ما زال يجري جدل واسع حول الربح والخسارة في العدوان الامريكي ــ البريطاني الاخير على العراق, ورغم ان الجدل اساساً يجري بين الطرفين المعنيين مباشرة بالعملية , اعني الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة والعراق من جهة اخرى, فإن اطرافاً آخرين قد دخلوا في الجدل حول الموضوع ليؤكد بعضهم ان الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا رابحتين, فيما يتبنى آخرون موقفاً يقول ان العراق هو الرابح في محصلة العدوان الامريكي ــ البريطاني. وبطبيعة الحال, فإن موضوع الربح والخسارة في نتائج العدوان على العراق امر غير معزول عن المواقف السياسية للدول, فمن كان اقرب الى موقف واشنطن ولندن في عداء العراق ونظامه, يبدو اميل الى القول بأن محصلة الضربة كانت ايجابية لصالح السياسة الامريكية ــ البريطانية,و على العكس من ذلك يبدو رأي الدول التي عارضت ضرب العراق, وتلك التي تبنت حلولاً سياسية ودبلوماسية لأزمة بغداد مع اللجنة الدولية, وبالتبعية مع الولايات المتحدة التي نصبت من نفسها زعيمة للعالم, وجعلت من بريطانيا مجرد تابع لسياستها. ولا يمكن عزل مفهوم الربح والخسارة في العدوان الاخير على العراق عن طبيعة الاهداف الاساسية للاطراف المختلفة, ولا يبدو جديداً القول ان الاهداف الامريكية ــ البريطانية من الضربة هي إلحاق المزيد من الاضرار والدمار بالعراق, والابقاء عليه ضعيفاً مهيض الجانب من جهة, ونموذجاً للبلد الذي يقدم درساً في الراهن والمستقبل لكل بلد يحاول ان يعارض او يتعارض أو حتى يعترض على السياسة الامريكية لسبب او لآخر, وهذه ليست سوى اهداف تضاف الى اخرى في اهداف الضربة الامريكية ــ البريطانية للعراق. واذا نظرنا الى نتائج الضربة في ضوء هذه الاهداف لأمكن القول انه تم تحقيق الاهداف بصورة جزئية, وبخاصة في موضوع الحاق الاذى والتدمير بالعراق من خلال ضرب وتدمير مائة من الاهداف المختلفة والتي كان اغلبها في بغداد وقريباً منها, لكن امراً كهذا ينبغي النظر اليه من زاوية ان العراق وبعد كل ما جرى عليه في عشرين عاماً ماضية, غداً ضعيفا للغاية, بحيث ان مزيداً من الاضرار والدمار الذي يلحق به لا يشكل الا اضافة كمية في حالة الضعف العراقي, وبهذا المعنى فإن النتائج في هذا الاطار محدودة للغاية. اما في موضوع ان يظل العراق نموذجاً للبلدان التي يمكن استباحتها, ففي هذا الجانب هناك الكثير مما يقال, وأول ما يقال ان الاطار الذي احيط بالقرار الامريكي ــ البريطاني لضرب العراق, لم يكن اطاراً مقنعاً سواء للامم المتحدة ومجلس الامن, أو بالنسبة للرأي العام العربي والعالمي, حيث ظهر تواطؤ رئيس اللجنة الدولية باتلر مع الادارة الامريكية, وظهر ايضاً ان واشنطن بادرت لأخذ وتنفيذ قرار يفترض ان يأخذ مجلس الامن الدولي على نحو ما درجت العادة في التعامل مع الازمة العراقية منذ بدايتها في العام 1990. وقد اورث هذا التصرف الامريكي ــ والبريطاني تالياً ــ بترافقه مع انكشاف الاهداف الحقيقية الامريكية ازاء العراق الى صدور ردة فعل دولية وعربية في المستويين الرسمي والشعبي دخلت كعوامل مؤثرة على نتائج ضرب العراق, وكان في عداد ذلك الاستنكار الذي ابداه الامين العام للامم المتحدة, وتبعه انقسام في مواقف الدول الكبرى الاعضاء في مجلس الامن, وهو ما عبر عنه الموقف الروسي في معارضة العملية العسكرية واتخاذ خطوات عملية وسياسية ذات طابع احتجاجي ضد التصرف الامريكي ــ البريطاني. وتجاوزت ردة الفعل الدولية وصولاً الى المحيط الاقليمي فظهرت المعارضة الايرانية مترافقة مع معارضة عربية اخذت تتوسع لتشمل بلداناً كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تؤكد انها وافقت على ضربة عسكرية ضد العراق وكانت الاشارة الى دول اعلان دمشق, وبينت التطورات ان هناك معارضة قوية لضرب العراق من جانب معظم دول اعلان دمشق. وترك العدوان الامريكي ــ البريطاني الاخير على العراق ردة فعل قوية في اوساط الرأي العام الدولي والعربي, كانت تعبيراته البارزة مظاهرات ومسيرات في انحاء مختلفة من العالم, واستنكاراً واسعاً في اوساط سياسية واجتماعية لما جرى, واندلاعا موجها من التشكيك بالمواقف الامريكية ــ البريطانية وبمصداقيتها في تأكيد دور وموقع الامم المتحدة واحترام مؤسساتها وقراراتها. وبنتائج الموقف السياسي الذي قوبلت به الضربة الموجهة للعراق, صار من الممكن القول ان العراق حقق ربحاً سياسياً مهماً, اذ انه كسر وحدة الموقف في مجلس الامن الدولي, واعاد طرح الازمة العراقية على الامم المتحدة ومجلس الامن للبحث عن اطار جديد في التعامل معها وهو ما اتجه الى تأكيده ثلاث من الدول ذات العضوية الدائمة وهي روسيا, وفرنسا والصين, خاصة وان مبادرات برلمانية عدة تم اتخاذها في دعوة حكومات بينها روسيا والاردن لكسر الحصار الدولي المفروض على العراق, وهو امر قد يؤدي الى ظهور اتجاهين وموقفين ازاء الحصار الدولي على العراق, بدلاً من موقف موحد ساد خلال السنوات الثماني الماضية وشكل قوة ضغط على العراق. وتشير محصلة تلك التطورات الى ان العراق يرى نفسه وقد خرج رابحاً من الناحية السياسية رغم خسارته من الناحية العسكرية, ويراهن العراق وربما دول اخرى في المحيطين الاقليمي والدولي على اضعاف للحضور الامريكي ــ وبالتابعية البريطاني ــ في المنطقة لمصلحة اعادة ترتيب المواقع والنفوذ في ضوء ما جرى وما سوف يجري في الافق المنظور. غير ان ثمة جانب آخر في نتائج الضربة الامريكية ــ البريطانية على العراق, تجسده انعكاسات تلك الضربة على عملية التسوية في المنطقة, فقد ادت تلك النتائج الى تجميد اتفاق واي بلانتيشن من جانب اسرائيل, وهي قد اضعفت الدور الامريكي سواء ما كان منه مبذولاً للدفع على مسار المفاوضات الاسرائيلية ــ الفلسطينية, او ما كان محتملاً القيام به في احياء مسار المفاوضات الاسرائيلية مع سوريا ولبنان. وفي المحصلة الاجمالية, فإنه لا يمكن القول ان ثمة فريق رابح وآخر خاسر, لا في الجانب السياسي ولا في الجانب العسكري, لكن في المؤشر العام, فإن الولايات ومعها بريطانيا تعرضتا لخسارة سياسية في العراق, وهناك خسارة تابعة تحصدها واشنطن تتصل بدورها في عملية التسوية, مقابل بعض الانجازات العسكرية المحدودة, التي لم يشعر العراق بأنها الحقت به خسارة توازي ما تحقق له من ربح سياسي سيجعله في وضعية افضل لتغيير اسس معالجة الازمة العراقية, والدخول في بوابة تغيير مصير العراق في المرحلة المقبلة.