المجتمعات العربية تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية وثقافية ونفسية وفكرية وغيرها عسيرة. ويسعى عدد من الكتاب العرب الى العثور على علاج هذه المشاكل للنهوض بالشعب العربي صوب التقدم بمختلف جوانبه. ولتحقيق التقدم في مجالات الحياة المختلفة من اللازم إعمال الفكر النقدي والقيام بالتحليل السليم, وتنفيذ ما يستلزمه هذا الفكر والتحليل. من شأن هذا الفكر والتحليل ان يدلانا على الأسباب الكامنة وراء الظواهر الاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية وغيرها التي نعاني منها وعلى طرق ازالة هذه الظواهر. تعتور عيوب في الطرق والمناهج الفكرية قدرا لا يستهان به من الكتابات المتناولة لقضايا التقدم السياسي والاقتصادي والثقافي والصادرة في شكل كتب أو مقالات طويلة أو قصيرة في مختلف البلدان في كل قارات العالم. وتختلف البلدان بعضها عن بضع في مدى عمق هذه العيوب وانتشارها. وفي هذا المقال نتناول تناولا موجزا قسما من هذه العيوب الواردة في الكتابات الصادرة في الوطن العربي. وبالنظر الى ان قضايا التقدم والتخلف والنهضة قضايا تقع في المجالات الانسانية المختلفة, في الاجتماع والاقتصاد والقانون والسياسة وغيرها, من الضروري ان يجري تناول هذه القضايا بمفاهيم مستمدة من مختلف العلوم الاجتماعية: الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقانون والتاريخ والنفس وغيرها. وقبل تناول هذه العيوب من السليم في هذا السياق القيام بوصف موجز لحالة المفكر الناقد. المفكر الناقد العربي خائف من الاعراب الحقيقي الكامل عن فكره لأن ذلك الاعراب يحتمل احتمالا كبيرا ــ ان لم يكن من اليقين ــ ان يجر في اعقابه انتقام السلطة الحكومية او جماعات تتجلبب بجلباب من الجلاليب الفكرية المختلفة. في حالات كثيرة المفكر الناقد العربي يشعر بغربة في وطنه. بسبب فكره النقدي المستقل المغاير وبسبب طريقته في التفكير وطريقته في عرض المشاكل الفكرية يهجره كثيرون من مختلف جماعات المجتمع أو ينتقدونه أو يعادونه أو يشهرون به أو يقاطعونه, وهذا الموقف يجعل قسما كبيرا من المفكرين الناقدين يكتمون أفكارهم وعواطفهم أو لا يبوحون بها الا لعدد محدود من الناس, أو يخففون شدة لهجة النقد أو يقللون قوة عرض الفكرة أو يختارون موقفا انتقائيا في اختيار المواضيع التي يتناولونها بأن يتناولوا مواضيع يكون تناولها والاعراب عن الفكر في تناولها أقل اثارة لعداء شتى الجهات المؤثرة والفاعلة في المجتمع ــ وذلك كله يقلل بالتالي تقليلا كبيرا من الفائدة التي يمكن أن يجنيها المجتمع من فكر المفكرين الناقدين. ونحن ــ الناطقين باللغة العربية ــ من مصلحتنا تحقيق التقدم أو مزيد من التقدم السياسي والاقتصادي والثقافي, ولتحقيق ذلك من اللازم نقد الموروث لغربلة القيم وللتخلص من الظواهر والقيم ذات الآثار السيئة, لتحقيق التقدم يجب أن يوضع الانسان العربي في مركز الدولة والمجتمع, وان تحقق العدالة والمساواة والحرية الفكرية والسياسية وتشجيع التمتع بالحياة. ولتحقيق التقدم يجب الاعتماد على العقل ورفض ما يتنافى معه, وفي تحقيق التقدم ليس من السليم أن يكون للعقل وللضباب والأوهام الفكرية نفس الاعتبار, ولا يمكن أن يقبل العقل مقولات سخيفة, والنشاط العقلي لا يطيق بطبيعته التقييد, ولا يمكن أن يقبل العقل ما يقيده من المقولات السخيفة والوهمية والضبابية, وبالعقل يمكن تنظير العلم وفهم المجتمع والطبيعة والكون, وبالعقل يمكن ازالة ضباب الغموض الفكري والجهل, وبالعقل يصبح الانسان أقل كثيرا اعتمادا على الأفكار الخاطئة والمسلمات الفكرية غير السليمة والترهات والخزعبلات والأوهام التي لها دور شديد الضرر في حياة المجتمع وفي تقييد الفكر البشري, بالعقل يمكن للانسان أن يفكر تفكيرا سليما يساعده في تحقيق ما يستهدفه من الأهداف. عدم تعريف المصطلحات ثمة لبس فكري في قدر لا يستهان به من الكتابات العربية في مختلف المجالات الاجتماعية, وأحد أسباب هذا اللبس هو عدم تعريف المصطلحات المستعملة أو اعطاء تعريفات مختلفة للمصطلح الواحد أو عدم تناول مفهوم المصطلح بما يمليه تعريفه. الانتقائية في تحميل المسؤولية: ثمة عيب آخر في طرائق فكر قسم من المفكرين, وذلك العيب هو الانتقائية في تحميل المسؤولية عن حالتنا الحاضرة أو الانتقائية في ذكر أسباب هذه الحالة, فبينما ينسبون الى نشوء هذه الحالة أسبابا مختلفة لا ينسبون الى نشوئها أسبابا أخرى قد لا تقل أهمية وقد تزيد أهمية عن الأسباب المذكورة, فهناك على سبيل المثال من لا يضع المسؤولية عن حالتنا العسيرة الا على الثقافة العربية, وهناك من يقصر المسؤولية على السيطرة الأجنبية, وفي الحقيقة ليس من الصحيح قصر المسؤولية على عامل واحد, توجد عوامل مختلفة - التنشئة العربية الفاسدة في عدة وجوه والرومانسية العربية والروح القبلية والحمائلية والنظام الأبوي (البطريركي) والسيطرة الأجنبية وغيرها ــ مسؤولة عن حالتنا. هذه الانتقائية غير سليمة لأن هذه السمة لا تساعد في رؤية معالم صورة حالتنا الكاملة, ولا تمكن معالجة هذه الحالة دون معرفة الأسباب كلها في نشوئها, لا تكفي معالجة قسم من الأسباب ــ مثلا الأسباب المذكورة ــ لأن من شأن الأسباب غير المذكورة وغير المعالجة أن تفسد ما تصلحه معالجة الأسباب المذكورة, ذلك هو أحد أسباب القول بأن من اللازم ذكر جميع أسباب نشوء الحالة وبأن من اللازم تفادي الانتقائية في ذكر الأسباب. عدم التناسب في تحميل المسؤولية: وأحد عيوب طرائق التفكير التي تعتور قسما كبيرا من الكتابات العربية تحميل العوامل المختلفة السياسية والاقتصادية والتاريخية والثقافية المسؤولة عن حالتنا الحاضرة نفس الحمل من المسؤولية عن هذه الحالة على الرغم من أن لهذه العوامل آثارا متباينة في ايجاد هذه الحالة وفي دوامها, للعامل التاريخي ولعامل السيطرة الأجنبية العثمانية وغير العثمانية, على سبيل المثال, قدر من المسؤولية عن الحالة العربية الراهنة أكبر من قدر المسؤولية التي تقع على عوامل أخرى عن هذه الحالة. ومن العيوب التي تعتور طرائق ذلك التفكير لدى بعض المفكرين معاملتهم للأخطاء بالتساوي, وقعت ولا تزال تقع أخطاء في مجالات عديدة: في فهم الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي والنفسي العربي, وفي فهم التاريخ العربي, وفي كيفية التعامل مع الذات ومع الغير, ووضعت سياسات اقليمية غير سليمة ولم يكن تنفيذ السياسات الانمائية صحيحا, ولم يكن سلم الأولويات الذي وضعه راسمو السياسة صحيحا, ولهذه الأخطاء أثر متباين في صيرورتنا الى الحالة التي نجد أنفسنا فيها الآن, ان هذه الأخطاء يختلف بعضها عن بعض في القدر من المسؤولية الذي يقع على عاتق كل منها عن حالتنا الحاضرة التي لا نحسد عليها, وتذكر الكثير من الكتابات العربية هذه الأخطاء ويحملها المسؤولية عن هذه الحالة دون محاولة ــ ولا أقول تقرير, لأن من الصعب تقرير ــ تحديد القدر من المسؤولية الذي يقع على عاتق كل خطأ من هذه الأخطاء عن حالتنا القائمة. يذكر مفكرون أسبابا مختلفة لما يسمونه التخلف العربي, وهذه الأسباب معروفة وهي اسباب تاريخية وثقافية واقتصادية وبنيوية (هيكلية) وسياسية داخلية وخارجية, واسباب الرجعية الفكرية والاعتقاد بالخرافة والاساطير واستحواذ الاوهام والرومانسية والاصابة بالعقد النفسية والكسل والتراخي الفكريين والتواكل والطائفية والعصبية القبلية والحمائية والنظرة المحلية الضيقة والاستعمار والهيمنة السياسية والاقتصادية الاجنبية, والتحجر الفكري والتراث السياسي والاجتماعي الاستبدادي وتهميش مركز المرأة واسباب غيرها. نعم, هذه الاسباب وغيرها مسؤولة عن حالتنا اليوم. غير ان هؤلاء المفكرين لا يحددون جزء مسؤولية كل من هذه الاسباب عن جوانب هذه الحالة. ليس من العسير ان نعرف ان تردي مركز المرأة مثلا سبب في نشوء حالتنا, غير انه من المهم اهمية بالغة ان نحدد مدى مسؤولية هذا السبب - وهذا السبب مسؤول يقينا مسؤولية كبيرة - عن نشوء هذه الحالة وان نحدد مدى اهمية هذا السبب بالمقارنة بأسباب اخرى. غلبة النموذج الغربي ويعتور عيب آخر طريقة التفكير العربي في بعض الكتابات, وهو تناول الكتاب لمشاكل التنمية الاجتماعية بالمعنى الاوسع - بما في ذلك التقدم والتحديث والنهضة - بمفاهيم وعقيدة الغلبة الفكرية الغربية. وبسبب تناولهم لهذه المشاكل بهذه المفاهيم يعتبرون النموذج الغربي لتنظيم المجتمع مثالا كاملا. ان هذا النموذج في الحقيقة ليس كاملا. وهو يشتمل على جوانب ايجابية وجوانب سلبية. وليس من السليم من وجهة نظر قومية وثقافية وحضارية ان نقبل هذا النموذج على علاته, ان نقبله بما يشمله من جوانب ايجابية وجوانب سلبية ان نقبله بوصفه وحدة متكاملة. ومن السليم ان نقبل من النموذج الغربي الجوانب الايجابية وان نرفض الجوانب السلبية. وتوجد نماذج بديلة من النموذج الغربي. وهذه النماذج تشمل يقينا ايضا جوانب ايجابية وجوانب سلبية. ومن السليم ايضا ان نأخذ منها ماهو ايجابي وان نعزف عن اخذ ماهو سلبي. ويجعل بعض المفكرين النموذج الغربي حكما على طريقتنا في الحياة وموجها لها. وفي ذلك خطأ جسيم. طريقتنا في الحياة ليست طريقة - او الاصح طرق - الغربيين في الحياة . والنموذج الغربي المشتق من التجربة الغربية لا يصح ان يكون حكما على طريقتنا وتجربتنا في الحياة, وهي الطريقة والتجربة المختلفتان عن التجربة الغربية التي نبع النموذج الغربي منها. ولم يثبت النموذج الغربي في تنظيم المجتمع وتسيير الحياة صلاحيته. وللتدليل على صحة هذا البيان قد يكفي القاء نظرة على مدى تفكك الاسرة وطغيان المادة الجامح والريبة بين الناس والجريمة والادمان على المخدرات وفجوة الاجيال والتباين الاقتصادي والاستقطاب الاجتماعي وسيطرة الجنس على التفكير والرشوة والتحايل على القانون وغربة الناس بعضهم عن بعض وغير ذلك من الشرور والرذائل المتفشية في الغرب. ومما له علاقة بموضوع النموذج الحضاري الغربي الغالب في هذا السياق تعميم بعض المفكرين العرب لما يزعمون انه التخلف العربي, بمعنى انهم يعتبرون كل شيء عربي متخلفا: في رأيهم السخيف العقل العربي متخلف, والاقتصاد والادب والفن والثقافة - كلها في نظرهم متخلفة. هذا نهج فكري خاطىء لانه لايقوم على ادلة علمية وتجريبية. ليست الآداب والاقتصاد والفنون والثقافة والحضارة والسياسة كلها متخلفة حين استعمال مفهوم التخلف يجب تحديد معنى التخلف وتحديد معايير التخلف. عم التخلف؟ هل المقصود هو التخلف عما بلغه الغرب؟ اذا كان الجواب بالايجاب فجوابنا الذي يليه هو ان هذا الجواب مرفوض. لان المعيار الذي نحكم وفقا له على تقدمنا او تخلفنا لم نحدده بعد او لم يحدده جميع العرب. انه نقطة خلافية . لانقبل تقريرا باننا متخلفون استنادا الى نموذج - مثلا نموذج غربي - نحن جميعا لم نقبله منطلقا لتحديد تخلفنا او عدم تخلفنا. وينبغي تكرار السؤال: تخلف بالمقارنة بم؟ لتحديد التخلف يجب علينا ان نقوم بتحديد التقدم, ما نعتبره تقدما. بعد ان نقوم بتحديد ما نعتبره تقدما يمكننا ان نشرع في محاولة تقرير ما اذا كنا متأخرين او غير متأخرين على ضوء رؤيتنا نحن للتقدم الذي نحدده نحن لأنفسنا. ومن الخطأ قول بعض القائلين العرب ان كل شيء عربي متخلف. لهذا القول خطر على كياننا, فهذا القول له مفعول سلبي على نظرتنا الى انفسنا والى حضارتنا وهويتنا. وذلك القول يضعف ثقة العرب بانفسهم ويضعف اعتزازهم بأنفسهم, ولأعداد العرب مصلحة في اشاعة هذه الفكرة عن انفسنا, ولهم دور في نشرها. ويجب ان نمنع ان ينطلي علينا هذا القول غير الصحيح. وانطلاء هذه الفكرة علينا وقبولنا لها يضران بنا لانها خاطئة والفكر الخاطىء لايساعدنا في فهم واقعنا الذي يجب ان نفهمه حتى نستطيع ان نعالج هذا الواقع بما فيه مصلحتنا. ولن اتوسع في هذا المقام في تناول هذا الموضوع البالغ الاهمية قوميا وسياسيا وحضاريا بالنظر - كما اشرت في بداية هذا المقال - الى توخي الايجاز في تناول بعض عيوب طرائق الفكر المتجلية في قسم كبير من الكتابات العربية. العلاقة بين الحضارتين العربية والغربية ومما له صلة بالموضوع في هذا الصدد ايضا العلاقة القائمة بين الحضارة العربية والحضارة الغربية. من الاخطاء التي يرتكبها عدد من الكتاب العرب اعتبارهم هاتين الحضارتين متناقضتين تماما. وفي الحقيقة توجد أسس وجوانب مشتركة بينهما ونقاط التقاء كثيرة. كما توجد نقاط اختلاف بينهما. ومن غير الصحيح القول ان الواحدة منهما تستبعد الاخرى تماما. ومن الخطأ الذي يرتكبه عدد من هؤلاء الكتاب ايضا انهم يظنون ان الحضارة المعاصرة كلها حضارة غربية. ان كثيرا من جوانب الحضارة الغربية عالمية. لقد اسهمت في الحضارة المعاصرة شعوب من الغرب وشعوب من الشرق, منها الشعوب العربية. الفكر الاستقرائي (INDUCTIVE) ومن عيوب طرائٍق فكر بعض الكتاب العرب انه فكر استقرائى الاستنتاج والحكم, اي فكر يتتبع الجزئيات للتوصل منها الى حكم كلي او الى استنتاج كلي. ومرد القول ان لهذه الطريقة في الاستنتاج عيبها هو ان الجزء في احيان لايشكل الاساس لاصدار الحكم على الكل. وبهذا النهج توصل ويتوصل مفكرون الى استنتاجات خاطئة. الفصل بين العلم والايديولوجية وحتى نستطيع ان نعرف اسباب حالتنا القائمة اليوم - حالة المجتمعات العربية, الحالة التي تشمل مختلف المشاكل الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية - يجب الفصل الى ابعد مدى بين العلم والايديولوجية, والفصل التام مستحيل. والعلم, في مجال توخيه لتحقيق المعرفة, له علاقة اضعف بالايديولوجية. وكلما زاد تدخل الايديولوجية في مجال العلم زاد تعطل العلم عن اداء وظيفته. وفي مجال مراعاة مبدأ الفصل يجب عدم قبول (بقرارات ايديولوجية مقدسة) . نهج استخدام طرائق البحث العلمي في توخي المعرفة لا يقبل (بقرات مقدسة) . يمكن للباحث عن الحقيقة او للعالم ان ياخذ بايديولوجية معينة وان ينهض بها وان يشيعها. غير ان اخذه ونهوضه بها واشاعته لها نشاط ايديولوجي وليس نشاطا علميا. هو يقوم بذلك النشاط ليس بوصفه عالما ولكن بوصفه صاحب ايديولوجية يمكن للانسان نفسه ان يقوم بدورين: دور الباحث الذي يرفض القول مثلا ان جرثومة موجودة دون توفر الدليل المحسوس على هذا الوجود, ودور الشخص في الأيديولوجية الذي يؤمن بوجود شيء دون ان يراه بالدليل المحسوس. ولابد ان يقع تأثير متبادل بين تفكير الانسان بوصفه متحريا عن الحقيقة المحسوسة باستعمال الأدوات العلمية مثل القيام بالاحصاء والتجربة وتفكير الانسان بوصفه صاحب ايديولوجية. وهذا التأثير يمكن ان يكون قويا أو ضعيفا, وتضعف صفة العالم عند الإنسان الذي يؤثر فيه الجانب الأيديولوجي, وتضعف أيضا صفة صاحب الأيديولوجية لدى الإنسان الذي تؤثر فيه صفة الباحث عن الحقيقة عن طريق تطبيق الأدوات العلمية. هناك طروحات علمية وطروحات ايديولوجية متشابهة وغير متشابهة, وسواء كانت الطروحات العلمية والأيديولوجية متشابهة أو غير متشابهة أو متناقضة فإن ثمة اختلافا بين النهج العلمي والنهج الايديولوجي في كيفية تحديد الطروحات, النهج العلمي لا يتوصل إلى طرح من الطروحات إلا بتطبيق الأدوات العلمية الموصلة إلى هذا الطرح ويكون النهج الأيديولوجي في تبني طرح مستلهم لاعتبارات قيمية ذاتية. حتى نحسن فهمنا لواقعنا, وحتى نحسن دراستنا لقضايا التقدم والتطوير الاجتماعيين والحضاريين يجب ان ننحو المنحى العلمي النقدي وان نضع تأكيدا أكبر كثيرا في تفكيرنا على علم اجتماع المعرفة, مما يتضمن دراسة علاقة الفكرة بالبيئتين الاجتماعية والطبيعية. الثنائية في المواقف الفكرية ومن عيوب طرائق التفكير لدى بعض المفكرين اتخاذهم لمواقف فكرية تتسم بما يمكن ان تسمى بالثنائية, أي بأن يتخذوا في مواقفهم أما القبول أو الرفض, أما اللون الأسود أو اللون الأبيض, أما هذه أو ذاك, ويبدو انه لا يوجد في قاموسهم الفكري مفهوم (المناطق الرمادية) أو (المناطق الحدودية) أي (المناطق) التي تقع بين الطرفين الاثنين. ومما يتصل اتصالا عضويا بما نسميه ثنائية التفكير سمة الثقة الكاملة والمطلقة بصحة البيانات الفكرية دون ان يستعمل هؤلاء المفكرون اساليب لغوية في بيان الفكر تشير إلى وجود احتمالات الخطأ في الفكر أو تشير إلى ترك أو تخصيص هامش ذي سعة ما لاحتمال الخطأ في البيان الفكري أو تشير إلى تريث المفكر في اصدار الحكم والتريث قبل الخلوص إلى الاستنتاج, هذه الظاهرة التي قد يصح ان نسميها ظاهرة الاندفاع أو الحماس ذات أثر هام في تعطيل فهم الحقائق لأن الظواهر الاجتماعية ذات تعقد كبير لدرجة انه لا يصلح مع هذا التعقد اصدار الحكم أو الاستنتاج بلغة اليقين والتأكد التام دون التوقف وقفة المحتاط للتمعن قبل اصدار الحكم. الخطأ في نهج المقارنة ومن العيوب المنهجية التي يرتكبها عدد لا يستهان به من الكتاب انهم يخلصون إلى استنتاجات تتعلق بالوجود العربي على أساس ما يزعمون انه اجراء مقارنة بين الحضارة الغربية المعاصرة والتراث الحضاري العربي, انهم يظنون انهم يجرون المقارنة بين ظاهرتين. وإذا بذلت محاولة لاجراء المقارنة دون توفير تلك الشروط فلعله يتم التوصل إلى استنتاجات عامة جدا لا فائدة منها, استنتاجات لا تطلعنا على خصوصيات كل ظاهرة من الظاهرتين, ومن هذا القبيل المقارنة مثلا بين القط والجبل, ويكون الاستنتاج عاما وهو انهما كتلتان ماديتان. وأحد الشروط اللازم توفرها في سياق المقارنة بين الحضارة الغربية والتراث الحضاري العربي هو الاطلاع على هذه الحضارة وهذا التراث, وهذا الاطلاع ليس متوفرا حقا في الأغلبية الكبيرة, من الحالات, وان توفر فهو اطلاع جزئي, ولا يصح بالاطلاع جزئي, ولا يصح بالاطلاع الجزئي وبالتالي الناقص ناهيكم عن حالة انعدام الاطلاع ـ الخلوص إلى استنتاجات عامة. وثمة شرط آخر يجب ان يتوفر ليكون بالامكان عقد المقارنة, وهو أنه لدى القيام بالمقارنة يجب عدم التحيز في الموقف المتخذ ازاء هذا التراث وتلك الحضارة, لأن التحيز المؤيد أو المناوئ يفسد صلاحية المقارنة باعتبارها طريقة للتوصل إلى معرفة الحقائق المتعلقة بموضوع المقارنة. وللقيام بالمقارنة يجب توفر قابلية المقارنة بين المواضيع, عند عقد المقارنة على الكاتب أن يقارن بين كتابات المفكرين العرب والغربيين مثلا في علم الاجتماع أو علم الاقتصاد أو الأدب. غير ان الطريقة التي يتبعها بعض الكتاب خاطئة بعدم استيفائها لهذا الشرط. مناقشة الشخصيات ومناقشة الأفكار ومن السلوك الفكري السيىء لدى قطاعات كبيرة من العرب الرد في المناقشات وكأنها مناقشات بين شخصيات المتناقشين وأفكارهم, بهذا السلوك الفكري ليس من الممكن التوصل إلى الحقيقة, أو إلى قدر كبير منها, لأن الأفكار, إذ تتجه إلى شخصية المناقش وليس إلى أفكاره, تفتقر إلى حد كبير إلى الموضوعية. الفكر في هذه الحالات فكر منحرف هي الموضوع ومتجه إلى ذات المناقش, إلى شخصيته, وبالتالي تنعدم في هذه التبادلات الكلامية صفة السلوك الفكري المستهدف لمعرفة الحقيقة وتتردى هذه التبادلات إلى كلام التهجمات الشخصية. بساطة التحليل ومن السمات المعيبة لقدر لا يستهان به من كتابات بعض المؤلفين بساطة تحليلهم لظاهرة حالتنا المعاصرة. حالتنا هذه نتيجة ظواهر وعوامل كثيرة ومتداخلة وبالتالي معقدة, ولمعرفة جوانب حالتنا ولمعرفة العوامل المشاركة في انشائها من اللازم القيام بالتحليل المتعمق. من اللازم تحليل العوامل والظواهر وهي تتفاعل بعضها مع بعض تفاعلا مستمرا, وتتفاعل تفاعلا مستمرا مع البيئة الاجتماعية والنفسية والطبيعية المحيطة بها. على سبيل المثال, من الصحيح القول ان للاستبداد السياسي الداخلي أثرا في التخلف, هنا يعزي التخلف إلى أسباب منها الاستبداد الداخلي. هذا التحليل قد يكون من الصحيح وصفه بأنه تحليل بسيط, غير ان من الأصح بالنسبة إلينا الذين نريد ان نعرف طبيعة حالتنا القائمة ان نتوسع في تفسير التخلف فنقول ان التخلف نابع من أسباب منها الاستبداد السياسي الداخلي بالاقتران بالسيطرة الأجنبية. هذه الصيغة التي تنطوي على التأثير المتبادل بين العوامل ــ أكثر مساعدة لنا في فهم طبيعة واقعنا من مساعدة الصيغة التي تتمثل في ذكر الأسباب في اغفال التأثير المتبادل القائم بينها. وعلى نفس المنوال من الأصح القول ــ في محاولتنا لفهم واقعنا ــ ان التخلف نابع من أسباب متداخلة التأثير منها الاستبداد السياسي الداخلي والسيطرة الأجنبية والفقر الاقتصادي واغلاق باب الاجتهاد أو عدم استعماله وتولي الاقطاعيين السلطة السياسية في البلاد والروح الحمائلية المتفشية. العزلة بين المثقفين والجماهير في المجتمعات العربية تقوم حالة معيبة لها أثر سيء في الفكر العربي, وتتمثل تلك الحالة في العزلة القائمة إلى حد كبير بين المثقفين ــ الذين يخرج الكتاب عادة من صفوفهم ــ والجماهير, لا يحقق قدر كبير من التدفق الفكري بينهم. من اللازم في التصدي للممارسات العربية والغربية السيئة وفي عملية تأكيد الذات والهوية العربيتين ونحن نريد القيام بهذا التصدي وبتأكيد الذات والهوية ــ ازالة هذه العزلة حتى نعرف القيم الحقيقية والأصيلة الطيبة الكامنة في الجماهير, وهي القيم التي يمكن بالاستعانة بها التصدي للممارسات السيئة, وحتى نعرف أيضا فكر هذه الجماهير في كيفية تحقيق وتأكيد الذات العربية. لدى هذه الجماهير قيم طيبة لم نستفد منها ولم نكتشفها بعد, ويمكن ان تساعدنا في معركة تأكيد الذات, وفي معركة التصدي للقيم السيئة سواء كانت غربية أو عربية. عبادة الأصنام ومن العادات السيئة التي تنتشر بيننا خلقنا (للأصنام) في شتى المجالات الاجتماعية والفكرية ثم عبادتها وتمجيدها, واجلالها واتاحتنا الفرصة لتلك الأصنام لأن تطغى على الساحة الفكرية العربية ولأن تزيل أو تهمش رؤى فكرية أخرى, دون التحقق من صحة وسلامة المضمون الفكري الذي ينتجه عقل ذلك الصنم ودون التحقق من استحقاق هذا الصنم أو ذاك لتلك العبادة وذلك التمجيد والاجلال, ومن العادات الشائعة أيضا اتخاذ موقف يتفق مع اتجاهات ذلك الصنم واهوائه ومحاربة اصنام اخرى اذا كانت افكار تلك الاصنام تختلف مع افكار الصنم المعبود, ومن دلالات هذه العادة الجهل بما هو نافع وبما هو ضار وعقلية الخضوع الفكري وتبعية التفكير, لأن عبادة شخص لصنم فكري معناها حرمان ذلك الشخص لنفسه من التفكير المستقل المنطلق العنان.