حين تم ضرب العراق أثار حماة البيئة قضية الضرر الحاصل للأرض والطبيعة, كذلك في كل حرب, وتنامي الشعور بأن لكل من البشر وطن له حدود وله علم وله حكومة وله مشاكل. ولكن الوطن الأكبر لنا جميعا هو الارض. ذلك الكوكب ذو الحياة الذي أو كل له الله رسالة جليلة هي حمل الانسان كالسفينة لتعبر به القرون. لكن سفينة الارض الماخرة لعباب الدهر اتعبها السفر الشاق وأضر بها بنو آدم بما افسدوا فيها من طبيعتها وصحرائها ومائها وغاباتها وهوائها وجبالها. ولذلك أحس ركابها بالخطر الداهم والتفت بعضهم لبعض متهما اياهم بالتلويث والقاء القمامات النووية وتدنيس البحر الطاهر بالنفايات وتحطيم الغابات تلك الرئة الكبرى التي تتنفس بها الارض. وقال الفقراء للاغنياء: أعيدوا البصر كرتين في منهج حياتكم ونظام صناعتكم وطريقة عيشكم. انتم الملوثون بدخان مصانعكم وبخار سياراتكم واستهلاك طاقاتكم. انتم المستهلكون لخشب الغابات والمسرفون في انتاج الذرة والملوثون للهواء النقي بما يصدر عن حياتكم اليومية من كربون وسموم, انتم الذين تلقون بفائض غذائكم في البحر وتحطمون الارض وخيراتها خدمة لاغراضكم. وقال الاغنياء للفقراء: انتم الخطر الداهم والبركان المتفجر بسبب التزايد في نسلكم وانتم المدمرون للغابات التي اتخذتموها مساكن وحطمتم اشجارها. هذا هو حوار الشمال والجنوب: حوار صم وخرس لا أمل فيه. فكلما اجتمع الملأ هذه الايام في قمة اوروبية وامريكية أو آسيوية إلا واثاروا قضايا البيئة وذلك منذ قمة ريو المنعقدة في يونيو 1992 وهي اول قمة بهذا الحجم تنعقد على مستوى الارض كلها لتجاوز حوار الصم هذا ومحاولة اتخاذ اجراءات عملية وجدية وناجعة قبل فوات الاوان. ولعل الآية القرآنية الكريمة (251 من سورة البقرة) تلخص هذا اللقاء الانساني قبل فوات الاوان يقول ربك ذو الجلال والاكرام. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين) صدق الله العظيم وهكذا فان الناس مدفوعون بيد الرحمن بعضهم ببعض يحاولون انقاذ الارض من فساد مهدد, حيث بلغوا درجة لعل الله سبحانه وتعالى قصدها في الآية 118 من سورة التوبة, حيث قال جل من قائل: (حتى اذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم) صدق الله العظيم. اليس واقع الارض اليوم يجسم هذ الوصف القرآني الرائع, ونحن نرى المجاعة تهدد هذه السنة 18 مليون نسمة في افريقيا من جيبوتي الى الصومال وكينيا واوغندة وتنزانيا وانجولا وزامبيا. ويختلف العلماء في اسباب هذه الظاهرة. وفي رأينا ان لكل منهم جزءا من الحق. فالبعض من أهل العلم يقول ان المناخ يخضع لحوليات متعاقبة لاتفسير لها بالقطع, والحولية التي تحمل الجفاف الراهن اسمها (النينو) وتنشأ فوق المحيط الهادىء لتقلب معطيات توزيع السحب والرياح, اي لتغير الموازين المعتادة في هطول الامطار سنويا. ويعزي العالم المناخي الفرنسي (بيار مورال) سكرتير البرنامج العالمي لدراسة المناخ هذه الحولية لصدمة من صدمات الكون تحدث كل جيل تقريبا لتؤثر تأثيرا حاسما على توزيع الامطار. اما العالم المعروف (روني ديمون) فيؤكد ان افريقيا تتحمل مصيبة صدرتها لها البلدان المصنعة من الشمال حيث بدأ مفعول نقص الهواء الصالح تحت تأثير تصعيد الحرارة بخدش الحزام الاوزوني الذي يحمي الارض. وخدش ذلك الدرع الاوزوني (أو الغشاء الواقي كما تشاؤون) جاء نتيجة التلوث الصناعي واستعمال القنابل المنزلية بدون حساب ــ اي تلك التي تصلح للتنظيف بطريقة الرش والتي يتبخر منها غاز سام لا يضيع في الفضاء ولا يعدم بل يتصاعد الى الاعلى ليتجمع ثم يقضي على غشاء الأوزون الذي يحمي الارض من الاشعة فوق البنفسجية المنبثقة عن الشمس. ويدعي أحد العلماء الآخرين (أريك فوتورينو) ان طرق التصرف البشرية هي السبب حيث لم يفطن الافارقة منذ ثلاثين عاما الى خطر العمران البشري اي تزايد السكان وخاصة في المدن ولم يحققوا تنسيقا فيما بين بلدانهم فيما يتعلق بالمواد الخام حتى يبيعوها للبلدان المصنعة باسعار تغطي التكلفة. فالنظام الاقتصادي الحالي نظام جائر تمام الجور يجعل المستهلكين ــ اي الاغنياء ــ يستهلكون اكثر فأكثر ويجعل المنتجين, اي الفقراء ينتجون اكثر فأكثر. وفي هذا المناخ من الجدل يزداد حضور حماة البيئة لبحث مصير الارض. فقد شعر الناس اليوم ان السفينة التي تحملهم من سفينة واحدة. ولكنها في رأيي سفينة تشبه السفن التي كانت تحمل العبيد من ادغال افريقيا الى سواحل اوروبا وأمريكا فالعبيدهم سكان المعمورة الفقراء سوف يظلون مكبلين في دهاليز السفينة بينما ينعم الربان والبحارة فوق سطحها باكثر من اربعة أخماس الانتاج العالمي. حتى ولو لم يصل المختلفون الى حل فالمهم هو شعورهم بانهم يركبون سفينة واحدة وان من يهدد ركنه في السفينة بالعناد انما يهدد كل الركاب بالغرق وكل الكائنات الحية بالانقراض. قال الله تعالى في سورة (فاطر: (هو الذي جعلكم خلائف في الارض فمن كفر فعليه كفره) . صدق الله العظيم. إن وجود الانسان على الارض استخلاف من الله سبحانه, أورثه الارض الى حين, ومن الكفر أن نفسد فيها بالتلويث والاتلاف والتفريط.