي العام اذ يقف الناس مع قائدهم في زمن الحرب او ما قد يؤجل مثل هذه المشاكل ولو الى حين. ولقد يصل السخر بكاتب جاد مثل هوجلاند الى ان الفضل في هذا الانفتاح من جانب كلينتون على قضايا السياسة الخارجية انما يعود في التحليل الاخير الى الفتاة لوينسكي التي طالب هوجلاند باقامة تمثال لها اعترافا بهذا الجميل (واشنطن بوست مجازين, عدد 28/12/1998. الوصول الى طريق المسدود وهاهي الامور تدخل مرحلة الركود (تكاد تصل بين امريكا والعراق الى طريق مسدود... سحقوا العراق بالجراج وافقدوا شعبه جزءا من ثرواته التي بناها بالكد والعرق على امتداد سنين, ولم يحققوا شيئا سوى ان اضافوا المزيد من الحمأ اللاهب المسنون الى بركان الغضب العراقي والعربي والاسلامي بشكل عام. وهاهي دوائر الأمم المتحدة تبدأ في التساؤل مع مطالع العام الجديد وكأنها تردد سؤال هاملت الشكسبيري الخالد: أكون او لا أكون حيث تتساءل المنظمة الدولية: تفتيش او لا تفتيش؟ اونسكوم (اللجنة الخاصة) ام لا أونسكوم؟ عقوبات ام صيغة اخرى تقتضيها الاوضاع المستجدة للتعامل مع نظام العراق؟ وحاكم العراق لم يخسر شيئا, فالشعوب هي التي تخسر مقدراتها ومؤسساتها وفلذات اكبادها وهي المكشوفة المعرضة باستمرار لبغي العدوان... والشعوب العريقة كالشعب العراقي تقف دوما مع قياداتها عندما يكون الوطن كله في خطر وهي تعمد بالوعي التاريخي الى تأجيل ساعة الحساب لكن الخاسر الاكبر في هذا كله هو السيد بيل كلينتون, رئيس اكبر دولة في التاريخ الحديث. فلا هو حقق تغييرا في العراق, ولا ارضى جموع المسلمين رغم مغازلة دعايته الرخيصة لمشاعرهم مع حلول رمضان.. ولا حافظ على قاعدة توافق الآراء وهي القاعدة الذهبية التي تكفل تسيير دفة العمل والتفاوض واتخاذ القرار داخل مجلس الامن الدولي بعيدا عن آفة الاستقطاب التي تترجمها الدول الدائمة العضوية الى استعمال حق النقض (الفيتو) . ولا حتى تجنب استمرار اجراءات محاكمته او مساءلته امام الكونجرس. ولا استطاع ان يضيف قدرا من المصداقية الى منصب الرئيس والى قرارات الزعيم والى الرؤية الاستراتيجية الرصينة والبعيدة المدى المفروض ان يتحلى بها القائد الاعلى لقوات البنتاجون... العكس هو الصحيح على طول الخط. امريكا وازمة الزعامة والقوم في امريكا يدركون انهم انما يعيشون ازمة قيادة ومشكلة زعامة. يضيف هوجلاند الذي أحلنا اليه كثيرا في هذا الحديث قائلا: بعد انتخابات الرئاسة عام ,1992 اخبرني واحد من اقرب المقربين الى بيل كلينتون ان اكبر مهامهم في واشنطن سوف تتمثل في استعادة ثقة الناس في القيادة وفي الحكم. لكن الذي حدث ـ يضيف هوجلاند ـ ان كلينتون سوف يوحي للانسان بالمزيد من عدم الثقة وسوف يزرع الشكوك السوداوية ويلقي بذور التشاؤم في الحياة السياسية الامريكية لسنوات عديدة مقبلة. وحتى لو عاش رئيسا دون ازاحته من المنصب بعد المحاكمة فلسوف يخرج من تلك التجربة كسيرا محطما حتى ولو لم تفض المحاكمة ذاتها الى كسره أو وتحطيمه... وبكل هذه المشاعر, وبكل هذه النتائج سوف يعيش وهو يعرف حق المعرفة ما اقدم عليه وهذا شعور ينطوي على اشد انواع العقاب لأي كائن حي.