قد يكون في ذينك البئرين 200 جثة. وذلك ما تناقلته انباء عن اكتشاف مقبرتين جماعيتين في بئرين على مبعدة تقرب من 20 كيلو مترا جنوب غرب العاصمة الجزائر . واحملك معي الى عام 1984 حين سقطت جيسكا ماكليز الطفلة التي لم تتجاوز عامين من العمر في بئر تمتد عميقا في تربة (ميلاند) بتكساس. لقد تركزت كل وسائل الاعلام الامريكية على تلك البلدة خلال 58 ساعة استغرقتها عملية الانقاذ منصرفة عن قضايا كبيرة لها بعدها السياسي والاقتصادي, اما حادث البئرين المقبرتين فقد مر عابرا, واذا ما كان هناك من اضافة فهي انتشال 67 جثة فقط من بئر واحدة في عملية استغرقت 16 يوما. اذكر كل ذاك في زمن (الديمقراطيات الحديثة) , الزمن الذي غدا فيه الجمهور (مشاهدا) لا (مشاركا) وغدت موضوعات (فرجة) تلفزيونية احداث ابادة هناك, واكتشاف مقابر جماعية هنالك والمشاهدة, هي ذات المشاهدة, الرؤوس المنثورة بين ادغال غواتيمالا, والجثث المثقبة بالرصاص في كمبوديا, والصدور الممزقة في تشيلي, والقتلى بعد القتلى في صيدا وسهل البقاع, ومواكب الشهداء موكبا اثر موكب كلما لعلع رصاص الصهاينة مطاطا وحيا, والمثقفون المتحررون والفنانون المتميزون يغتالون في اكثر من مكان عند منعطفات الشوارع وعتبات الدور. اقول كل ذاك وشبكات الانباء تنقل الاحتفال الخمسيني بالاعلان العالمي لحقوق الانسان, ذلك الاعلان الذي اعتمد ونشر على الملأ بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1958. أقول كل ذاك مؤكدا على حق منسي من هذه الحقوق, الحق الذي اوردته المادة الثالثة: (لكل فرد حق في الحياة) ! قد لا يكون ثمة من يجادلك حتى تقول بان حقوق الانسان كل لايتجزأ, فلا يمكن مثلا الفصل بين ماجاء في المادة الاولى بان جميع الناس يولدون احرارا ومتساوين في الحقوق, وما نصت عليه المادة الرابعة من حظر للرق, وما اوردته المادة الخامسة من عدم جواز اخضاع اي انسان للتعذيب أو المعاملة او العقوبة القاسية او اللاإنسانية او الحط بالكرامة. ومع ذلك ففي زمن الابادة الجماعية التي تمر مرورا عابرا دون اثارة لابد من تذكير واعادة تذكير بالحق المنسى, حق الانسان في الحياة, الحق الذي اكدته المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (مارس 1976) حين نصت على ان (الحق في الحياة حق ملازم لكل انسان, وعلى القانون ان يحمي هذا الحق, ولايجوز حرمان احد من حياته تعسفا) انه الحق الذي يسبق, في اجتهادي المتواضع, كل الحقوق التي يكثر عنها الحديث ويحلو مثل التمتع باقصى الحرية والكرامة, وحرية التعبير والاعلام والضمير, وحق المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية على النحو الذي فصلته المادة الخامسة من الاعلان الذي اصدره المؤتمر الدولي لحقوق الانسان في طهران في مايو 1968. نعم, ان سقوط الطفلة جيسكا ماكليز قد حظى, وينبغي ان يحظى, باهتمامات اجهزة الاعلام, ولكن مثل ذلك, ان لم نقل اكثر من مثل ذلك, ينبغي ان تبرز بكل جلاء الزيادات التي حدثت في مجالات التحضير للحروب البيولوجية, ومثل ذلك ينبغي ان يؤكد على اخطاء اطلاق مكوك فضائي يحمل ما يقرب من باوند واحد من البلاتنيوم المشع, وهو ما يكفي, في حالة وقوع خطأ انساني, الى اصابة كل سكان الارض بسرطان رئوي حاد, ومثل ذلك ينبغي ان يؤكد على السمعة غير المؤكدة فيما يتصل بسلامة المفاعلات الذرية. وإذا ماسببت حادثة تشيرنوبيل عام 1986 من مآس وذعر فإن هناك ما يقرب من ثلاثة احداث تسرب شعاعي سجلت حتى عام 1986, وان 24% منها وقعت عام 1984, ولقد مرت تلك الاحداث دون تغطية اعلامية؟ ان حق الانسان في الحياة مهدد ليس فقط من حماقة الديكتاتوريات, ورعونة المتهورين من حملة السلاح بل من اولئك العلماء ومن ورائهم فئة المهندسين والسياسيين ممن شيدوا المفاعلات النووية في اكثر من ربع اقطار العالم. وان هذه المفاعلات تولد اكثر من 15% من القوة الكهربائية, واذا ماكان هناك 366 مفاعلا نوويا حتى عام 1986, فإنه الى حدود ذلك العام كان هناك 140 مفاعلا آخر قيد التخطيط والبناء. وفي ذلك العام ذاته تحدث (في. أي. ليفاسون) عضو اكاديمية العلوم السوفييتية بعد الذي وقع في تشيرنوبل قائلا: (ان التساؤل الذي يطرحه المختصون السوفييت حول اذا ماكان توظيف الطاقة الذرية صناعيا لم ينضج بعد؟ واذا ماكان ذلك مدمرا لحضارتنا ونظام بيئتنا؟ كوكبنا غني جدا بمختلف انواع مصادر الطاقة, فلماذا لا نبحث هذا الامر بهدوء؟ وفي هذا الشأن, اننا امام خيار حقيقي على مستوى الدولة, وعلى مستويات الاشخاص والمختصين, ويمضي (ليفاسون) ليؤكد على ما يجب بذله من جهود لتطوير التكنولوجيا ذاتها, وكذلك تطوير معايير نوعية محددة لضمان السلامة من اخطار هذه التكنولوجيا. ان هذا الانتشار السريع للمفاعلات الذرية لايمكن ان يكون مبررا الا في حالة توفر حلول حاسمة لمشاكل التسربات, وتلافي مايمكن ان يحدث عن خطأ انساني محتمل, واي انسان يخلو من الخطأ؟! وما اقوله, وتقوله انت, ان قتل انسان في غابة, وتدمير شعب آمن هما سواء: جريمة لاتغتفر. وان حق الانسان في الحياة ليس بمسألة فيها نظر, انه حق لمن يدخل غياهب النسيان, انه حق يسبق الدعوة الى تمتع كل انسان بنعيم الحياة. ذلك ما اقوله انا وتقوله انت, وكلانا على حق! اعلامي عربي*