من المرويات الشعبية اليمنية, التي يضرب بها المثل قصة تقول ان إماما وخطيبا لأحد مساجد اليمن تعود على ان يرتجل مقدمة خطبة الجمعة , ثم يخرج من شال عمامته الخطبة التي كتبها, ويبدأ في القائها .. وكان يكثر في خطبة الجمعة من التنديد بالابناء الذين لا يبرون آباءهم, ولا يستمعون لنصائح أمهاتهم, وهو كلام كان يضايق ابنه, إذ كانت انظار المصلين تتجه اليه, كلما كرر الأب هذه العبارات في احدى خطبه, ادراكا منهم بأنه المقصود بها. وبعد ان انتهى الأب ــ ذات جمعة ــ من ارتجال مقدمة الخطبة, رفع يده الى شال عمامته بحثا عن النص الذي كتبه, فلم يجدها فأدرك ان الابن العاصي قد سرقها, فصمت لحظة ثم قال: ياعباد الله .. الخطبة هي الخطبة .. والجمعة هي الجمعة .. وعاصي والديه, هو عاصي والديه أقم الصلاة. ثم نزل عن المنبر. ومعنى الكلام, هو انه لا جدوى من الخطبة, ولا فائدة من الكلام, إذ لا جديد فيه, لأن الذي يستمع اليه كل جمعة, لا يتعظ بما يسمع, ولا يكف عما يفعله, بل انه ــ حتى لا يريد ان يسمعه! تذكرت هذه القصة, وأنا أتابع ــ مع كل الناس ــ وقائع الساعات السبعين التي استغرقها القصف الأمريكي البريطاني للعراق, الذي كان يبث مباشرة على الهواء من كل تلفزيونات الدنيا, ويذاع بطريقة ذكرتني بالطريقة التي توصف بها مباريات كرة القدم, وتتخلله ــ في فترات الراحة, مؤتمرات الساسة, وتعليقات المحللين, وتنبؤات المنجمين, وصور الدمار والقتل, ورائحة اللحم المحترق ..! ولم أجد في كل ما ألقى من صواريخ, أو ما أذيع من تحاليل, جديداً. فالخطبة هي الخطبة .. وخلاصتها ان النظام العالمي الجديد, يكيل بكيلين, ويزن بميزانين, ويتعامل مع ميثاق الأمم المتحدة بوجهين, ومجلس الأمن يصدر القرارات من بابين, فإذا كانت تتعلق بالعرب, صدرت من الباب السابع, الذي يوجب فرض العقوبات في حالة مخالفتها, وإذا كانت تتعلق باسرائيل, صدرت من أبواب أخرى لا تجيز حتى استصدار قرار باللوم, أو الادانة, أما في حالة مخالفة أحد العرب لقرار من قرارات الشرعية الدولية, أو مجرد احتجاجه على طريقة تنفيذه, فالجاهز هو (التوماهوك) و(الترينادو) والـ (بي 24) وإذا حدث ــ وقلت دولة ما عقلها ــ , وتقدمت بمشروع قرار بإدانة اسرائيل أو حتى مجرد لومها, فالفيتو جاهز ومتوفر وفعال, حتى أصبح عدد ما حصلنا عليه ــ ولم ينفذ ــ من قرارات الشرعية الدولية ــ ابتداء من القرار 181 لسنة 1947 بتقسيم فلسطين, وليس انتهاء بالقرار 425 لسنة 1978 بالجلاء عن جنوب لبنان ـ لا يقل عن عدد المرات التي استخدم فيها الفيتو الأمريكي للحيلولة دون معاقبة اسرائيل على مخالفتها لها, والجميع: من القرارات الى الفيتو الى التوماهوك, تعرضها الجامعة العربية في مدخل مبناها الرئيسي على سبيل الفخر, باعتبارها أوسمة الشرف والتقدير التي منحتها سعادة الشرعية الدولية للعرب المعاصرين. ذلك كله .. كلام صحيح مائة بالمائة, أبصم عليه بأصابعي العشرة. ومن الصحيح ــ كذلك ـ ان المسألة, ليست مسألة الشرعية الدولية, ولا قرارات مجلس الأمن, ولكنها مسألة رغبة أمريكية في الهيمنة على العالم, وفي الانفراد بشؤونه, وفي البرهنة على ان ذراع واشنطن التكنولوجية الطويلة تستطيع ان تردع من يتمرد على ارادة الراعي الأمريكي. ولا ضرر على الاطلاق في ان يضيف بعضنا الى الخطبة, شيئًا من الفكاهة, التي تخفف من قتامة الأحداث كما يحدث عادة في الأفلام الميلودرامية فيغير اسم عملية قصف العراق من (عملية ثعلب الصحراء) الى عملية (فستان مونيكا) ويضيف الى الهتافات التي تشجب العدوان, هتافا من نوع (يا كلينتون .. يا جبان .. يا بتاع النسوان) ! ولا بأس من ان يعتبر آخرون عملية قصف العراق مجرد مشهد من مشاهد الصراع القديم والمستمر بين العرب والغرب, ومواصلة للحروب الصليبية بأحدث تكنولوجيا العصر, ولا بأس من أن يبالغ آخرون ويقولوا بأن الغرب ينظر الينا نحن العرب والمسلمين باعتبارنا التحدي المقبل, الذي يتصدى لمحاولاته للهيمنة على العالم, والقطب المضاد الذي حل محل الاتحاد السوفييتي في منافسته على ادارة شؤون الكون, وانه ــ لذلك ــ يسعى لاضعافنا وللقضاء على أي احتمال بأن نقوى فنقضي على حضارته ونقوض بنيانه .. ليس في ذلك جديد, لان الخطبة هي الخطبة, وقد كنا ــ في بداية الخمسينات ــ نخرج في مظاهرات تهتف : مصر والسودان لنا .. وانجلترا ان أمكنا! ولا جديد ــ كذلك ــ فيما صدر عن النظام العربي من خطب وبيانات اكتشف بابداء (الأسف) وبالتعبير عن (القلق) و(تفهم) الموقف, ولم تصل حتى الى مستوى (الشجب) ولا فيما ردده المتظاهرون من هتافات (تشجب) موقف النظام العربي المتخاذل, وتطالب بطرد السفراء وقطع العلاقات وانهاء العقوبات بقرار عربي واسلامي, وبالانسحاب من الأمم المتحدة, ولافيما اتخذته البرلمانات من قرارات تؤيد ذلك, فالجمعة هي الجمعة والنظام العربي هو النظام العربي, والذين طالبوه, بما طالبوه به ــ لا يستطعيون تنفيذ مطالبهم من دونه, وهو ــ للأسف ــ لا يملك سوى الأسف, لسبب بسيط ومعروف جدا هو ان ثلث الأنظمة العربية تعتمد على أمريكا في كفالة أمنها, وثلثها الثاني يعتمد على كلينتون في كفالة غذائه, بينما يعتمد الباقون على البيت الأبيض في الحصول على الاثنين: الأمن والغذاء .. والشكوى لأهل البصيرة من المتظاهرين عيب. ذلك كله كلام صحيح مائة في المائة, ولا تقل نسبة صحته طبقا لما يمكن ان تسفر عنه نتيجة أي استفتاء عربي يجري بالنزاهة اياها عن 99.99% وعيبه الوحيد هو انه ــ مع صحته ـ ليس جديدا, ولأن الخطبة هي الخطبة والجمعة هي الجمعة, وعاصي والديه, هو عاصي والديه فقد عدنا خلال أيام القصف وما بعدها, لنكرر ما قلناه من قبل في كل مرة تقفز فيها المسألة العراقية الى صدارة الاحداث, في أعقاب الخلافات الدورية بين الادارة العراقية ولجنة التفتيش الدولية, فالعراق يتهم اللجنة بالتعنت والانحياز والتجسس والتسويف في انهاء عملها, واللجنة تتهمه بالمراوغة والتحايل لاخفاء ما تبقى لديه من أسلحة, وفي الخلفية اعتقاد جازم ــ وصحيح ــ لدى الادارة العراقية بأن الهدف ليس ــ فقط ــ تدمير ما لدى العراق من أسلحة, ولكن ــ كذلك ــ تدمير النظام نفسه, وهو ما يدفعه لاثارة هذه الأزمات, ليس فقط لكي ينهي الحصار ويرفع المعاناة عن شعبه, ويسترد دوره الاقليمي والدولي ولكن ــ كذلك ــ لكي يؤكد التفسير الصحيح لقرارات مجلس الأمن التي تتعلق بالمسألة العراقية في مواجهة التفسير الأمريكي لها, الذي يربط بين رفع الحصار واسقاط النظام مع ان القرارات ــ لا تتضمن ــ من قريب أو بعيد ــ شيئاً من ذلك! والمشكلة, هو ان المسألة العراقية ــ في المنظور الدولي ــ تبدو مشكلة بلا حل! فحتى لو افترضنا ان لجنة التفتيش الدولية لجنة محايدة تماما ولا تخضع لنفوذ امريكي ولا تعمل لهدف آخر غير الذي حددته لها قرارات الأمم المتحدة ولا تعتمد التفسير الأمريكي لتلك القرارات فمن المستحيل تماما ان تتخلص من شكوكها في ان العراق ما يزال يخفي بعض ما يمتلكه من أسلحة غير تقليدية, أو ان تتأكد من أنه أصبح خاليا من تلك الأسلحة, ومن العبث ان تتوهم انها تستطيع ان تفتش كل شبر في العراق للبحث عن هذه الأسلحة, اللهم الا اذا كان في نيتها ان تظل تفتش الى الأبد. وحتى لو افترضنا ان العراق يخفي بعض ما لديه من أسلحة غير تقليدية, تحوطا للمستقبل وحفاظا على أمنه فذلك أمر مشروع تماما لأن دولا أخرى في المنطقة تحوز أسلحة غير تقليدية ولا يطالبها أحد بتدميرها إذ ان الاعتراض الذي يمكن ان يكون واردا في هذه الحالة هو استخدام هذه الأسلحة للعدوان على الآخرين, اما الاحتفاظ بها على سبيل التوازن مع آخرين يملكونها, فهو حتى لا يجوز لأحد ان يلوم العراق عليه الا اذا كان ذلك في سياق اتفاق عام على إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. وفي هذا السياق يبدو التبرير الذي أعلنه بطلا عملية ثعلب الصحراء لحملتهما المظفرة عذرا أقبح من الذنب, فالقول بان العراق لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية تجعله قادرا على تهديد جيرانه وهو ما فرض عليهما ان يقوما بتدمير هذه القوة, والتهديد بتكرار هذه العملية, يتجاهل ان التكافؤ في القوة بين العراق وبعض هؤلاء الجيران ــ مثل تركيا وايران ــ توازن مطلوب للقوى في المنطقة, وجزء من الأمن القومي لكل دولها, وان تحطيم قوته لن يحول دون وجود عدم تكافؤ في القوة بين الكبار والصغار من أقطارها, ويتجاهل ان التكافؤ في القوة بين العراق, وبين بقية جيران دول الخليج, أمر مستحيل, لان العراق بحكم المساحة وعدد السكان والدور الاقليمي بلد كبير, لايمكن له الا ان يحتفظ بقوة عسكرية تتناسب مع حجمه, والاصرار على تقزيم قوته العسكرية بحيث تتساوى مع قوة هذه الدول, لن يكفل في حد ذاته أمنها, بل سيعرضها والعراق معها لاخطار تهدد أمنهم جميعا. ولأن الخطبة هي الخطبة والجمعة هي الجمعة وعاصي والديه هو عاصي والديه, فقد عاد العرب ــ أثناء وبعد ثعلب الصحراء ــ يكررون الكلام نفسه الذي قالوه قبل ذلك, حتى كادت الملاسنات فيما بينهم تقودنا الى الجو نفسه الاستقطابي الذي ساد على مشارف واثناء عملية عاصفة الصحراء, وكأننا ــ لارحنا ولا جينا .. ولا تعلمنا من مدريد وأوسلو وواي بلانتيشن. ولو كنا قد تعلمنا لتنهبنا الى ان المسألة العراقية, هي ــ بالأساس ــ مسألة عربية في منشأها وفي كل تطوراتها وتجلياتها, التي لن تكون عملية ثعلب الصحراء آخرها, وانها تعود أصلا الى انهيار نظرية الأمن القومي العربي, التي كانت تقوم ــ قبل عام 1990 ــ على الاحترام العربي المتبادل لاستقلال وسيادة كل قطر عربي, وعلى ممارسة الصراعات العربية العربية , بالاساليب السلمية التي تبدأ بحرب الاذاعات, فإذا تصاعدت الى ذروتها توقفت عند قطع العلاقات الدبلوماسية, وتبادل الاتهام بخيانة القضية القومية, ولكنها تنتهي عادة بتوبيس اللحى, ومهما احتدت لا تصل الى اشهار السلاح او الى الاستعانة بالأجنبي. وإذا كان لعملية ثعلب الصحراء من فضل, فهو انها جرس انذار ينبه كل الاطراف الى ان الآوان قد آن لكي تتحول المسألة العراقية من مسألة دولية, الى مسألة عربية ولن يتم ذلك الا عبر قمة عربية تحضرها كل الاطراف, وتحاول أن تلملم بقايا الأزمة, وتعيد لحم شظاياها المبعثرة, بإحياء نظرية الأمن القومي العربي التي انهارت في تلك الأيام العاصفة من عام 1990. من حق الخائفين ان يطمئنوا .. ومن حق المحاصرين أن يتنفسوا. ومن واجبنا جميعا ان نعمل على اندمال الجراح وتهدئة الثارات, والا نتوقف امام الماضي الا لكي نستفيد من عبرته. فإذا لم نفعل فسوف تتواصل الغارات, فيأتي كلب الصحراء بعد ثعلب الصحراء, ونعود لنكرر الكلام نفسه لأن الخطبة هي الخطبة, والجمعة هي الجمعة, وعاصي والديه, هو عاصي والديه, أقم الصلاة!!