بعد ايام من العدوان المكثف على العراق من طرف القوات الامريكية والانجليزية عاد الملف العراقي ليطرح التساؤل الاساسي المؤرق: كيف يمكن حل هذه المعضلة التي خيمت على النظام الدولي طيلة العقد الاخير من هذا القرن اولا: بصرف النظر عن مزيد من التدمير الذي تعرض له العراق بفعل العدوان الامريكي الانجليزي الذي لامبرر له والذي قد يزيد من معاناة الشعب العراقي فانه يمكن القول انه على خلاف ما تدعي الولايات المتحدة وانجلترا فان الاعمال العدوانية لم تضعف من القدرات السياسية للنظام العراقي, بل ربما على العكس من ذلك فقد زادت من التفاف المواطنين حول الرئيس صدام حسين لاقتناعها بعدم شرعية المبررات التي استندت اليها الولايات المتحدة وانجلترا لتبرير غاراتها المكثفة بل اكثر من ذلك حتى المعارضة العراقية شعرت بالحرج اعتبارا للاستياء العام الذي خلفه هذا العدوان في العالم العربي خاصة وفي العالم عموما وقد تجلى ذلك في المظاهرات الحاشدة التي خرجت في كثير من الدول العربية والتي عبرت عن تضامنها مع الشعب العراقي والتنديد بالتكالب الانجلوساكسوني على دولة عربي تعيش محنة منذ سنوات. هذا التململ الجماهيري الذي اضطرت الانظمة العربية الى التعامل معه بنوع من التسامح ادراكا منها للحرج الذي وضعت فيه بفعل النظام واحتوائه وهو امر لايمكن قياسه ولايمكن معرفة بالضبط تأثيره على النظام العراقي. ثانيا: ان هذا العدوان قسم النظام الدولي ونتلمس ذلك بوضوح على كثير من المستويات فعلى مستوى مجلس الامن ظهرت الولايات المتحدة وانجلترا معزولتين, فروسيا والصين ادانتا العدوان واعتبرتاه خرقا لميثاق الامم المتحدة في حين وقفت فرنسا موقفا متوازنا عكس في مجمله عدم مساندة هذا العدوان ويتركز هذا الموقف على قناعة مضمونها ان الولايات المتحدة لاغراض داخلية ترتبط بوضعية الرئيس قد همشت مجلس الامن لاسيما ان العدوان قد انطلق في الوقت الذي كان فيه مجلس الامن منصبا على دراسة التقرير الذي قدمه ريتشارد باتلر والذي تضمن استنتاجات لا تشاطرها الكثير من الدول, ولاتبرر مطلقا اللجوء الى القوة وهو مافسر على انه استئثار الولايات المتحدة باستعمال القوة ومجرد استعراض للعضلات يتناقض والنزوع نحو بناء نظام للامن الجماعي يستجيب للشرعية الدولية علاوة على ذلك فان الولايات المتحدة ربما تحسبا لمعارضة باقي الدول لم تسع الى اخبارها او التشاور معها قبل الاقدام على هذا العدوان وعلى المستوى الاوروبي ظهر الخلاف واضحا بين انجلترا المنحازة الى الاطروحة الامريكية ودول اخرى كما هو الامر بالنسبة لفرنسا وايطاليا والمانيا فهذه الاخيرة في ظل الحكومة الاشتراكية الجديدة والتي تستعد لتسلم مقاليد رئاسة الاتحاد الاوروبي اعتبرت ان القوة لايمكن ان تحل مثل هذه المشكلة وعلى خلاف بريطانيا التي ظلت تهدد باستعمالها واحتواء النظام العراقي من خلال خلق جبهة واسعة ضده فان المانيا على لسان وزيرها في الخارجية اعتبرت ان المهمة الاساسية تكمن في الرفع من المساعدات الانسانية للشعب العراقي والعمل على اعادة ادماجه في النظام الدولي وهذه الخلافات داخل الاسرة الاوروبية ستطرح مجددا مصاعب الاتحاد الاوروبي في نهج سياسة خارجية موحدة تساير الخطوات التي تمت على باقي الاصعدة. ثالثا: ان ردود الفعل هذه المناوئة للسلوك الانجلو امريكي اجمعت بشكل اخر على التساؤل حول مكانة الامم المتحدة في النظام الدولي لقد ابرزتا سابقا ان هذا العدوان يشكل هزيمة للمنظمة الدولية ولأمينها العام الذي لم يتردد في التعبير عن حزنه لما آلت اليه الاوضاع فيما يتعلق بهذا الملف. ويطرح هذا الامر قضيتين اساسيتين تتمثل الاولى في العلاقة بين الامم المتحدة ولجنة التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل وخاصة علاقة رئيسها بالامين العام ومجلس الامن, فحقبته التي لم تتجاوز سنة ونصف تميزت بأزمتين سابقتين (فبراير ونوفمبر 1998) وربما قد تكون انتهت على ايقاع الصواريخ التي سقطت على العراق. لقد تبين بوضوح ان رئيس لجنة التفتيش يفتقد لمواصفات الدبلوماسي المعتدل فتصريحاته كثيرا ما ظهرت وكانها تبتغي خدمة مصالح اطراف معينة وتسليم تقريره الى الولايات المتحدة او توجيه اشارات اليها قبل عرض التقرير على مجلس الامن لتبرير ضرب العراق يتعارض والاستقلالية والنزاهة التي ينبغي ان يتحصن بها الموظف الدولي الذي هو في خدمة الارادة الدولية وليس في خدمة قوة معينة اما القضية الثانية فتطرح بشكل واسع دور مجلس الامن في المحافظة على السلم والامن الدوليين وكذلك مراقبة الشرعية الدولية وفي هذا الاطار فان المنتظم الدولي يشهد منذ سنوات انحرافا لمجلس الامن بفعل ضغوط الولايات المتحدة التي تريد ان تستعمله كمجرد اداة لتبرير سلوكاتها وتشعر الكثير من الحكومات والشعوب ان مجلس الامن يبقى مكتوف الايدي في مواجهة ممارسات الولايات المتحدة خاصة عندما تتصرف كخصم وحكم كما تجلى واضحا عندما قامت بتدمير مصنع الشفاء كرد فعل على الاعتداء الذي تعرضت له سفارتيها في كينيا وتنزانيا فرغم مطالبة السودان بارسال لجنة للتحقيق فان مجلس الامن ظل عاجزا عن الاستجابة لذلك بفعل الفتيو الامريكي وهذا الواقع قد يزيد من اضعاف مصداقية الامم المتحدة ويعمق من الشعور بالاحباط لدى كثير من الدول التي تدرك ان هذه الآلية لا يمكن ان تحميها من جبروت الولايات المتحدة التي تتحول تدريجيا الى مجرد شرطي في النظام الدولي. بعد توقف العمليات العسكرية تبرز على السطح قضيتان اساسيتان ينبغي التعامل معهما وهما مازالتا الى اشعار اخر تستقطبا تباينا واضحا بين الولايات المتحدة وانجلترا من جهة وباقي الدول الاخرى تتعلق الاولى بمستقبل لجنة التفتيش الدولي (الاونسكوم) هل اعلنت هذه الغارات نهايتها ذلك ما تؤكد عليه الكثير من ردود الفعل لكن لايعني ذلك انهاء الرقابة الدولية على برامج التسلح العراقية فقد يفضي تغيير جهاز المراقبة الجديد الى اعفاء رئيس اللجنة السابق الاسترالي باتلر. وهو ما سيرضي بعض منتقديه. لكن يبقى الجدل قائما حول طبيعة هذا الجهاز الجديد. فأغلب المقترحات التي قدمت من طرف الدول الداعية الى ذلك ظلت تتسم بالعمومية ومن ثم فان النقاشات داخل مجلس الامن ستنصب في حالة موافقة الولايات المتحدة التي قد تفضل حل اللجنة دون خلق بديل لها حتى تحكم قبضتها على هذا التفتيش على انشاء آلية جديدة لمراقبة برامج التسلح العراقي, وتدقيق مهامها ووضعيتها القانونية بيد انه مهما كانت طبيعة هذه الأداة فان ذلك لن يحول من وقوع ازمات اخرى بين العراق وهذه الآلية لاسيما ان القضايا الخلافية السابقة لم تنصب على اسلحة معينة بل طالت البحث عن وثائق قد لاتوجد ابدا علاوة على ذلك فان هذا التفتيش يصبح مجرد افتعال للازمات اذا لم يتم اعادة تقييم العقوبات التي يتعرض لها العراق منذ اجتياحه للكويت وهي المسألة الثانية التي تشكل مظهرا آخر لهذه المشكلة ففي الوقت الذي تصر فيه الولايات المتحدة على الابقاء على هذه العقوبات لعزل النظام العراقي فان دولا اخرى لاتشاطر هذا التصور وفي هذا الصدد فهي تعتبر ان العقوبات لم تغير في شيء من سيطرة النظام العراقي, واسهمت فقط في رفع معاناة الشعب العراقي المتضرر منها ومن ثم فهي تدعو الى مراجعة شاملة لها وقد يتم ذلك من خلال رفع الحظر البترولي. ولكن في ظل مراقبة صارمة على استعمال الموارد النفطية من طرف النظام العراقي وهو أمر سيبقي دائما العراق تحت الحماية الدولية بدون سيادة. لكن هذا الجدل المحتدم في النظام الدولي حول هاتين المسألتين لايمكن ان يضع حدا للمشكلة العراقية فطالما ان هناك ازمة ثقة بين النظام العراقي والكثير من الدول الغربية فان كل شيء سيبقى مرتبطا بمصير هذا النظام العراقي والكثير من الدول الغربية فإن كل شيء سيبقى مرتبطا بمصير هذا النظام وهو الاشكال الذي عجزت الولايات المتحدة رغم عدوانها الاخير عن ايجاد حل له وهو وضع لايمكن الا ان يجعلنا متشائمين من مآلية المعالجة المحتملة لما بعد هذا العدوان فتسوية الوضع السياسي في العراق ليس شأنا امريكيا محضا بل يتطلب مشاركة كافة الارادات المهتمة فعليا بمصير الشعب العراقي وفي هذا الصدد فان الدول العربية. وجامعتها لايمكن ان تبقى في وضعية الانتظار بل عليها ان تبلور مقترحات عملية من شأنها ألا تترك المجال مفتوحا امام الدول الغربية فالقول بعروبة الشأن العراقي يتطلب منا مزيدا من الشجاعة لابداع حلول تعطي لهذا الشعار مدلولا فعليا. استاذ بكلية الحقوق, جامعة محمد الخامس المغرب