أبجديات: بقلم- عائشة إبراهيم سلطان

تبث إحدى القنوات الفضائية العربية مسلسلا عربيا يتحدث عن قضايا الشباب العربي ويتطرق إلى ظواهر الضياع, والفراغ والادمان, والسقوط في أحضان جماعات الارهاب المتلفعة بعباءات الإسلام, والعلاقات مع الجنس الآخر و... إلخ . وفي حوار بين شابين من بلدين عربيين يتابعان دراستهما في القاهرة, يشكو احدهما للآخر حالة انعدام الوزن التي يعيشانها بسبب ابتعاد أصدقائهما المقربين الذين تمزقوا في دروب الحياة الصعبة, وتناثروا كالشظايا ما بين الجماعات الارهابية المضللة والاشتغال بمهن لا تتناسب ومؤهلاتهم العلمية سعيا وراء المادة. في الحوار يسأل أحد الشابين الآخر: هل هذه المشاكل موجودة لديكم, هل يمكن لشاب صاحب شهادة جامعية في بلدكم أن يفضل مهنة عامل سيراميك أو عامل طلاء مثلا بسبب التفاوت في المردود المادي بين هذه المهن والوظيفة الحكومية؟ فيجيب الآخر: هذه مشكلة كل الشباب في الوطن العربي ما عدا شباب تلك الدول العائمة على بحيرات النفط, قالها بسخرية واضحة!! وكم كانت العبارة قاتلة وساحقة للروح والوجدان, لقد غاصت العبارة في داخلي كالخنجر, فهذا الطرح الذي حسبنا اننا تجاوزناه ما زال موجودا, ولا يزال هناك من بين أدعياء الفن من يريد أن يزيد في هذا الشرخ العربي, وتحديدا بين شباب الأمة بتكريس مثل هذه الأفكار والمقولات المقلقة, فلماذا؟ ولمصلحة من؟ الفن رسالة, والفنان (الممثل ــ المخرج ــ المؤلف...) صاحب رؤية وموقف, وهو في البدء والانتهاء إنسان يمتلك في داخله وعيا إنسانيا وحسا راقيا يجعله يفهم الواقع, ويراه بشكل مغاير, ولذلك يكرسه إذا كان جميلا ويدعو لتكسير كل ركائزه إذا كان بشعا, وبهذا الوعي كان يجب الانتباه إلى قضية معاناة الشباب العربي في الدول الخليجية العائمة على بحيرات النفط! الوعي المفترض كان يحتم على أصحاب المسلسل وأي عمل مشابه أن يعرفوا حقيقة معاناة ومشاكل شباب الخليج, وبأنهم ــ وان كانوا أحسن حالا ــ إلا انهم يعانون البطالة كبقية شباب الوطن العربي, ويعانون الاختراق بكافة أشكاله: اختراق الثقافة والهوية والاقتصاد والانتماء, يعانون مشاكل التعليم والاعلام, والعمالة, وتحديات العولمة والجريمة والمخدرات وتفكك العائلة وانهيار القيم وغزو نمط الحياة والمعيشة الأمريكي و...! انهم لا يستريحون على أسرة الأحلام والأموال كما قد يتخيل البعض! شباب البلدان العائمة على بحيرات النفط لا يقتاتون النفط ولا يدمنون شربه أو تدخين غازاته, ولم يصادروا ثمن مبيعاته لهم وحدهم, فقد تشاركوه مع اخوانهم, وان أصابهم منه نعيم, فذلك قدر الله ونعمته ولا ذنب لهم كي يحاسبوا عليه أو يعيروا به. نقطة هامة جدا لابد من التنبه لها, فلم تعد هناك دول تعوم على بحيرات من النفط ولم يعد النفط هو الذهب الذي نالنا منه حسد العالم ومؤامراته, لقد وضعوه في حساباتهم, وعملوا على تدمير أسعاره حتى وصلت إلى أقل من سعر المياه المعدنية.. فلا داعي للغمز واللمز, ويكفينا فرقة وتفككا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات