طرائق ومناهج الفكر العربي: بقلم - د. تيسير الناشف

حتى نستطيع ان نعرف اسباب حالتنا القائمة اليوم - حالة المجتمعات العربية, الحالة التي تشمل مختلف المشاكل الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية - يجب الفصل الى ابعد مدى بين العلم والايديولوجية, والفصل التام مستحيل. والعلم, في مجال توخيه لتحقيق المعرفة, له علاقة اضعف بالايديولوجية. وكلما زاد تدخل الايديولوجية في مجال العلم زاد تعطل العلم عن اداء وظيفته. وفي مجال مراعاة مبدأ الفصل يجب عدم قبول (بقرارات ايديولوجية مقدسة) . نهج استخدام طرائق البحث العلمي في توخي المعرفة لا يقبل (بقرارات مقدسة) . الفصل بين العلم والايديولوجية يمكن للباحث عن الحقيقة او للعالم ان ياخذ بايديولوجية معينة وان ينهض بها وان يشيعها. غير ان اخذه ونهوضه بها واشاعته لها نشاط ايديولوجي وليس نشاطا علميا. هو يقوم بذلك النشاط ليس بوصفه عالما ولكن بوصفه صاحب ايديولوجية يمكن للانسان نفسه ان يقوم بدورين: دور الباحث الذي يرفض القول مثلا ان جرثومة موجودة دون توفر الدليل المحسوس على هذا الوجود, ودور الشخص في الأيديولوجية الذي يؤمن بوجود شيء دون ان يراه بالدليل المحسوس. ولابد ان يقع تأثير متبادل بين تفكير الانسان بوصفه متحريا عن الحقيقة المحسوسة باستعمال الأدوات العلمية مثل القيام بالاحصاء والتجربة وتفكير الانسان بوصفه صاحب ايديولوجية. وهذا التأثير يمكن ان يكون قويا أو ضعيفا, وتضعف صفة العالم عند الإنسان الذي يؤثر فيه الجانب الأيديولوجي, وتضعف أيضا صفة صاحب الأيديولوجية لدى الإنسان الذي تؤثر فيه صفة الباحث عن الحقيقة عن طريق تطبيق الأدوات العلمية. هناك طروحات علمية وطروحات ايديولوجية متشابهة وغير متشابهة, وسواء كانت الطروحات العلمية والأيديولوجية متشابهة أو غير متشابهة أو متناقضة فإن ثمة اختلافا بين النهج العلمي والنهج الايديولوجي في كيفية تحديد الطروحات, النهج العلمي لا يتوصل إلى طرح من الطروحات إلا بتطبيق الأدوات العلمية الموصلة إلى هذا الطرح ويكون النهج الأيديولوجي في تبني طرح مستلهم لاعتبارات قيمية ذاتية. حتى نحسن فهمنا لواقعنا, وحتى نحسن دراستنا لقضايا التقدم والتطوير الاجتماعيين والحضاريين يجب ان ننحو المنحى العلمي النقدي وان نضع تأكيدا أكبر كثيرا في تفكيرنا على علم اجتماع المعرفة, مما يتضمن دراسة علاقة الفكرة بالبيئتين الاجتماعية والطبيعية. الثنائية في المواقف الفكرية ومن عيوب طرائق التفكير لدى بعض المفكرين اتخاذهم لمواقف فكرية تتسم بما يمكن ان تسمى بالثنائية, أي بأن يتخذوا في مواقفهم أما القبول أو الرفض, أما اللون الأسود أو اللون الأبيض, أما هذه أو ذاك, ويبدو انه لا يوجد في قاموسهم الفكري مفهوم (المناطق الرمادية) أو (المناطق الحدودية) أي (المناطق) التي تقع بين الطرفين الاثنين. ومما يتصل اتصالا عضويا بما نسميه ثنائية التفكير سمة الثقة الكاملة والمطلقة بصحة البيانات الفكرية دون ان يستعمل هؤلاء المفكرون اساليب لغوية في بيان الفكر تشير إلى وجود احتمالات الخطأ في الفكر أو تشير إلى ترك أو تخصيص هامش ذي سعة ما لاحتمال الخطأ في البيان الفكري أو تشير إلى تريث المفكر في اصدار الحكم والتريث قبل الخلوص إلى الاستنتاج, هذه الظاهرة التي قد يصح ان نسميها ظاهرة الاندفاع أو الحماس ذات أثر هام في تعطيل فهم الحقائق لأن الظواهر الاجتماعية ذات تعقد كبير لدرجة انه لا يصلح مع هذا التعقد اصدار الحكم أو الاستنتاج بلغة اليقين والتأكد التام دون التوقف وقفة المحتاط للتمعن قبل اصدار الحكم. الخطأ في نهج المقارنة ومن العيوب المنهجية التي يرتكبها عدد لا يستهان به من الكتاب انهم يخلصون إلى استنتاجات تتعلق بالوجود العربي على أساس ما يزعمون انه اجراء مقارنة بين الحضارة الغربية المعاصرة والتراث الحضاري العربي, انهم يظنون انهم يجرون المقارنة بين ظاهرتين. وإذا بذلت محاولة لاجراء المقارنة دون توفير تلك الشروط فلعله يتم التوصل إلى استنتاجات عامة جدا لا فائدة منها, استنتاجات لا تطلعنا على خصوصيات كل ظاهرة من الظاهرتين, ومن هذا القبيل المقارنة مثلا بين القط والجبل, ويكون الاستنتاج عاما وهو انهما كتلتان ماديتان. وأحد الشروط اللازم توفرها في سياق المقارنة بين الحضارة الغربية والتراث الحضاري العربي هو الاطلاع على هذه الحضارة وهذا التراث, وهذا الاطلاع ليس متوفرا حقا في الأغلبية الكبيرة, من الحالات, وان توفر فهو اطلاع جزئي, ولا يصح بالاطلاع جزئي, ولا يصح بالاطلاع الجزئي وبالتالي الناقص ناهيكم عن حالة انعدام الاطلاع ـ الخلوص إلى استنتاجات عامة. وثمة شرط آخر يجب ان يتوفر ليكون بالامكان عقد المقارنة, وهو أنه لدى القيام بالمقارنة يجب عدم التحيز في الموقف المتخذ ازاء هذا التراث وتلك الحضارة, لأن التحيز المؤيد أو المناوئ يفسد صلاحية المقارنة باعتبارها طريقة للتوصل إلى معرفة الحقائق المتعلقة بموضوع المقارنة. وللقيام بالمقارنة يجب توفر قابلية المقارنة بين المواضيع, عند عقد المقارنة على الكاتب أن يقارن بين كتابات المفكرين العرب والغربيين مثلا في علم الاجتماع أو علم الاقتصاد أو الأدب. غير ان الطريقة التي يتبعها بعض الكتاب خاطئة بعدم استيفائها لهذا الشرط. مناقشة الشخصيات ومناقشة الأفكار ومن السلوك الفكري السيىء لدى قطاعات كبيرة من العرب الرد في المناقشات وكأنها مناقشات بين شخصيات المتناقشين وأفكارهم, بهذا السلوك الفكري ليس من الممكن التوصل إلى الحقيقة, أو إلى قدر كبير منها, لأن الأفكار, إذ تتجه إلى شخصية المناقش وليس إلى أفكاره, تفتقر إلى حد كبير إلى الموضوعية. الفكر في هذه الحالات فكر منحرف هي الموضوع ومتجه إلى ذات المناقش, إلى شخصيته, وبالتالي تنعدم في هذه التبادلات الكلامية صفة السلوك الفكري المستهدف لمعرفة الحقيقة وتتردى هذه التبادلات إلى كلام التهجمات الشخصية. بساطة التحليل ومن السمات المعيبة لقدر لا يستهان به من كتابات بعض المؤلفين بساطة تحليلهم لظاهرة حالتنا المعاصرة. حالتنا هذه نتيجة ظواهر وعوامل كثيرة ومتداخلة وبالتالي معقدة, ولمعرفة جوانب حالتنا ولمعرفة العوامل المشاركة في انشائها من اللازم القيام بالتحليل المتعمق. من اللازم تحليل العوامل والظواهر وهي تتفاعل بعضها مع بعض تفاعلا مستمرا, وتتفاعل تفاعلا مستمرا مع البيئة الاجتماعية والنفسية والطبيعية المحيطة بها. على سبيل المثال, من الصحيح القول ان للاستبداد السياسي الداخلي أثرا في التخلف, هنا يعزي التخلف إلى أسباب منها الاستبداد الداخلي. هذا التحليل قد يكون من الصحيح وصفه بأنه تحليل بسيط, غير ان من الأصح بالنسبة إلينا الذين نريد ان نعرف طبيعة حالتنا القائمة ان نتوسع في تفسير التخلف فنقول ان التخلف نابع من أسباب منها الاستبداد السياسي الداخلي بالاقتران بالسيطرة الأجنبية. هذه الصيغة التي تنطوي على التأثير المتبادل بين العوامل ــ أكثر مساعدة لنا في فهم طبيعة واقعنا من مساعدة الصيغة التي تتمثل في ذكر الأسباب في اغفال التأثير المتبادل القائم بينها. وعلى نفس المنوال من الأصح القول ــ في محاولتنا لفهم واقعنا ــ ان التخلف نابع من أسباب متداخلة التأثير منها الاستبداد السياسي الداخلي والسيطرة الأجنبية والفقر الاقتصادي واغلاق باب الاجتهاد أو عدم استعماله وتولي الاقطاعيين السلطة السياسية في البلاد والروح الحمائلية المتفشية. العزلة بين المثقفين والجماهير في المجتمعات العربية تقوم حالة معيبة لها أثر سيء في الفكر العربي, وتتمثل تلك الحالة في العزلة القائمة إلى حد كبير بين المثقفين ــ الذين يخرج الكتاب عادة من صفوفهم ــ والجماهير, لا يحقق قدر كبير من التدفق الفكري بينهم. من اللازم في التصدي للممارسات العربية والغربية السيئة وفي عملية تأكيد الذات والهوية العربيتين ونحن نريد القيام بهذا التصدي وبتأكيد الذات والهوية ــ ازالة هذه العزلة حتى نعرف القيم الحقيقية والأصيلة الطيبة الكامنة في الجماهير, وهي القيم التي يمكن بالاستعانة بها التصدي للممارسات السيئة, وحتى نعرف أيضا فكر هذه الجماهير في كيفية تحقيق وتأكيد الذات العربية. لدى هذه الجماهير قيم طيبة لم نستفد منها ولم نكتشفها بعد, ويمكن ان تساعدنا في معركة تأكيد الذات, وفي معركة التصدي للقيم السيئة سواء كانت غربية أو عربية. عبادة الأصنام ومن العادات السيئة التي تنتشر بيننا خلقنا (للأصنام) في شتى المجالات الاجتماعية والفكرية ثم عبادتها وتمجيدها, واجلالها واتاحتنا الفرصة لتلك الأصنام لأن تطغى على الساحة الفكرية العربية ولأن تزيل أو تهمش رؤى فكرية أخرى, دون التحقق من صحة وسلامة المضمون الفكري الذي ينتجه عقل ذلك الصنم ودون التحقق من استحقاق هذا الصنم أو ذاك لتلك العبادة وذلك التمجيد والاجلال, ومن العادات الشائعة أيضا اتخاذ موقف يتفق مع اتجاهات ذلك الصنم واهوائه ومحاربة اصنام اخرى اذا كانت افكار تلك الاصنام تختلف مع افكار الصنم المعبود, ومن دلالات هذه العادة الجهل بما هو نافع وبما هو ضار وعقلية الخضوع الفكري وتبعية التفكير, لأن عبادة شخص لصنم فكري معناها حرمان ذلك الشخص لنفسه من التفكير المستقل المنطلق العنان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات