ماذا بعد العمليات التي وقعت فوق العراق؟هل تعود فرق التفتيش الى العراق, ام انها لا تعود؟ هل تستمر العقوبات على العراق ام ترفع العقوبات عن العراق ؟ هل تعود الضربات ثانية وهل بدأت مرحلة جديدة ستحدد مستقبل النظام في العراق؟ ان الاجابة على هذه الاسئلة الكثيرة سيحدد شكل الوضع الامني حول العراق وحول مستقبله. ان المواجهات التي وقعت عبرت عن حالة التوتر الدائمة منذ عام 1991 فمرة بعد المرة قرر الرئيس العراقي ان يصعد من حدة المواجهة مع الولايات المتحدة في مجلس الامن, ومرة تلو المرة ازداد التوتر حول فرق التفتيش, وفي المقابل لم تجد الولايات المتحدة سياسة واحدة في التعامل مع الرئيس العراقي, ففي الكثير من المرات لم تتصد له ولم تقم بأي جهد لايقاف تقدمه في الشمال عام ,1996 كما انها ترددت كثيرا في استخدام القوة في ادارة الرئيس كلينتون. لكن المواجهة بين العراق والولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة عام 1997 وبالتحديد عام ,1998 وبدأ يتضح ان المواجهة العسكرية قادمة, بل جاء اتفاق كوفي عنان بعد ازمة فبراير 1998 كمحاولة لانقاذ الموقف, ثم جاء تراجع العراق بعد ازمة نوفمبر الماضي من خلال السماح بعودة فرق التفتيش ليشكل فرصة ثانية للعراق بعد ان كادت العمليات العسكرية ان تبدأ, ومع كل قضية بين العراق وفرق التفتيش بدأ يتضح ان هناك ازمات اكبر في طريقها للوقوع, بل ان الولايات المتحدة بدأت تحضر للعمل العسكري منذ نوفمبر اي منذ انتهاء ازمة نوفمبر الماضي, وكان الهدف من التحضير الهادىء محاولة تأمين عنصر المفاجأة. هكذا تطور الوضع نحو المواجهةالراهنة التي انتهت بقصف مراكز عديدة عسكرية في العراق وافتتاح مرحلة جديدة من التصارع بين الطرفين. وليس سراً ان مخاوف صناع القرار الاستراتيجي الامريكي انصبت بعد عودة فرق التفتيش في نوفمبر على مسألة اساسية: ماذا لو تعاون صدام حسين مع فرق التفتيش حتى النهاية, وماذا لو لم تقع اية حوادث بين فرق التفتيش والعراق, حينها سوف يقدم بتلر تقريرا يؤكد تعاون العراق, وحينها ستجد الولايات المتحدة انها في وضع المضطر الى القبول بالمراجعة الشاملة وبالتالي قد يحقق صدام تقدماً حقيقياً في وضعه, لكن صدام تصرف بطريقة مختلفة ساعدت الولايات المتحدة في صراعها معه: اذ وقعت عدة حوادث منها حادثة مقر حزب البعث مما اكد بأن الرئيس العراقي هو الآخر يبحث عن مواجهة يعتقد انه من خلالها سوف يخرج منتصرا هكذا جاء تقرير بتلر الشهير الذي اكد عدم تعاون العراق. ولكن الوقت كان يداهم الادارة الامريكية, رمضان, الاعياد المسيحية جعلت من الضروري استغلال اية فتحة وفرصة لتوجيه الضربة العسكرية التي يتهيأ لها الجيش الامريكي. بل كان هناك تخوف من ان ينجح الرئيس العراقي باستغلال فترة رمضان في تحجيم دور الاونيسكوم وفي المقابل سعت الولايات المتحدة للتأكد من امكانية تحقيق مفاجأة للعراق انطلاقاً من اعتقاد العراق بصعوبة استخدام العمل العسكري في تلك الفترة التي تسبق شهررمضان. ومن المعتقد ان يكون موضوع عزل الرئيس الامريكي قد دخل في حسابات التوقيت, لكن الذي تحكم بالتوقيت من الجانب الامريكي كان استباق بدء شهر رمضان المبارك اما من الجانب العراقي فكان اعتقاد العراق بعدم مقدرة الولايات المتحدة على عمل شيء في ذلك التوقيت. ويمكن القول انه ان كان للحملة العسكرية الامريكية والبريطانية هدفان,الاول اضعاف القدرات العسكرية للنظام العراقي وتكليفه مبالغ كبيرة في المعدات والنفقات وتوجيه ضربات لاسلحته الرئيسية ولقصور الرئيس ولاجهزة الامن. وبينما تحقق الهدف المرحلي بنسبة كبيرة, الا ان الهدف الآخر والاصعب الا وهو تحقيق التغير في العراق لا زال هدفا بعيدا يتطلب استراتيجية امريكية تنجح في تحقيقه. ان عنوان المرحلة المقبلة حول العراق من الجانب الامريكي هو الردع والسعي لخلق شقوق في الجدران تمهد لدور جديد للمعارضة العراقية بما فيها الاكراد. ان العملية الاخيرة خلقت حدودا جديدة, المنشورات التي القيت على الجيش العراقي تشير الى اهتمام الولايات المتحدة في رؤية دور ما لهذا الجيش, وهي تشير الى استعدادها لخلق مزيد من الشقوق في الساحة السياسية العراقية اضافة للتهديد باستخدام القوة. وتشير التقديرات الى ان المرحلة الجديدة المقبلة ستشهد مزيداً من المحاصرة لمنع عمليات التهريب التي يقوم بها النظام العراقي من الحدود وذلك لحرمانه من الامكانيات المالية التي تستخدم لتقوية اجهزة الامن الخاص بل سوف يكون الموقف الامريكي من قضية رفع العقوبات مرتبط اساسا بالتخوف من ان تبدأ ايرادات النفط بتغذية قوة الرئيس العراقي ونظامه, وسوف يكون هناك اصرار على عودة فرق التفتيش الى العراق, اضافة للتأكد بأن كل دعم للعراق او تخفيف للعقوبات لا يصب لصالح ميزانية, النظام لهذا سوف تستمر الحملة الامريكية بوسائل سياسية ووسائل الضغط ووسائل الضغط ووسائل استمرار الوضع الراهن وذلك بانتظار تحرك جديد للرئيس العراقي في الشهور المقبلة, بمعنى آخر لقد انتقلت المواجهة بين العراق من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائها الى مرحلة جديدة اكثر توترا وتركيزاً. لقد اصبح الرئيس العراقي واستمراره في التحدي جزءاً من الفلكلور الشعبي في الولايات المتحدة, وجزءاً من السياسة الداخلية الامريكية كما ويمثل رمزا لفشل سياسات امريكية متعاقبة, لهذا فإن الرئيس الذي ينجح في ازاحة صدام حسين من السلطة سوف يحسن فرص حزبه في الانتخابات بل لو جاء آل جور للرئاسة في حالة استقالة الرئيس فسوف تكون مسألة العراق رئيسية بالنسبة له على اكثر من صعيد وذلك في اطار سعيه للفوز بالبيت الابيض, ان الضغوط لانهاء المهمة التي لم تكتمل عام 1991 سوف تعود الى الواجهة,بل سوف يقع صانع القرار الامريكي تحت مزيد من الضغط من الكونجرس ووسائل الاعلام وذلك من اجل انهاء قضية العراق لصالح التغير, ومع ذلك تبقى سياسة الولايات المتحدة الهادفة للتغير في العراق دون التبلور, وهي لا زالت ناقصة وتتطلب الكثير من التوضيح والترتيب.