السُلّم التربوي: بقلم- د. خليفة علي السويدي

السُلّم وسيلة يستخدمها الناس عادة للصعود من الأسفل الى الأعلى, أو من الواقع المشهود الى المستقبل المنشود. وتصور معي أيها القارئ الكريم انساناً وضع سلماً في الفراغ , لاشك أننا سنضحك منه, كيف لا وهذا السلم لن يوصله الى شيء سوى الفضاء اللامنتهي, أو تخيل انساناً اخراً يصعد سلماً قد تحطمت بعض درجاته او هي واهنة عن حمل بعوضة لاشك انه يصعد ويده على قلبه ينتظر السقوط في أية لحظة. هذا هو واقع التربية والتعليم في العالم العربي في معظم الأحوال. فالتلاميذ يرتقون سلماً لا يعلمون الى أين سيوصلهم! كما ان درجات السلم غير منتظمة في مسافاتها فلا يعرف الانسان أين يضع رجله وفي كثير من الاحوال يكون مصيره السقوط لأن رجله وقعت في فراغ. فهل من المعقول ان يكون مصير ثلث طلابنا في بعض المراحل التعليمية الرسوب؟ لو كان السلم التعليمي مرصوص الدرجات كما هو في اليابان التي لا يوجد فيها ما يعرف بالسقوط للطالب على الأقل حتى نهاية المرحلة الاعدادية, والسبب في تصوري يكمن في سوء التخطيط التربوي الذي يعاني منه المتعلمون في المدارس, فالقرارات في الغالب مستعجلة وغير مدروسة او بلغة اخرى ينقصها الطرح العلمي, ولكي نتجاوز الامر لابد من معرفة ما الذي نريده من المتعلم قبل ان نرسم المنهاج, فدعونا نخوض في بعض النقاط التي نريد ان يوصلنا لها السلم التعليمي: الانتماء للأمة: ان من الامور التي يتجه لها العالم اليوم, ويسعى لها وهي ليست في مصلحته, وحدة العالم تحت مظلة ذات قطب واحد, تمسح تحت هذه الدعوى ذاتية الشعوب وهويتهم وتمسخ شخصياتهم في نموذج واحد وهذه دعوة خطرة؛ لأن جمال البستان في تنوع الأزهار وعمار الأرض في تنوع الثقافات. نحن كتربويين عرب ينصب اهتمامنا على تربية اجيال الأمة على القيم والأخلاق الفاضلة بما يحفظ لهذه الأجيال هويتها الثقافية ووجودها المميز كأمة عريقة لها تاريخها المجيد في الاسهام بالحضارة العالمية في ظل عواصف وأعاصير الأقوياء الذين يريدون ان يصبغوا العالم بصبغتهم ومعتقداتهم فيما يسمى بالعالم الجديد. وبإمكاننا الاستفادة من شعار اليابانيين في استيعاب التقدم العلمي والتقني وهو (علوم الغرب وثقافة اليابان) (Western Science and Japanese Culture). واولى بنا ان نرفع شعار علوم وتقنية غربية وثقافية عربية. ولابد لنا من العمل على مواءمة كل جديد مع ما ينسجم وهوية مجتمعاتنا العربية الاسلامية, وإعداد التلاميذ لمواجهة مطالب المجتمع التي تتغير بسرعة هائلة, ليتمكنوا من العيش في زمان غير زماننا بعقلانية وحكمة مسلحين بالعلم والايمان. التفكير بوضوح كما يتعلم الانسان مهارة الحديث لانه ليس من الأمور الموروثة كما نعلم, فالاستعداد للنطق موجود لدى كل انسان والبيئة هي التي تعلم الانسان الكلمات والجمل والحروف, ومن ثم تتكون لديه مهارة الحديث, كذلك التفكير فالاستعداد موجود لدى كل انسان ولكن ذلك لا يؤهله للتفكير. سبق وان اكدنا ان التربية هي اعداد للحياة, والتي لا يجد الانسان كل شيء فيها مجهزا على طبق من ذهب؛ بل ان عليه ان يتولى تحديد المعلومات التي تلزم لاتخاذ القرار المناسب, وتحديد كيف يحصل على هذه المعلومات, وكيف يعالجها ويستثمرها في الوصول الى قرار حكيم مستنير يأخذ بالحسبان مختلف الاحتمالات والتبعات المترتبة على كل منها. كلنا يعرف ان العالم الحقيقي يعج بالتناقضات, وفيه مقايضات ومداولات؛ فيه تنازلات مقابل تنازلات؛ فيه قيم قد تحتاج الى تقييم. وكل ذلك يحتاج الى كم كبير من التفكير الذي يمكننا من الحياة الطبيعية في مثل هذا العالم الذي يسوده التنافس اكثر من التعاون ويطغى فيه القوي على الضعيف. يحتاج كل انسان لان تتطور لديه مهارات التفكير النشط التي تساعده في رؤية وجهة نظر الطرف الآخر, وتحديد الاولويات, والأهداف, والبدائل, والتبعات, وحل التناقضات, وابتكار الخطط, وتقييمها. يحتاج الى حكمة في التفكير يرى من خلالها الأشياء بعمومياتها, ويحتاج الى حذاقة فكرية تمكنه من رؤية التفاصيل الدقيقة لهذه الأشياء. وتغدو الحاجة الى مهارات التفكير اشد ما هي عليه في عصرنا الحاضر عصر المعلوماتية, كي يستطيع الانسان التعامل مع دفق المعلومات التي لا حدود لها. ان ما تقدم يضع على مصممي المناهج الدراسية ومخططيها مسؤولية توجيه المناهج بحيث تربي مهارات التفكير عند الطفل وليس مهارات حفظ المعلومات واسترجاعها, فالطفل الذي لا يكتسب مهارات التفكير اللازمة لحياة سريعة التغير, لابد وان يصطدم بواقع يتخبط فيه, وربما يركن الى العاطفة اكثر من العقل في اتخاذ قرارات, وهنا تقع الكارثة. ونحن كمجتمعات عربية اشد حاجة من غيرنا من شعوب العالم لان نربي ابناءنا وبناتنا على التفكير واستخدام عقولهم لا عواطفهم في اتخاذ القرارات باعتبار ذلك جزءاً من ديننا الاسلامي الحنيف. ويسجل تاريخنا المعاصر العديد من الكوارث التي ألمت بنا في تعاملنا مع اعدائنا بعاطفة وليس بعقل. وكثيراً ما كنا نلصق التهم فيمن يتعقل فنصفه بالرجعية حينا وبالخيانة حينا آخر. ونندم حينما يتكشف لنا ما كان يراه عقلاؤنا وحكماؤنا أولئك, ونتيقن بأننا كنا قد ظلمناهم في حينه. التعامل مع المعلومات في زمن تتبدل المعلومات فيه مع عقارب الساعة اصبح لزاما علينا تدريب المتعلمين على فنون التعامل مع المعلومات وذلك بتدريبهم على البحث عن المعلومة الأصح وليست الصحيحة. فاليوم اصبحت وسائل التواصل المعلوماتي تدفع لنا بالعديد من المعلومات التي يرى أهلها أنها الأحسن أو الأفضل وهذا أمر صحيح (فكل يدعي وصلاً بليلى) كما يقول العربي ــ مهمة التربية اليوم تدريب المتعلم على آليات الوقوف على المعلومات وغربلتها, ومن ثم اختيار الأنسب او الأحسن لكي لا نعيش, نخطط بناء على معلومات تجاوزها الناس, وكل ما بُني على خلل أصبح آيلا للانهيار في أية لحظة. وكيل كلية التربية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات