في اسبوع واحد كشفت صحيفتان بريطانيتان عن جزء من مصادر تمويل جائزة نوبل وتمويل الكلية الملكية البريطانية للقابلات, فظهر التناقض الصارخ ما بين الممارسات العلنية وتلك السرية, وما بين نبل الأهداف والانحراف الذي يمكن أن تقع فيه مؤسسة تزعم خدمة الادب أو الثقافة أو الانسانية او حقوق الانسان, أو غير ذلك من نشاطات تلقى الاستحسان والتأييد والاعجاب معاً . ونبدأ بالكلية الملكية البريطانية للقابلات التي كشفت صحيفة (الاندبندنت) انها تستثمر في شركات تصنيع السجائر, وذلك بامتلاكها مئات الأسهم في شركة (امبريال توباكو) وربما كان الأمر يبدو عادياً لو لم تلعب هذه الكلية دوراً كبيراً في بريطانيا في توجيه سياسة الحكومة ضد التدخين, آخرها قبل أسبوع حين تولت وضع اقتراحات لحملة الحكومة الخاصة بمكافحة التدخين بين الأمهات والحوامل. وهكذا فالتناقض الصارخ هنا يدعو للتساؤلات وإثارة الاستغراب والاستنكار, حيث لا يمكن أن يقبل الرأي العام ولا الجهات المعنية التي تخدمها مثل هذه الكلية, أن تقدم بيد دعماً ومالاً لمكافحة التدخين, فيما هي تقبض باليد الاخرى مالاً من شركات التدخين, ما يذكرنا بصورة مماثلة من أمريكا هذه المرة, حيث تقوم بعض أبرز شركات التدخين بتمويل مراكز أبحاث لمعالجة السرطان واكتشاف أدوية للمرض القاتل. طبعاً القبول بمثل هذا الوضع المتناقض تحت ذرائع وحجج عديدة إنما يقدم مبررات لوجود مثل هذه الشركات التي تربح مليارات الدولارات على حساب صحة البشر, كما أنه يقدم هذه الشركات بصورة حسنة على اعتبار انها تساهم في تحسين الصحة ودعم مراكز الابحاث, مع ان منتجات هذه الشركات, هي السبب الرئيسي في أكثر الأحيان وراء تدهور الصحة وانتشار الامراض, فأي نفاق ورياء يرتكبه الانسان وأي ظلم يرتكبه في حق نفسه؟ غير ان مسؤولة بالكلية الملكية البريطانية وصفت ما حدث, بعد علمها به, بالشيء المرعب ووعدت ببيع جميع الأسهم مع حلول الاثنين الماضي مع تقصي أسباب هذا الاستثمار, وذلك مقابل موقف سلبي لجائزة نوبل التي كشفت صحيفة (الاوبزرفر) البريطانية انها تمول جوائزها, ومن بينها جائزة السلام, عبر استثمارات في مصانع لانتاج الأسلحة, تبيع عتاداً عسكرياً لأنظمة تنتهك حقوق الانسان, حتى مع استثناء الحروب التي تفتك بالبشر وقوامها هذه الأسلحة. واذا عرفنا ان جائزة نوبل كلها هي نوع من التكفير عن ذنب اكتشاف الديناميت على يد مخترعه ألفرد نوبل, فان معنى ذلك أن الاساس الأخلاقي للجائزة متوفر, مما ينبغي ألا يبرر لها حاليا الاستثمار في مصانع للسلاح, لولا ان المسؤول عن ادارة هذه الاسهم باسم مؤسسة نوبل في الولايات المتحدة قال ان الخيارات المالية للمؤسسة لا تمليها أية اعتبارات أخلاقية وأنه شخصياً لم تعرض عليه أبداً أية تعليمات أخلاقية. ويمكن طبعاً للأدباء والمفكرين والعلماء والسياسيين الفائزين بنوبل ممارسة الضغط على الجائزة لكي تنأى بنفسها عن مثل هذا التناقض الصارخ وأن تضع في الاعتبار البعد الاخلاقي لمثل هذه الأعمال الخيرية, ولو اقتضى ذلك استنكار الجائزة والتنصل عنها واعلان الندم على قبولها, لولا أن ذلك لن يحدث, لأن الضمير اليوم في نصف اغفاءة, ما يبرر لنوبل, لا الاستثمار في السلاح فحسب, بل منح جائزة السلام نفسها لأبرز مجرمي القرن, من أمثال بيجن ورابين وشامير, ومن يدري لعل نتانياهو على الطريق أيضا.