يجمع المحللون السياسيون المطلعون على تفاصيل وتعقيدات الملف العراقي الشائك بان النظام العراقي بات في عين العاصفة , بعد ان اعلنت شرطية النظام العالمي الجديد اي الولايات المتحدة الامريكية نفهسا وصية نهائية على العراق في واحدة من اكثر التظاهرات العسكرية صلافة وعنجهية في تاريخ المواجهات المستمرة بين واشنطن وبغداد. ويضع هؤلاء المحللون حيثيات الوضع الجديد على الشكل التالي: اولا: انفراد الولايات المتحدة في اتخاذ قرار الضربة العسكرية دون العودة حتى الى اقرب حلفائها الغربيين ناهيك عن العرب والاقليميين ووضع الجميع امام الامر الواقع في ساعة المواجهة الميدانية. ثانيا: الاعلان السابق على الضربة العسكرية من جانب واشنطن بان السياسة الامريكية الرسمية باتت تسعى الى اسقاط النظام العراقي . ثالثا: توكيل بريطانيا العجوز في مهمة ترتيب اوراق لعبة التغيير الطويلة والمعقدة والشائكة انطلاقا من اعادة ترتيب اوراق المعارضات الواقية واحتواء تفريخاتها الاقليمية مرورا بتهيئة الاجواء النفسية لدى مراكز القرار الاقليمي وصولا الى امتصاص موجات النقمة او الغضب الشعبي او الحكومي المحتمل لدى تلك المراكز في مراحل التغيير المرتقبة. رابعا: قيام الولايات المتحدة الامريكية بمجازفة هي الاولى من نوعها منذ الاجتياح العراقي للكويت وذلك عندما قررت ان تكون هي البادئة في افتعال الأزمة مع العراق وتصعيد المواجهة معه والاسراع في معاقبته دون العودة الى السياقات الدولية التي اعتادت عليها ودون الاعتناء بردود الفعل الرسمية او الشعبية المحتملة في المنطقة او العالم. واذا كانت الضربة العسكرية قد توقفت مؤقتا على ابواب رمضان المبارك بحجة احترام الشهر الفضيل او تلبية لتدخلات عربية او اسلامية او دولية صديقة او مسؤولة فان ذلك يأتي بنظر المصادر المطلعة في اطار الخطة الشاملة التي وضعت على مايبدو للتعامل مع العراق بنفس جديد يختلف عن السباقات التقليدية التي اعتاد العالم على متابعتها في اطار لجان التفتيش واليونسكوم والنفط مقابل الغذاء وما الى ذلك من تقاليد واعراف وآليات يبدو ان الولايات المتحدة هي الاخرى لم تعد تعر لها شأنا كافيا وليس العراق وحده بعد ان دخلت الأزمة العراقية طورا امريكا محضا. ثمة من يعتقد من المتبعين لهذا التحول الحاصل من جانب واشنطن في التعامل مع الملف العراقي بان الادارة الامريكية وفي ظل مجموعة العوامل والعناصر المستجدة على الوضع الاقليمي العام ارادت من خلال الضربة العسكرية الاخيرة للعراق ايصال رسائل جديدة للمنطقة تعبر عن بدء الطور الامريكي للمسألة العراقية وتلخيص الرسائل الامريكية كما يلي: اولا: وضع الشعب العراقي في الزاوية الحرجة في رسالة هجومية واضحة هدفها نزع اي توهمات لديه من امكانية استمرار عداء بلاده للولايات المتحدة والنظام الدولي الذي تهمين عليه في محاولة اولية لتطويع جزء من اركان المجتمع والنظام العراقي وتطويع نهائي للمعارضات العراقية باتجاه وضع كافة اوراقها في واشنطن وحليفتها الرئيسية المتمثلة ببريطانيا العجوز ووضع حد نهائي لمراوغة البعض من داخل النظام او من خارجه على اوراق اخرى دولية او اقليمية بما يفهم منه بان بقاء النظام العراقي الراهن او عدمه رهن بمدى تعاون كافة اطراف اللعبة الداخلية في العراق مع واشنطن والنظام الدولي التابع لها. ثانيا: افهام النظام العراقي بلغة القوة الابلغ من كل حوارات ومداولات الطاولات التقليدية بان التغيير الامريكي المطلوب للعراق ماض حسب برنامج محدد ومنهجي يبدو انه اقر بشكل نهائي لدى دوائر صنع القرار الامريكي, وان تعلل النظام او مقاوماته لهذا التغيير لن تجديه نفعا وان كل ما يملكه حسب المشيئة الامريكية هو اختيار عدد من البدائل الامريكية, التي تتفاوت بين اجراء تغييرات جوهرية في تعامله مع العالم الخارجي وفي المقدمة واشنطن وبين ازاحة رأس النظام او كبار رموزه. ثالثا: افهام دول الجوار الجغرافي وفي مقدمتها ايران وسوريا والسعودية بان التغيير في العراق مهمة امريكية صرفة ليس لاي طرف اقليمي اللعب في اساسياتها , وكل ماهو مطلوب من تلك الاطراف اعانة اللاعب الامريكي على النجاح في مهمته وان حجم الاعانة تأتي عند الحاجة والضرورة الامريكية نفسها. رابعا: رسالة اخيرة ونهائية الى دول مجلس التعاون وفي مقدمتها دولة الكويت بانه ليس من المسموح بعد اليوم التفكير بالخروج من (القفص الذهبي) الامريكي ايا كانت المبررات وان القرار الاقليمي لاسيما الامني منه يجب ان يبقى امريكيا. هذه هي اهداف وابعاد الضربة العسكرية الاخيرة للعراق من وجهة النظر الامريكية بالطبع والتي تركت برأي المراقبين انعكاسات متفاوتة ابرزها شعوران متقابلان اولهما ايقاظ صحوة متجددة لدى دوائر شعبية ورسمية عديدة تجاه الهيمنة الامريكية المتواطئة مع العنجهية والعدوانية الاسرائيلية ضد العرب والمسلمين وثانيهما تحريك بعض النزعات القطرية والقومية والمصالح الفئوية الضيقة لدى مختلف الدوائر الحكومية والشعبية ايضا بحيث صار الفرد او الجماعة المعنية في الامة يتحسس رأسه قبل رأس اخيه او جاره في محاولة غريزية لمنع تكرار سيناريو العراق معه. وهذان الشعوران المتقابلان قد يحولان للاسف اية مبادرة جماعية عربية كانت ام اسلامية او حتى دولية في مواجهة العدوان الامريكي الغاشم الى مبادرة فاشلة منذ اللحظات الاولى كماهو حاصل الآن. على اية حال فان ما ارادت واشنطن ايصاله الى المنطقة عبر العدوان الاخير على العراق قد يتلخص في القول بان مهمة التغيير في العراق قادمة لامحالة بل قد تكون بدأت بالفعل من خلال المرحلة الاولى من الهجوم على العراق والذي يعتقد الكثيرون بانها ستستأنف بعد انتهاء شهر رمضان . غير ان هذه المهمة التي يتطلع اليها الامريكيون لن تكون سهلة بتاتا بنظر المراقبين بل ان عراقيل جمة تحول دون تحقيقها ابرزها هي: اولا: ايجاد البديل المناسب والجامع المانع بتعبير اهل اللغة والبيان للرئيس العراقي الحالي بما يتناسب وانجاح خطة التغيير الامريكية في العراق. ثانيا: ايجاد الصيغة المقبولة لمستقبل الكيانية الكردية الفعلية في شمال العراق في اطار عراق التغيير الامريكي. ثالثا: ضمان مستقبل التعامل الناجح مع الاكثرية العربية الشيعية المكونة للمجتمع العراقي دون حدوث انتفاضة او ثورة شعبية تطيح بالنظام وبالمخطط الامريكي معا. رابعا واخيرا ايجاد آلية تنظيم مناسبة لعلاقات عراق المستقبل مع جيرانه العرب والايرانيين والاتراك. السؤال الذي يظل دون جواب هو : هل هناك من بديل شعبي او حكومي لهذا المشروع الامريكي ام ان التغيير في العراق سيتحول الي حلقة جديدة في سلسلة حلقات الضغط والتضييق المتزايدة على استقلالية القرار الشعبي والرسمي في العراق والمنطقة.