بأمر من واشنطن وحدها, جرى سحب فرق التفتيش من العراق, دون حتى استشارة مجلس الامن الدولي, وبقرار من واشنطن منفردة, وفي ذيلها لندن كالعادة , دون الرجوع إلى مجلس الامن, بدأت جولة جديدة من العدوان العسكري على العراق, وبهذا التصرف كشرطي دولي عربيد تريد واشنطن ان تفرض وتؤكد نظامها الدولي الجديد, ذا القطب الواحد, ضاربة عرض الحائط بميثاق الامم المتحدة وغيره من المواثيق الدولية, ومتجاهلة اصوات الاحتجاج والشجب حتى من دول دائمة العضوية في مجلس الامن. ومن الواضح ان ادارة كلينتون تستهدف من وراء هذه الجولة الجديدة من العدوان على العراق تحقيق هدفين في آن واحد, احدهما تكتيكي عاجل, والاخر استراتيجي طويل الامد. فالهدف التكتيكي العاجل هو محاولة كلينتون اليائسة, وفي آخر لحظة, عرقلة اندفاع حركة خصومه من الجمهوريين المحافظين لجره إلى المحاكمة امام مجلس الشيوخ الامريكي, بهدف ادانته بالتهم الموجهة إليه لتحويله اسيرا بأيديهم بقية فترة رئاسته أو طرده من البيت الابيض, مأخوذ في الحسبان الامرين التاليين: الأول: ان هؤلاء الجمهوريين اشد حماسة منه لضرب العراق, لانهم هم الذين يمثلون في الاساس احتكارات النفط الامريكية, وكانوا قد اخذوا على كلينتون احجامه مرتين, وفي اللحظة الاخيرة, منذ بداية هذا العام عن شن عدوان على العراق, وبهذا تغدو مبادرته للعدوان بمثابة شهادة حسن سلوك يقدمها لهؤلاء الجمهوريين. والثاني: ان مهمته, التي سبقت هذا العدوان, بايام قلائل, إلى اسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية قد فشلت, رغم انه اصطحب معه اركان ادارته, كان يطمح من ورائها, لو نجحت ان تمثل انتصارا سياسيا مدويا, يربك حركة خصومه الجمهوريين الطامحين, إلى اضعافه واذلاله, من خلال اجراءات محاكمته. اما الهدف الاستراتيجي الطويل الامد, والذي يلتقي حوله الحزبان الجمهوري والديمقراطي على حد سواء فهو استبقاء العراق اطول مدة ممكنة تحت الحصار المحكم والانهاك الشديد, وتدمير كل ما بناه عقب عدوان ,1991 وينبغي الاعتقاد بان التكالب على منطقتنا وعلى مصادرها النفطية على وجه الخصوص سيزداد, وتتفاقم معه احتمالات التدخل والعدوان على بلدانها وشعوبها, مأخوذ في الحسبان الاعتبارين التاليين: الأول: عمليات الاندماج الاسطورية التي جرت مؤخرا لشركات النفط العملاقة في مقدمتها الامريكية, مما يضاعف من تحكمها في عمليتي الانتاج والتسويق, وبالتالي: في نهب نفط المنطقة بأبخس الاسعار, كما تشير إلى ذلك اسعار هذا النفط المزرية هذه الايام, والتي بلغت ادنى مستوى لها منذ اكتشاف النفط وانتاجه, اذا اخذنا بعين الاعتبار تآكل قيمة العملة منذئذ, وفي هذا المضمار, فان العراق, الذي يضم في جوفه ثاني اكبر مخزون مكتشف من النفط في العالم والمؤهل اكثر من آي بلد عربي آخر في المنطقة, بثرواته وعدد سكانه وموقعه, لانه يغدو قوة اقليمية سيكون محط تآمر متواصل من هذه الشركات وحكوماتها, التي ستصارع بكل الوسائل ليكون هذا المخزون الهائل من النفط تحت سيطرتها. والثاني: حالة التفكك والضعف للعالم العربي الذي وصل حد الهوان, إلى الحد الذي يجعل اي معتد, بدءا بالولايات المتحدة وبريطانيا وانتهاء باسرائيل وتركيا, لا يتوقع اي رد فعل يهدد مصالحه في هذا العالم العربي بالخطر. الوجه الاخر لكلينتون الصقر ومن المفارقات ان هذا الكلينتون ـ الصقر, والذي باشارة من اصبعه انطلقت الصواريخ والطائرات الحربية تحمل الموت والدمار للعراق وشعبه, الذي يعيش الجوع والحصار القاسي منذ اكثر من ثماني سنوات هو نفسه كلينتون الذي بدأ, بساعات فقط مهزوزا ومشلول الارادة امام عنتريات نتانياهو وتحدياته التي تجاوزت كل الحدود, وبالتالي: عاجز عن الوفاء بتعهداته التي قطعها على نفسه, قبل ذلك ببضعة ايام فقط في (واي بلانتيشن) بتأمين تنفيذ الطرف الاسرائيلي لاستحقاقات الاتفاق الذي وقعه هذا الطرف مع الطرف الفلسطيني بالضمانة الرسمية الامريكية. ان الاستنتاج الاساسي من التباين الصارخ والكيل بمكيالين, في نفس المنطقة ونفس الوقت, يؤكد بما لا يدع مجالا للشك, ان اي خلاف تكتيكي بين الادارة الامريكية والحكومة الاسرائيلية, هو خلاف ثانوي وعابر, ولا يطال بحال متانة التحالف الاستراتيجي بين الطرفين, وقد كان نتانياهو من اوائل الحلفاء الاجانب الذين اخبرهم كلينتون بقراره ضرب العراق, وعلى الفور وصلت إلى اسرائيل بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ لتأمين حماية اسرائيل من اي احتمال. واذا كان النزاع الفلسطيني ــ العربي ــ الاسرائيلي, قد غدا ومنذ وقت مبكر عقب قيام اسرائيل احد ساحات الحرب الباردة حتى نهايتها, فان هذا النزاع تحول, ولو مؤقتا وتكتيكيا إلى مادة للصراع الامريكي ــ الامريكي, بين التيار الليبرالي بزعامة كلينتون والتيار اليميني المحافظ الذي يمثله الجمهوريون في الاساس, هذا الصراع المتفاقم هذا الايام. وفي حين حركت الاغلبية الجمهورية في الكونجرس التهم الموجهة لكلينتون, حال تحركه نحو الارض الفلسطينية واسرائيل, لارباكه واضعاف موقفه فان نتانياهو, وبالاستناد إلى شبكة الامان التي يحظي بها من الاغلبية الجمهورية في الكونجرس والتي تضمن حمايته من اي ضغط فعلي من ادارة كلينتون, بدا متصلبا إلى حد التطرف, ومتحديا لكلينتون ومطالبه فيما يتعلق بالالتزام باستحقاقات اتفاق (واي بلانتيشن) يحركه في ذلك قلقه على تحالفه القومي ــ الديني المتطرف الذي راح يتفكك, بخاصة بعد توقيع اتفاق (واي بلانتيشن) وما تبعه من انسحاب رمزي متواضع في شمالي الضفة الغربية. وبالتالي: فان سلوك نتانياهو خلال زيارة كلينتون كان ينطلق من الرهان على احد احتمالين أو كلاهما معا. أولا: محاكمة كلينتون ومعاقبته سواء باضعافه أو بتنحيته عن الرئاسة, وفي الحالة الثانية تنشأ حالة جديدة تستغرق عدة شهور حتى يستقر بعدها نائب كلينتون (آل جور) في مكانه في البيت الابيض, وخلال ذلك لن يجد نتانياهو من يطالبه بتنفيذ الاتفاقات التي تمت بضمانة الرئيس الامريكي. والثاني: ان يلجأ نتانياهو نفسه إلى الاعلان عن حل الكنيست واجراء انتخابات مبكرة, وذلك في حال فشله في تأمين الاصوات الضرورية إلى جانبه في افشال اقتراح اجراء الانتخابات المبكرة بمبادرة من المعارضة, وقد عزز امكانية لجوء نتانياهو نفسه إلى هذا الاجراء, مما يعطيه امتياز اختيار موعد الانتخابات المقبلة, استقالة وزير ماليته (نئمان) التي تقدم بها عشية زيارة كلينتون, لكن نتانياهو حرص على كتمانها خلال ايام الزيارة, وتحسبا لتحقق هذا الاحتمال, فان نتانياهو يندفع في تطرفه اليميني وتنكره لتنفيذ الاتفاقات الموقعة, وطرح المزيد من الشروط التعجيزية على الطرف الفلسطيني, ليشكل كل ذلك مادته الانتخابية التي يتوجه بها إلى معسكر اليمين الاسرائيلي. وفي حال تحقق احد هذين الاحتمالين أو كلاهما معا, فان نتانياهو يرى في ذلك فرصة زمنية تمتد اشهرا تتجمد فيها العملية التفاوضية وبالتالي: المطالبة بتطبيق مستحقات الاتفاقات الموقعة. اما على الصعيد الفلسطيني, فينبغي التوقع, في ضوء العدوان الجديد على العراق ومضاعفاته في المنطقة من جهة, ومن الجهة الاخرى, في ضوء احتمالات قضية كلينتون امام الكونجرس, واحتمالات عقد انتخابات مبكرة للكنيست في اسرائيل, ينبغي التوقع في ضوء كل ذلك تجميد العملية السلمية من جديد, لعدة شهور على الاقل, كما ينبغي التوقع بأن يرافق هذا الجمود نشاط محموم في مجالي مصادرة الاراضي الفلسطينية وبناء المزيد من الاستيطان والطرق الالتفافية. ان هذا الواقع الجديد, ينبغي له ان يستنفر طاقات الشعب الفلسطيني بكاملها, وتجنيد كل الاحتياطات المتاحة على الصعد الفلسطينية والعربية والدولية, وكذلك الاسرائيلية بتعزيز العمل المشترك مع قوى السلام الاسرائيلية, وفي هذا المضمار ايضا تحتل اهمية خاصة قضية اعادة تعزيز العلاقة مع فلسطيني الشتات الذين يهدد اهمالهم الذي طال, إلى خلق بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية, وتسخير كل ذلك لمواجهة هذه التحديات المتفاقمة.