أبجديات:بقلم-عائشة إبراهيم سلطان

القضية ليست جديدة ابدا والسؤال ذاته ألح على تفكير الكثيرين منذ ازمنة بعيدة. يقول الشاعر الالماني بريخت في احدى قصائده انهم لن يقولوا: كانت الازمنة رديئة وانما سيقولون: لماذا صمت الشعراء؟ وهذه هي القضية وهذا هو السؤال: لماذا يصمت الشعراء؟ واين غاب المثقفون؟ هذا السؤال طرحه بحرقة الكاتب الكبير عبد الرحمن منيف في كتابه: الديمقراطية اولا. في واقعنا هزائم واحباطات وانحرافات لا اول لها ولا آخر, ومع ذلك يذهب المثقفون بعيدا صوب كهوف ومغارات يغرفون منها بضاعة انتهى زمانها, ويعيدون صياغتها وتقديمها للقراء لا لهدف, سوى هدف التسلية واضاعة الوقت! اذا تجاوزنا المنطق واعتبرنا اضاعة الوقت هدفا. ما الذي يجعل المثقف او الانسان صاحب الوعي يختار بهذا التصميم الا يكون له موقف مما يجري, في الوقت الذي يعلم فيه وعلى وجه دقيق ان المرحلة التي نعيشها وتلك المقبلة تشكل التحدي والصعوبة الاكبر التي لايمكن لصاحب الوعي ان يكون فيها محايدا على الاطلاق. فكيف امكن للبعض ان يحيد نفسه؟ ام ان ما جعله محايدا شيء اكبر من تحديات الواقع وضغوطاتها عليه؟ انه ليس من المنطق ان نعتبر الزمان رديئا والواقع محبطا, ثم يأتي وبكل برودة اعصاب هذا الذي نراهن على دوره ومهمته في التغيير ليصبح جزءا من هذه الرداءة, وليكرس بوعي او بدونه حالة الاحباط. نحن لانقول بان المثقف او صاحب الوعي هو مارد المعجزات الذي نطالبه بتحويل الواقع وتغيير حالة الرداءة, ولا نحمله العبء كله, لكننا كما قلت نراهن على ادواته التي يمتلكها, وعلى وعيه وقناعاته التي نؤمن بيقين مطلق بقدرتهما على المواجهة واختراق الفساد والخطأ. انه حين يقبل صاحب الوعي ان يجدف بعكس آرائه وان يتحدث بلغة أخرى غير لغة ضميره, وينظر الى الواقع المأزوم حوله ضمن رؤى لا تمت الى مخزون ادراكه وشفافية وعيه, يتحول الى مفت بدرجة امتياز لتبرير الرداءة السائدة, والدعوة الى قبول الواقع وعدم ادانته وكما قال منيف: (يجب على المثقف ــ في هذه المرحلة ــ الا يكون شاهد زور, والا يجمل القبح أو ان يعطيه معاني أخرى) . يعاني مثقفونا من أزمة خانقة مع ذواتهم, ربما لم يفتعلوها كاملة ولم يختاروها بحرية, ولكنهم يساهمون تحت ضغط الاغراء والتهديد ومتطلبات الحياة في تكريسها والدخول فيها وتلبسها كطبيعة دائمة, وأعني بها أزمة التناقض الفاضح بين وعي الذات ووعي الخارج. انه حين لا تهز المثقف فجائعه وهزائم أمته والتحديات التي تضعها أمام التحدي الأكبر, تكون أو لاتكون, ويمعن في الحديث عن موضوعات وقضايا اغلقت صفحاتها منذ أيام الاغريق القدماء, فإنه ودون وعي منه يعلن ازمته بوضوح, كما يعلن جبنه ايضا, وقد يعلن بادراك أزمة المجتمع وأزمة الواقع, ولكن بشكل غير مباشر. (انه لايمكنني ــ كما قال الشاعر ممدوح عدوان ـ ان اتحدث عن الحب والنساء, في الوقت الذي قضيت اكثر من نصف عمري اواجه تحدي الابادة والعدوان والاجتثاث على يد اسرائيل أو كما قال بريخت: (انها لجريمة ان نتحدث عن الازهار الجميلة حين يكون هناك بشر يقتلون) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات