بعد ازمات عديدة ومتواصلة, اقر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بعدم قدرته على مواصلة الطريق الذي اختاره, والذي يسير عكس التيارات الدولية والاقليمية , وإلى حد ما الاسرائيلية, هذا الطريق الذي يحاول استحضار الصهيونية بصورتها التقليدية, والذي يفترض الاستفادة من عوائد عملية التسوية من دون دفع اي ثمن مقابلها, في هذا الاطار كان خيار نتانياهو نحو تقريب موعد الانتخابات الاسرائيلية, بمثابة النبضة الاخيرة التي يحاول من خلالها انقاذ حياته السياسية, بخاصة انه بعد اتفاقي الخليل وواي بلانتيشن, وقع في فخ عملية التسوية, وتبين عدم قدرته في ضوء المعطيات الحاصلة على التملص من استحقاقاتها إلى ما لا نهاية. منذ وصوله إلى سدة السلطة في اسرائيل (قبل عامين ونصف) حاول بنيامين نتانياهو تقديم نفسه على انه الرجل الذي جلبته الاقدار لاعادة تصويب عملية التسوية, وانقاذ اسرائيل من المخاطر التي باتت تهددها جراء سياسات حزب العمل, بما يتعلق تحديدا بعملية التسوية واستحقاقاتها الاسرائيلية. في مجمل خطابه السياسي تمسك بنيامين نتانياهو بعملية التسوية, من الناحية الشكلية, ولكنه جاء بمقولات (السلام الآمن) و(السلام مع الردع) , و(الامن قبل السلام) , على اساس ان هذه (التعديلات) ضرورية للمصالح الاسرائيلية, على اساس ان المعاهدات لا تصمد في هذه المنطقة المتقلبة من العالم, وان القوة والقدرة على الردع هما ما تحتاج اليهما اسرائيل للحفاظ على امنها, وفرض السلام والاستقرار في هذه المنطقة. وهذا المنطق الاسرائيلي المقلوب الذي يفتقد الحد الادنى من المبررات في ظل الاوضاع وموازين القوى الاقليمية والدولية الملائمة لاسرائيل بالنظر لتفوقها العسكري الاستراتيجي, واسلحة الدمار الشامل الموجودة لديها, من ناحية, وضمان الولايات المتحدة الامريكية (القطب المهيمن دوليا واقليميا) لامنها وتفوقها من ناحية ثانية, قد ادى فيما ادي إليه, كما هو معروف, إلى جمود عملية التسوية وتعثرها على مختلف المسارات. فبنيامين نتانياهو يريد ان يستمر في عملية التسوية مع الفلسطينيين, في حين انه يريد, ايضا, الاحتفاظ بمعظم الاراضي الفلسطينية, لدواع: امنية وسياسية وايدلوجية ومائية وديمغرافية, وبنيامين نتانياهو يريد الانتقال من مفاوضات استكمال تنفيذ تطبيقات الحكم الذاتي إلى مفاوضات على غرار كامب ديفيد, للتوصل إلى اتفاق رزمة واحدة على مختلف القضايا: القدس, المستوطنات, اللاجئين, الحدود, الترتيبات الامنية, في حين انه يرفض مجرد اعادة انتشار لمساحة معقولة من الضفة في اطار تنفيذ اسرائيل لاستحقاقاتها, ويضع قيودا على تشغيل مطار غزة وعلى فتح الممر الآمن بين الضفة وقطاع غزة, وهو يريد تسوية يقبل الفلسطينيون فيها بتأييد الاحتلال ودوام السيطرة الاسرائيلية, على نواحي حياتهم ومستقبلهم, حتى انه يريد من الفلسطينيين ان يعيدوا صياغة ثقافتهم بما يتناسب والسلام الاسرائيلي, وبنيامين نتانياهو, يريد تسوية مع لبنان, ولذلك يطرح مقترحات مثل: لبنان أولا, وانسحاب لتطبيق قرار مجلس الامن رقم 425 من دون ان يرتبط ذلك بمعاهدة سلام مع لبنان ومن دون قيام علاقات تطبيعية بينه وبين اسرائيل, ولكن مع ذلك يضع شروطا على تنفيذ ذلك. ومع سوريا, هكذا هي الامور فحكومة نتانياهو تريد تحقيق سلام مع سوريا, ولكن على الطريقة الاسرائيلية, بحيث تحتفظ اسرائيل بجزء من اراضي الجولان السورية لدواع امنية ومائية, وفي اطار ترتيبات امنية متبادلة, وتطبيع للعلاقات. بكل الاحوال فان مختلف المبادرات التي قدمها نتانياهو, عبرت عن المأزق الذي تعاني منه اسرائيل ازاء عملية التسوية, واستحقاقاتها الداخلية والخارجية, فاسرائيل ليست مستعدة بعد لهذه العملية, من النواحي السياسية والايدلوجية, كما اثبتت تجربة السنوات الماضية منذ انعقاد مؤتمر مدريد (اواخر 1998) , كما ان الاطراف اليمينية والمتطرفة (القومية والدينية) تحاول ان تثبت بان اسرائيل ليست بحاجة اصلا لعملية التسوية من النواحي: الامنية والاقتصادية, وانها يمكن ان تتدبر نفسها بنفسها في المنطقة, وهذا ما حاولت حكومة نتانياهو اثباته طوال الفترة الماضية. وهكذا تبدو الاوضاع الذاتية في اسرائيل, لم تنضج بعد لحد اقناعها بضرورة عملية التسوية, خاصة ان هذه العملية ليست مجرد عملية خارجية بل انها تمس تعريف اسرائيل لذاتها ولهويتها ولدورها السياسي الوظيفي في المنطقة, فهي تتطلب تحديد حدود اسرائيل: الجغرافية والبشرية والسياسية والاقتصادية, والمشكلة ان القوى السياسية الاسرائيلية ليست مهيأة لذلك, والمجتمع الاسرائيلي يفتقد الاجماع حول شكل التسوية المفترضة, هذا من ناحية, اما من الناحية الثانية فان اسرائيل لم تجد حتى الان, الدافع الذي يضطرها لتقديم الاستحقاقات المطلوبة منها لعملية التسوية, فالاوضاع العربية وعلى المستوى الاقليمي, لم تصل حتى الان إلى الدرجة التي تجبر اسرائيل على تقديم الحد الادنى من هذه الاستحقاقات, والضغط على الصعيد الدولي لم يصل إلى الدرجة المناسبة التي تدفع اسرائيل نحو ذلك, خاصة في ظل المواقف الامريكية المغطية للسياسات الاسرائيلية المذكورة, وطالما ظلت امريكا مترددة ازاء دفع اسرائيل نحو تحريك عملية التسوية. والمنطق الاسرائيلي الذي يجري ترويجه في هذا الاطار هو اما قبول الاشتراطات الاسرائيلية, واما ابقاء الاوضاع على ما هي عليه, وفي سياسة الامر الواقع هذه, تعمل اسرائيل على الاستفادة من عامل الوقت وفرض مزيد من الوقائع لصالحها وتأجيل الاستحقاقات المطلوبة منها, والتبرير الاسرائيلي لذلك هو ان اسرائيل بامكانها التعايش مع هذا الواقع, وانها ليست بحاجة لعملية التسوية, طالما لا تتجاوب مع اشتراطاتها وطموحاتها. في هذا الاطار فان منطق بنيامين نتانياهو وحكومته يختلف عن منطق حزب العمل, الذي يضع الاولوية لمعاهدات السلام, والضمانات الدولية, وعلاقات التطبيع والنظام الاقليمي, اما حكومة نتانياهو فهي تعتقد بان اسرائيل القوية القادرة على الرد هي وحدها التي تحقق السلام, وانها بقدراتها الاقتصادية والتكنولوجية وبعلاقاتها المتميزة مع الغرب وبخاصة مع الولايات المتحدة الامريكية, يمكنها ان تحافظ على استقرارها وازدهارها الاقتصادي وتفوقها على المنطقة. النتيجة, يمكن القول بان انهيار حكومة نتانياهو, وتقريب عملية الانتخابات سيؤخر استحقاقات عملية التسوية, ولكنه لن يؤدي إلى انهيارها, بحكم دوافعها وحواملها الدولية والاقليمية والاسرائيلية, وبحكم المسارات والوقائع التي نتجت عنها, وفي انتظار الاشهر القليلة المقبلة, وفي انتظار نتائج الانتخابات الاسرائيلية, ينبغي مراقبة التداعيات السياسية الداخلية في اسرائيل, بالنظر لاهمية ذلك في قراءة التوجهات والتطورات في المجتمع الاسرائيلي, ولمعرفة اتجاهات عملية التسوية, لقد ادت عملية التسوية إلى اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق, اسحق رابين, واحدثت شرخا كبيرا في المجتمع الاسرائيلي وها هي تطيح بحكومة نتانياهو فماذا بعد؟! هذا ما ستكشفه التطورات المقبلة.