المؤكد ان الجنرال شارل ديجول الذي جمد عضوية فرنسا في الجناح العسكري لحلف الاطلسي في الستينات احتجاجا على تفرد امريكا بقيادة الحلف ورفع شعار وحدة الامن الاوروبي من البرانس حتى الادرال ... لم يكن ليخطر بباله ان خصومه من الاشتراكيين الفرنسيين سيعملون على تنفيذ وصاياه او على الاقل البدء باتخاذ خطوات جادة على هذا الطريق بعد ثلاثة عقود من صيحة الجنرال الفرنسي بعد التغيرات الدرامية التي جرت على الساحة الاوروبية وانهيار حلف وارسو. واثبتت فرنسا كلها باتجاهاتها السياسية المختلفة انها امينة وحريصة على الدعوات الديجولية الاستقلالية. ومثلما اشار احد المعلقين الامريكيين ان فرنسا حرصت في اوائل التسعينات على الغاء قرار ديجول بتجميد عضويتها في الجناح العسكري للحلف ليس من قبيل الخروج على وصاياه, بل للعمل على تحقيق تلك الوصايا. فلقد كشف المؤتمر الاخير لوزراء خارجية حلف الاطلسي والذي عقد في بروكسل في الاسبوع الماضي عن انقسام حاد في الرؤى والتصورات الخاصة بمستقبل الحلف الى الدرجة التي يمكن ان يقال فيها ان الحلف انقسم الى معسكرين معسكر شرق الاطلسي ومعسكر غرب الاطلسي. لقد كان مطروحا على وزراء خارجية الحلف الاعداد للاحتفالات التي ستقام في واشنطن في ابريل المقبل بمناسبة مرور نصف قرن على انشائه (ابريل سنة 1949) بما في ذلك البحث عن الدور المستقبلي لاكبر واطول حلف عسكري على مدى التاريخ ذهبت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية الى بروكسل وهي تحمل مشروعا متكاملا لعولمة الاطلسي واضافة مهام جديدة لهذا الحلف الذي قام في الاساس في نهاية الاربعينات للحفاظ على التوازن العسكري في اوروبا في مواجهة الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو. وتلخصت هذه الاقتراحات في بندين اساسيين. * اولهما: انشاء هيئة خاصة داخل الحلف لمتابعة اوضاع اسلحة الدمار الشامل في العالم وتنسيق الجهود الامنية والعسكرية المشتركة لدول الحلف لمواجهة هذه المخاطر. ثانيهما: ان يكون للحلف حرية الحركة والعمل الفوري لمواجهة اي مشكلات تواجه الامن في اوروبا وخارجها. وبررت اولبرايت مطلبها بان ظروف المخاطر الجديدة والمتغيرة للعالم تفرض على الاطلسي توسيع مهامه وضربت مثلا على ذلك بان مخاطر هجوم صاروخي يستخدم اسلحة الدمار الشامل وموجه من اي دولة من الدول الخارجة على النظام الدولي من وجهة نظرها (مثل ايران والعراق وليبيا وكوبا وكوريا الشمالية) يمثل نفس المخاطر التي كان يمثلها حلف وارسو في الماضي. وبالتالي لابد من ان يكون الحلف مستعدا لمواجهة اي مخاطر خارج اطاره التقليدي في الحفاظ على التوازن العسكري في اوروبا ومن الافضل التعامل الفوري مع هذه المخاطر التي تهدد السلام بدلا من الانتظار حتى تدق الابواب. وتأكيدا لوجهة النظر الامريكية باضفاء مهام دولية جديدة للحلف, ضربت مثلا بما قام به الحلف في يوغوسلافيا وكوسوفو في مواجهة مخاطر دولة عدوانية ليست عضوا في الحلف (يوغوسلافيا) والمنطق الذي تحدثت به وزيرة الخارجية الامريكية يعكس مفهوما امريكيا جرى عليه نقاش واسع في اروقة اجهزة القرار الامريكي وخاصة البنتاجون والتي اعدت ومنذ فترة اقتراحات لتحويل الاطلسي الى منظمة دولية لحفظ السلام والاستقرار في العالم. وكان بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق قد بلور هذه الافكار في كتاب صدر له في السنوات الماضية تحت عنوان (لوحة الشطرنج الكبرى) اشار فيه الى ضرورة ان يتحول الاطلسي الى اداة استراتيجية فعالة لضمان الاستقرار في المثلث الاوروبي - الاسيوي - الامريكي (اي ان يصبح الحلف اطلسيا وباسيفيكيا في الوقت نفسه. ومن الاقتراحات التي قدمتها وزيرة الخارجية الامريكية هو ان يتحول الاطلسي الى منظمة دولية للحفاظ على الامن والاستقرار العالمي, الامر الذي يعني في مضمونه ان يكون الحلف بديلا عن الامم المتحدة ومجلس الامن من الناحية العملية. وهذا على الاقل ما فهمته ورفضته دول الاتحاد الاوروبي الداخلة في الحلف (ىضم الحلف دولا اخرى مثل تركيا والنرويج وكندا وهي ليست اعضاء في دول الاتحاد الاوروبي) . وتصدت فرنسا للمشروع الامريكي تساندها المانيا وانجلترا وايطاليا وغالبية الدول الاوروبية الاعضاء, واعلن فيدرين وزير خارجية فرنسا ان الدول الاوروبية تتمسك بوجهة نظرها التي تقول بان يكون الناتو مطاطا في التعامل مع المشاكل الدولية ولا يمكن ان نجبر على التدخل في مناطق اخرى في العالم تحت دعوى مواجهة اخطار محتملة فتلك هي مهام مجلس الامن والامم المتحدة. بينما قال جوسكافيشر وزير خارجية المانيا ان اوروبا ليست معنية بمحاولات امريكا تحويل الناتو الى حلف مقدس للامبراطورية الرومانية. وعلقت كثير من الصحف الاوروبية مؤكدة الرفض الاوروبي لاقتراحات اولبرايت وخاصة فيما يتعلق بعولمة الاطلسي واعتباره الاداة الاولى للامن الدولي وذلك ليتمشى مع العولمة الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة. على ان المعركة الرئيسية التي دارت ومازالت تدور على ضفتي الاطلسي الخاصة بالمبادرة التي قامت بها كل من انجلترا وفرنسا بانشاء قوة عسكرية اوروبية مستقلة خارج الاطلسي. فمنذ صدر البيان الخاص بهذه القوة في اعقاب القمة الفرنسية البريطانية التي عقدت في مدينة سانت مادلون الفرنسية في الاسبوع الماضي وردود الافعال الامريكية تتراوح بين الغضب الساخر والذي يحمل هجوما على ما يسمى بالتمرد الاوروبي على القيادة الامريكية وبين التساؤلات التي تحمل بين طياتها قلقا واحيانا مرارة حول علاقة هذه القوة الاوروبية المستقلة لحلف الاطلسي. لقد جاء في البيان الانجليزي الفرنسي المشترك ان اوروبا لابد وان تعمل على تجهيز قوات خاصة بها وخارج حلف الاطلسي لتمكينها من فك النزاعات الاوروبية وضرب مثلا ازمة البلقان وذلك لتأكيد الشخصية الاوروبية في السياسات الامنية. وبالرغم من ان اولبرايت لم تعلن صراحة عن معارضتها للفكرة الفرنسية الانجليزية والمدعمة من ايطاليا والمانيا, الا انها كشفت عن قلق واشنطن بالا تكون المهام المعلنة لهذه القوة العسكرية الاوروبية بديلا عن المهام الملقاة على حلف الاطلسي. وتوقف مسؤولون بوزارة الخارجية الامريكية عند تعبير القوة الذاتية autonomous والتي جاءت في البيان الفرنسي البريطاني لما تحمل من مدلولات او تفسيرات قد تتناقض مع الدور الذي يقوم به الاطلسي. واضطر وزير خارجية بريطانيا الى تقديم تفسير لغوي مطول حول الفرق بين تعبير القوة الذاتية والقوة المستقلة lndependent لتهدئة المخاوف الامريكية. بينما علق فيدرين وزير خارجية فرنسا بان بلادة تعتقد ان اقامة قوة عسكرية مستقلة لدول الاتحاد الاوروبي سيمكن هذه الدول من تقدير المواقف واتخاذ القرارات السليمة بالتدخل لانهاء المشاكل الساخنة في اوروبا وبالطبع سيتم ذلك بالتشاور مع حلف الاطلسي وايضا بالتعاون مع الامم المتحدة ومجلس الامن. اما اوساط المعلقين السياسيين في اوروبا وامريكا وبالرغم من الحوارات الدبلوماسية المحكومة التي جرت في اروقة اجتماع وزراء خارجية الاطلسي في بروكسل فان انشاء القوة الاوروبية المستقلة والحديث عن الشخصية الاوروبية في قضايا الامن والدفاع يمثل تحديا حقيقيا للرؤى الامريكية المعاصرة لمستقبل الاطلسي بل يقدم بديلا عنها. وعلينا ان ننتظر وحتى ابريل القادم حين يلتقي قادة حلف الاطلسي للاحتفال بمرور نصف قرن على انشائه لنعرف الاجابة عن السؤال الذي اصبح مطروحا على جدول الاعمال . هل تنجح الجهود الامريكية في عولمة الاطلسي؟ ام تنجح اوروبا في خصخصته.؟ مدير مركز الابحاث والدراسات الجمهورية