أم فهد وحيرتها مع ثعلب الصحراء: بكاء على العراق.. أم بكاء على النفس: بقلم - الدكتور محمد الرميحي

هل تذكرون جارتي أم فهد. إنها تلك الجارة العزيزة التي دأبت على مناقشتي في أمور السياسة والوطن , والتي أعتقد أن الحيرة التي تنتابها هي حيرة المواطن العربي الذي تسلطت عليه وسائل الاعلام المفتوحة بكل ما فيها من تناقضات وقضايا خلافية لم يعد يحسمها السلاح, فما بالكم بضجيج الكلمات؟! مرة اخرى تتصل بي جارتي أم فهد لتسألني حائرة وماذا بعد الحملة العسكرية المشتركة البريطانية والأمريكية على العراق؟ لقد ظننا ان هذه الحملة وراءها خطة للإطاحة بنظام بغداد رفقا بالشعب العراقي الذي طالت معاناته أكثر مما ينبغي, فلا يمكن لعاقل ان يتصور ان كل هذه القوة العقلية التي يتمتع بها المخططون الغربيون وهذا التصميم المستمر على ملاحقة تدمير الاسلحة ذات الدمار الشامل, ألا يضعوا في حسابهم في نفس الوقت أن يطيحوا بالنظام الذي تسبب في كل هذه المشاكل بعد كل هذه الحملة العسكرية الواسعة والتي ألبت عليهم وعلى حلفاء لهم كل هذا الضجيج. قلت لأم فهد على رسلك ياجارتي العزيزة فأنت تنقلين الآن ما يدور على ألسنة العامة من أحاديث ولكنها أحاديث غير دقيقة, قالت بنبرة لا تخلو من الغضب وكأنها قد ضاقت ذرعا بما أقول, لأن الشخص العادي عادة ما يريد أن يوافقه المستمع على رأيه, خاصة نحن شعب مجامل بعضنا يخلق الاعذار لعدم الدخول في نقاشات فيها وجهات نظر مختلفة وقد تكون متعارضة, قالت أني اريد تفسيرا لما حدث ويحدث, تفسيرا مقنعا وليس كلاما منمقا على شاكلة ما يقوم به المثقفون الذين يدعون المعرفة. عرفت بعد هذه المقدمة الساخنة ان أم فهد هذه المرة لن تقبل الكثير من السفسطة لأنها تبحث كما قالت عن تفسير مقنع لما يحدث, وهي محقة في قولها وفي غضبها لأن الكثير مما يحدث حولنا يبدو للكثيرين انه طلاسم تحتاج الى تفكيك وتركيب. قلت لأم فهد سأقول لك ما أعتقد أنه يقدم تفسيرا للتناقض الذي يقع فيه الكثيرون من جراء قراءة ما يحدث, فالاختلاف الحقيقي في التفسيرات ينبع من اختلاف زاوية الرؤية, ومرة اخرى قاطعتني غاضبة وعاتبة: قلت لك إنني لا أفهم رطانة المثقفين وها أنت تقول مرة أخرى عبارات مثل: تناقض يقع فيه الكثيرون, وقراءة لاحداث, وأخيرا اختلاف زاوية الرؤية, مع أننا نعيش في شارع واحد والزاوية التي تنظر منها هي نفس الزاوية التي أراها من بيتنا. قلت لها: هدئي من روعك يا أم فهد فهذا بالضبط ما أقصده, انظري الى الخارج وأنت تتحدثين هل ترين سيارة بيضاء في الشارع, قالت بلهجة لا تخلو من المسايرة لا السيارة التي أراها سوداء, قلت هذا ما أقصده (بزاوية الرؤية) قالت بنفاد صبر وانتظار قلق أكمل, أريد تفسيرا. قلت ان المجتمعات الغربية لها موازين وقوانين وطرق في الحكم والعمل تختلف عما نتصوره نحن, فهم يضعون الخطط لتحقيق الأهداف العامة على المديين المتوسط والطويل ونحن نرى أنه ان لم تتحقق الآن وفورا النتائج التي نريد التوصل اليها, فان الخطط الموضوعة ليست ذات بال, ان خططهم استشرافية متوقعة الحدوث, ونحن نرغب في الحدث الساخن والمفاجىء في التو واللحظة. قالت أم فهد وهي تتنهد بصوت مسموع: رجعنا إلى الكلمات الغامضة مثل الخطط الاستشرافية وخلافه, ماذا تقصد بها رحمك الله. قلت شكرا على دعوة الاسترحام فنحن احوج ما نكون إليها في هذا الشهر الفضيل, ولكن أقصد بالخطط الاستشرافية انها تلك الخطط التي لها طبيعة معرفية خاصة, فهي احتمالية بالضرورة تتضمن تعيين المسارات المختلفة وربما تحقق احداها عاجلا أو آجلا, وبقدر ما ان هناك جزءا من المسارات والتوقعات محسوبا فان الجزء الباقي حر, طليق ممكن ان يحدث اليوم أو غدا أو بعد فترة تطول أو تقصر, قالت أم فهد مازال التفسير بعيدا وان اتضحت معالمه. اكملت رؤيتي قائلا: ان هناك مجموعة من الحقائق فيما يخص العراق دعيني استعرضها, هناك حكم بالحديد والنار, وهناك عدم رضا كامن لدى قطاعات واسعة من العراقيين سواء كانوا في المنفى القسري خارج العراق أو في الداخل, وهناك تضييق على الحريات العامة بشكل تعسفي, وهناك فقدان تام للامن, أضف إلى ذلك اقتصادا بالغ الضنك, رغم ان هناك اموالا تصرف على بناء القصور الفاخرة وعلى اسلحة الدمار الشامل غير المخصصات الضخمة التي تذهب للذين يدافعون عن هذا النظام, ومما يزيد من درجة الاختناق وجود فئة صغيرة, وتصغر يوميا, من المتنفذين الذين يقبضون على رقبة الشعب العراقي دون شرعية اللهم الا شرعية القوة والتسلط, وهناك فوق ذلك معارضة في الشمال تسيطر على اراض عراقية شبه مستقلة ومعارضة في الجنوب معروفة ونشطة, ومعارضة في الوسط ساخطة ومتحفزة. هذه هي خريطة العراق اليوم وهي خريطة بائسة كنا لا نتمنى ان نراها لبلد عربي ولكن هذا النظام الذي يتحكم فيها محروم تماما من المناصرين في الداخل والحلفاء في الخارج, وفي مثل هذا الموقف فان الذي تم هو حرمان النظام من بعض آلته القمعية المتمثلة في قطاعات الحرس الخاص, الا ترين ان النظام العراقي هذه المرة لم يطلع العالم على أية نتائج للحملة الجوية الاخيرة, لانها اصابت فقط مفاصل القوى التي يستخدمها النظام للقمع الداخلي؟ بل ان الجسور ومحطات الكهرباء ومياه الشرب وكل ما يمس حياة الفرد العراقي العادي لم تمس, وذلك دليل على ان المطلوب هو تقليم اظافر النظام اما قطع اليد فهو متروك للشعب العراقي. وماذا عن موقف المظاهرات والدعوات التي سارت لمناصرة العراق في بعض العواصم العربية, هكذا قالت ام فهد وقد بدأت حدة كلامها تهدأ قليلاً. قلت: جميل لنناقش هذا الامر ونبدأ ليس من موقف بعض المظاهرات العربية بل نبدأ من الموقف الروسي الاخير, وكما قالت وثائق روسية رسمية على لسان الرئيس الروسي ان الموقف الذي اتخذته, وسحبها لسفيريها من واشنطن ولندن, نابع اساسا من تخوفها من قيام (نظام عالمي جديد احادي القطبية) يتركها بعيدا عن المشاركة, فقد كان البيان الذي اصدره رئيس روسيا الاتحادية يطالب في جملته بـ (اقرار نظام عالمي متعدد الاقطاب) وهو امر ليس خاصا بالدفاع عن النظام العراقي ولكنه اتخذه فقط كذريعة لا غير لبيان بعض القوة الدولية التي تفترض موسكو انها مازالت لديها, اما الغرض الرئيسي فهو شيء اخر, هو من بين امور اخرى, علاقة روسيا مع حلف شمال الاطلسي, والصراع على بقية اوروبا الشرقية القديمة خاصة في البلقان, اما رأي كبار القادة الروس الذين هجروا الطريق القديم لضيق مساراته فهم يستغربون بل يستهجنون ما يقوم به النظام العراقي من سياسات في الداخل والخارج, ولم يمر وقت قصير حتى عاد السفيران الروسيان إلى مقري عمليهما في واشنطن ولندن. والقياس نفسه صحيح اذا طبقناه على الاطراف العربية, فبعض هذه الاطراف خرج مواطنوها في قلة قليلة نتيجة الاحباط التاريخي والمتراكم من جراء سياسات غربية قديمة خاصة في الشرق الأوسط, هذا ان افترضنا ان هذه الجمهرة خرجت بشكل تلقائي, وهو أمر نادر الحدوث كما عودتنا أساليب المظاهرات في العالم العربي, أما الذين خرجوا الى الشارع بدعوة ظاهرة أو خفية لمناصرة النظام العراقي, فإن شكواهم مثل شكوى روسيا مع الفارق, أي لهم جدول أعمال خاص, وليس بالضرورة ان يكون متطابقا مع جدول أعمال النظام العراقي, بل وفي أغلب الاحيان يكون مبعثه شكوى من الداخل. بوجهة نظر اخرى ان الكل كان يبكي على فقيد خاص به, ولا يذرف الدمع على ممارسات النظام العراقي لأنها ممجوجة من كل ذي بصيرة, وعادة في مثل هذه الامور تختلط جداول الأعمال كل له أجندته الخاصة, انهم ضحايا المعلومات الخاطئة وما أكثرهم في مجتمعاتنا. قالت أم فهد: ألم يتعلم احد من هذه الدروس التي مررنا بها كعرب, وان الطريق الصحيح الى النهوض هو الحرية الحقيقية التي بها حققت الشعوب الاخرى نهضتها. قلت: بعضنا لم يتعلم, فمازالت بيننا من الانظمة السياسية التي تضيق صدرا بمجرد ذكر لكلمة الحرية المشبوهة في نظرها وهي بذلك لا تروم الانصاف الا لشعوبها ولا للقضايا الانسانية الواضحة, واليك مثال على ذلك هو قضية الاسرى والمرتهنين الكويتيين الذين لا ذنب لهم غير انهم انتزعوا من بيوتهم وأوطانهم منذ تسع سنوات دون ان يبالي أحد بمصيرهم, ان المبالغة والتحامل والتعميم من صفات المراهقة السياسية للشعوب, وبعض الحكام يريد ان تستمر هذه الفترة التي هي عابرة في تاريخ شعوب اخرى الى أطول مدة ممكنة. ولنا في تاريخنا الحديث أكثر من سابقة تعيسة على هذا الأمر هل تذكرين موقف بورقيبة عندما نادى بالتقسيم في وسط الخمسينات, لقد قام رأي العوام بتسفيهه في ذلك الوقت واتهامه بالخيانة وعته الشيخوخة, رغم ان الرجل كان لايزال شابا واليوم يبكي الجميع على جزء مما كان يمكن ان تحققه دعوة بورقيبة, وسينتقد الجميع بعد حين كل أتباع صدام حسين بعد ان يعرفوا الجرائم التي ارتكبها ضد شعبه والأمة العربية. التحالف الدولي قام بما قام به من عمل عسكري ضد النظام في بغداد لأن النظام لا يريد ان يستجيب لقرارات مجلس الأمن ولمن يعرف تطبيق قرارات مجلس الأمن هو مطلب دولي وعربي كان آخرها قرارات قمة مجلس التعاون في أبوظبي في الاسبوع الأول من شهر ديسمبر الحالي, وقبله بقليل قرارات دول اعلان دمشق في الدوحة. اما تغيير النظام العراقي فهو مهمة الشعب العراقي بما لديه من طموح وقدرات وتصميم على اللحاق بالعصر, ودون النظر الى كرة بلورية فإن الزمن الافتراضي للنظام العراقي قد انتهى أو كاد, وتلك ليست رغبة خاصة أو رجما بالغيب, وإنما هي قراءة صحيحة للأحداث. ان الذين ينظرون الى اللحظة الراهنة من السطح يريدون العاجلة من الامور وأناس التاريخ يعرفون ان الباطل زائل, ولا يمكن ان يستمر حكم الشعوب على ظلم بين وقتا أطول من اللازم. والى اللقاء في حديث آخر بأم فهد, فأنا أدرك ان الحوار لم ينته لأن الازمات لا تنتهي ومازال التعامل مع الأوجه المختلفة للسياسة العربية يثير حيرة الخبراء والمختصين, فما بالكم بسيدة بسيطة وتلقائية مثلك يا جارتي العزيزة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات