في ربيع هذا العام انعقد في العاصمة الفرنسية باريس المؤتمر الدولي حول المياه باشراف من منظمة الأمم المتحدة, وقد شارك في هذا المؤتمر ممثلو 84 دولة من أجل وضع قرارات دولية جديدة حول كيفية استغلال المياه والتحكم بمصادرها, ان أهمية هذه المسألة تتحدد في ان المياه تغطي ثلثي مساحة الكرة الأرضية, ولكن لا تشكل المياه العذبة الا 2% من هذه الثروة, علما ان 63% من هذه المياه العذبة توجد في حالة تجمد في القطبين الشمالي والجنوبي وبقية المناطق المتجمدة, وهناك ايضا خلل في توزيع المياه حيث ان 60% من المياه العذبة على سطح كوكبنا تتمركز في الولايات المتحدة وروسيا وأندونيسيا, في الوقت الذي لا تتمتع فيها سنغافورة والأردن, على سبيل المثال وليس الحصر بأية منابع للمياه العذبة, وتشير تقارير اليونيسيف الى ان طفلا واحدا يموت كل ثانية في كوكبنا بسبب تلوث المياه, ولا يستطيع 1.1 مليار نسمة من سكان الكرة الأرضية الحصول على مياه نظيفة, ويشير كلاوس تويفر رئيس معهد البيئة التابع للأمم المتحدة وزير البيئة الألماني السابق, الى ان 25 ألفاً من سكان كرتنا الأرضية يموتون يوميا نتيجة لسوء نوعية المياه. ان للمياه خصائص مشتركة مع جميع المعادن الأخرى على كوكبنا من حيث توزيعها غير المتناسب وندرتها, ولكن المياه تتميز عن جميع المعادن في تعذر العثور على بديل لها, فعلى سبيل المثال يقوم الباحثون بالتفتيش عن مصادر أخرى للطاقة كبدائل عن النفط والغاز, ولكن من غير الممكن أن نعثر على بديل آخر عن المياه, ولهذا لا يغالي البعض في احتمال اندلاع الحروب حول مصادر المياه في الشرق الأوسط على سبيل المثال. ويشير العديد من الاخصائيين على وجود أربع مناطق ساخنة في العالم بسبب المياه, المنطقة الأولى حول دجلة والفرات, الثانية حوض نهر الأردن, الثالثة حوض نهر النيل, وأخيرا حوض نهر ميكونج بين الصين وفيتنام ولاووس وكمبوديا. وتقوم تركيا بتنفيذ مشروع من السدود الضخمة بالقرب من منابع دجلة والفرات في جنوب شرقي الأناضول, ويشتمل هذا المشروع على بناء 22 سدا و19 محطة كهرومائية وشبكة واسعة للري مما سيؤدي الى توليد 27 مليون كيلو وات من الكهرباء وري 7.1 ملايين هكتار من الأراضي وتأمين 6 ملايين ليتر من مياه الشرب, خطط لهذا المشروع منذ عام 1936 ولكن تعثر تطبيقه لأسباب مالية, غير انه منذ عام 1989 شرع بتنفيذ هذا المشروع الذي سيكلف تركيا مبلغ 32 مليار دولار, ولا يقتصر هذا المشروع على المؤسسات الزراعية بل يتعدى ذلك لبناء مؤسسات صناعية وخدمية مما سيؤدي الى اسكان مليوني شخص اضافي في هذه المناطق, ويغطي هذا المشروع الضخم 10% من الأراضي التركية وسكانها. ولكن تنفيذ هذا المشروع سيؤدي أيضا الى تغيرات بنوية اقتصادية اجتماعية وبيئية ومناخية لا في تركيا فحسب بل في مساحات واسعة من دول مجاورة هي سوريا والعراق, ان تنفيذ هذا المشروع كان بمثابة ناقوس الخطر للمواجهة بين تركيا وكل من سوريا والعراق وذلك لانه يمثل تهديدا بحرمان كل من العراق وسوريا من مصادر المياه من ناحية, وتدمير كل شبكة الري التي قامت في البلدين منذ آلاف السنين, فالعراق يعتمد في زراعته على دجلة والفرات وكان من أول نتائج البدء بتنفيذ هذا المشروع هو تدهور زراعة تقليدية هامة على حوض الفرات الا وهي زراعة الارز وتراجع حاد في المياه الصالحة للشرب في هذا الحوض, أما سوريا فقد واجهتها مشكلة تقلص المياه الواردة الى أراضيها بعد ان بنت مشاريعها الاروائية والمحطة الكهرومائية الضخمة على حوض الفرات متمثلة في سد الأسد, فتركيا خلافا للمواثيق الدولية, تستحوذ على الحصة الاكبر أي ما يوازي 40% من مياه دجلة والفرات بذريعة ان 90% من مصادر مياه الفرات و45% من مصادر مياه دجلة تأتي من الأراضي التركية, وتتحول قضية المياه الى سلاح سياسي حيث تهدد تركيا عند أول بادرة لخلافاتها مع الجارتين بتقليص كمية المياه الجارية في البلدين, وتقوم تركيا الآن بمد القسم التركي من قبرص بالمياه علاوة على الخطط الجارية لمد اسرائيل بمياه دجلة والفرات بواسطة ناقلات عملاقة عبر البحر المتوسط. ان تنفيذ تركيا لهذه المشاريع الاروائية على دجلة والفرات يستهدف التضييق على ظروف المعيشة على حوضي دجلة والفرات في الجارتين الجنوبيتين ومن ثم فرض مواقفها عليهما, وكاجراء احتياطي من أجل تحقيق هذه الأهداف بادرت تركيا الى عقد الاتفاق العسكري الاستراتيجي مع اسرائيل, وهي خطوة خطيرة تزيد من التوتر في الشرق الأوسط, ان التشبث بدعم سوريا لحزب العمال الكردستاني ما هو إلا غطاء تلجأ اليه تركيا لاحتكار المياه الجارية في حوضي دجلة والفرات وبالتالي تحويل المنطقة إلى بؤرة أشد خطورة للتوتر وزجها في دوامة المواجهة الساخنة التي لا تسلم حتى تركيا من آثارها السلبية المدمرة.