توقفت أمام خبر منشور بجريدة الخليج في 1998/12/15 مفاده ان الجمعية العامة لاتحاد الاذاعات والتليفزيونات العربية والذي عقد في الأسبوع الماضي بالجزائر قد رفض طلب الانضمام المقدم من قناة الجزيرة وأضاف الخبر ان الجمعية العامة قررت منح القناة وبناء على طلب مصر مهلة ستة أشهر للالتزام بميثاق الشرف الإعلامي . والمفهوم من هذا الخبر ما يلي: 1 ــ ان قناة الجزيرة ليست عضوا في اتحاد الاذاعات والتليفزيونات العربية. 2 ــ انها تقدمت بطلب عضوية للانضمام للاتحاد أثناء انعقاد الجمعية العامة للاتحاد. 3 ــ تمثل موقف الاتحاد في رفض الطلب. 4 ــ سبب الرفض هو ان الجزيرة لا تلتزم بميثاق الشرف الإعلامي الذي تتبناه وسائل الإعلام العربية. 5 ــ ان هناك مهلة ستة أشهر أمام الجزيرة لاعادة النظر في سياستها وممارساتها الاعلامية لاثبات جديتها في الالتزام بميثاق الشرف الإعلامي. 6 ــ إذا لم تلتزم الجزيرة بهذا الميثاق في غضون الأشهر الستة التالية من المتوقع عدم قبولها عضوا بالاتحاد. 7 ــ ان اي قناة تليفزيونية جديدة تقترب من نهج الجزيرة لن تؤهل للانضمام لعضوية الاتحاد, والمتابع لمضمون وأسلوب قناة الجزيرة سوف يصل إلى قناعة بأن هناك أداء اعلاميا مختلفا عن الأداء الإعلامي لباقي قنوات الاذاعة والتليفزيون العربية. من حيث نقاط التركيز والموضوعات التي تحظى بالاهتمام وأسلوب المعالجة والأهداف الإعلامية ودرجة التحرر في مناقشة الكثير من القضايا غير المألوفة لباقي وسائل الإعلام العربية. الفرق بين الشرعية والمشروعية لعله من المفيد ونحن نناقش رفض اتحاد الاذاعات والتليفزيونات العربية لانضمام قناة الجزيرة إلى الاتحاد ان نتطرق للفرق بين مفهومي الشرعية والمشروعية, فالأول مرتبط بالقبول الجماهيري والشعبي والثاني يعني الاتفاق مع القانون, بعبارة أوضح, فإن السياسة أي سياسة أو القيادة أو المحطة التليفزيونية تصبح شرعية حينما تحصل على القبول الجماهيري وتأييد الرأي العام بغض النظر عما إذا كانت هذه القناة متسقة مع القانون أو متعارضة معه, ولكنها حتى تحقق المشروعية لابد وان تسير في نهجها وفقا لممارسة القانون. فالشرعية إذن وثيقة الصلة بقبول الرأي العام في حين ان المشروعية تعني اتفاق السياسة أو القضية أوالمحطة التليفزيونية مع ما رسمه القانون. ومن هنا فإن كل ما هو شرعي ليس بالضرورة مشروعا, لأن كل ما يقبله ويحبذه الرأي العام ليس بالضرورة متسقا مع القوانين المتاحة في مجتمع ما, وذلك لأسباب عديدة يأتي على رأسها انقضاء الفترة الزمنية لصلاحية القانون.فالقانون كان يمثل حلا لمشكلة حال صدوره, لكنه في ذاته يصبح مشكلة بعد مرور الوقت وتغير الظروف الاجتماعية والسياسية التي دعت إليه, ويحتاج إلى قانون جديد يحل محله وهكذا. ان موقف اتحاد اذاعات وتليفزيونات الدول العربية يعني ببساطة ان أداء وسائل الإعلام العربية يمثل أداء مشروعا لأنه يتفق في نهجه ومسيرته مع مقتضى القانون وميثاق الشرف الإعلامي العربي. لكن مشروعية الإعلام العربي لا تعني شرعيته, ومن ناحية أخرى فإن عدم قبول قناة الجزيرة كعضو في اتحاد الاذاعات العربية يعني أنها غير مشروعة لأنها لا تتفق في نهجها وأسلوبها مع ما رسمه ميثاق الشرف الإعلامي, لكن غياب المشروعية عن قناة الجزيرة لا يعني بالضرورة عدم شرعيتها, ولاخلاف على ان الوضع المثالي هو ان يكون الإعلام العربي شرعيا ومشروعا في الوقت نفسه. إلى أي مدى تتمتع وسائل الإعلام العربية بالشرعية؟ اتساقا مع المنطق السابق فإن أحدا بمفرده لا يمتلك الاجابة كما ان جهة بعينها بما في ذلك اتحاد الاذاعات والتليفزيونات العربية لا يمكنه ان يحدد ما إذا كان الإعلام العربي يتمتع بالشرعية أم يفتقر إليها, لأن الشرعية قضية يقررها الرأي العام وحده ولذلك فهو وحده المؤهل لتقديم الاجابة والأسلوب الوحيد المتاح هو دراسات وقياسات الرأي العام التي تلتزم الحيدة والموضوعية في التخطيط والتنفيذ. الاحتكام إلى الرأي العام: انتهت دراسات وبحوث الرأي العام العربي الرصينة التي أجراها الباحثون في هذا المجال إلى الحقائق الآتية: 1 ــ ليس هناك علاقة ارتباط بين أولويات اهتمامات وسائل الإعلام العربي وهو ما يراه الرأي العام العربي كذلك أي ان كلا منهما في واد, ومصدر الخطورة في هذه الحقيقة العلمية هي ان قضايا مثل الاندماج الوطني والتماسك الاجتماعي والتنمية الاجتماعية والاستقرار السياسي والنهضة الحضارية ككل يصعب تحقيقها بالدرجة المرغوبة إذا لم تنجح وسائل الإعلام في ترتيب أولويات اهتمامات جماهير المتابعين وهو ما يعني في التحليل الأخير فقدان وسائل الإعلام العربية للمصداقية بدرجة كبيرة. 2 ــ هناك علاقة ارتباط سلبية بين استخدام وسائل الإعلام العربية خاصة المسموعة والمرئية والمشاركة في الحياة العامة من جانب الرأي العام بما يعني أنه كلما زادت مشاهدة المواطن العربي لوسائل الإعلام العربية كلمات أثر ذلك سلبيا على استعداده وسلوكه للمشاركة في الحياة العامة سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية الأمر الذي يعني ان وسائل الإعلام العربية بأسلوب غير مباشر خلقت درجة من الاغتراب لدى المستمع والمشاهد العربي ولعل ذلك يفسر تفضيل وسائل الإعلام الأجنبية على العربية. ان هذه النتائج تمثل خلاصة دراسات اعتمدت على الأسلوب العلمي في جمع وتحليل البيانات ومفادها ان عدم الرضا هو السمة الغالبة على علاقة الرأي العام بوسائل الإعلام كما ان الإعلام يؤدي دورا غير وظيفي ونتيجة لذلك فإنه قد آن الأوان لاعادة النظر في السياسات والممارسات الإعلامية بما في ذلك مواثيق الشرف للدرجة التي تجعل هذا الإعلام مقبولا لدى الرأي العام. لقد مارس الإعلام العربي وعلى وجه الأخص الصحافة العربية أهم وأنبل الأدوار في حياة الأمة العربية عندما كانت تخضع للاستعمار, ففي مصر على سبيل المثال كانت الصحافة هي خط الدفاع الأول للحركة الوطنية ضد المستعمر. وكانت الصحافة الصوت الحر الذي يحظى بالشرعية حتى وان تعارض مع القوانين والمواثيق التي وضعها المستعمر والمشهد اليوم يكاد يتناقض مع سابقه إذ تتمتع وسائل الإعلام بالمشروعية لكن العلم يشير إلى انها لا تحظى بالشرعية. والدعوة موجهة لاتحاد الاذاعة والتليفزيون العربي كما انها موجهة لقناة الجزيرة للاحتكام إلى الرأي العام العربي. فهل تتوافر لدينا الشجاعة لاجراء دراسة شاملة على مستوى قومي نحتكم فيها للرأي العام العربي في تقرير شكل ومضمون السياسات الإعلامية ومواثيق الشرف التي ينبغي ان يعمل وفقا لها اتحاد الإذاعة والتليفزيون العربي؟ استاذ بقسم الاتصال الجماهيري جامعة الامارات