النشاطات النووية في اسرائيل: بقلم- د. تيسير الناشف

لقد دخل الشرق الأوسط العامل النووي الذي ترافقه الكوابيس والأخطار, واعتمدت في عدد من دول هذه المنطقة برامج نووية أو هي في مرحلة الاعتماد . ويقوم اختلاف بين هذه البرامج من ناحية مراحل تطورها ونطاقها وأهدافها. وما فتئ عدد من هذه الدول يسعى إلى الحصول على التكنولوجيا النووية. والحالة القائمة في الوقت الحاضر هي انه من بين دول المنطقة لا تحوز الأسلحة النووية سوى اسرائيل. ويمكن لقدرات اسرائيل النووية الحالية أن تتسبب في التدمير الواسع النطاق لأهداف خصومها. وبالنظر إلى صغر رقعة اسرائيل الجغرافية يمكن للانتشار الاشعاعي النووي, إذا فجرت أسلحة نووية في المنطقة, أن يلحق الضرر باسرائيل نفسها وبأراض تقع خارج نطاق المنطقة. وبالتالي فإن نطاق وتطور قدرات اسرائيل في المجال العسكري النووي يحملاننا على الدراسة الجادة لمتضمناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. وفي سنوات السبعين كان التطوير النووي الاسرائيلي يتقدم بسرعة. وفقا لاموس بيرلماتر, الذي كان عضوا في هيئة الطاقة النووية الاسرائيلية, تحرك التطوير النووي إلى الأمام في بضعة مجالات مختلفة, مما أدى إلى توسيع البرنامج كميا ونوعيا. لقد شرع في ابرام اتفاقات التعاون النووي مع جنوب افريقيا التي كانت تحت حكم الأقلية البيضاء وتايوان كلتيهما. ونقل الصحافي الأمريكي جاك اندرسون خبرا مفاده ان جنوب افريقيا واسرائيل وافقتا في تلك الفترة على التعاون مع تايوان, التي كان لديها شعور بأنها محاصرة خصوصا منذ تحسين ثم تطبيع الولايات المتحدة لعلاقاتها بالصين الشعبية. وتشاركت اسرائيل وتايوان وجنوب افريقيا وتعاونت في تنفيذ مشاريع نووية مختلفة تضمنت مجالات الهندسة النووية وتكنولوجيا الأسلحة النووية. وتضمن ذلك مجهودا مشتركا لتطوير قنبلة النيوترون ونوع جديد من جهاز للاطلاق يعرف باسم المدفع النووي ولاستحداث قذيفة انسيابية يبلغ مداها 1500 ميل. وبهذا المدى يمكن لهذه القذيفة, إذا أطلقت من اسرائيل, أن تصيب أهدافا بعيدة في العالم العربي. وبالنظر إلى ان هذه القذيفة يمكن أن تطلق من سفينة أو طائرة فإن مداها يتجاوز كثيرا 1500 ميل. ونشرت هيئات حكومية مختلفة في شتى الأماكن تقارير تفيد بأن اسرائيل انتجت عددا من الأسلحة النووية. وأشارت تقارير أصدرتها وكالة الاستخبارات المركزية التابعة للولايات المتحدة إلى ان اسرائيل انتجت عددا من هذه الأسلحة. وفي مايو 1985 وررد في تقريرين وضعهما ريتشارد سيل ونشرا في صحيفة (ايروسبيس ديلي) , التي يعول عليها عادة, مقتبسة من مصادر أمريكية غير محددة الهوية, ان اسرائيل قد تمتلك مئتي سلاح نووي, وانها نشرت منذ سنة 1981 قذائف (أريحا 2) المسلحة بالأسلحة النووية, وهي القذائف التي كان مداها 400 ميل والتي زيد مداها زيادة كبيرة في أوقات لاحقة. ووصف التقريران قذيفة (اريحا 2) بأنها صاروخ ذو وقود مصمت وله نظام توجيه ذاتي القصور طور من منتصف إلى أواخر سنوات السبعين, مما يجعلها أكثر دقة كثيرا من دقة قذيفة (أريحا 1) ' التي طورت في وقت سابق. وفي سيل فيما بعد تفاصيل اضافية خلال مقابلة أجريت في يوليه 1985 على برنامج (النبأ الليلي) التابع لمحطة (ان بي سي) . قال سيل ان الرأس الحربي لقذيفة (أريحا 2) تم تطويره في معهد وايزمان الواقع على مقربة من تل أبيب, وهو برنامج يشارك فيه علماء من الولايات المتحدة. وروى سيل ان أحد العلماء الأمريكيين أخبره بأنه كان قد رأى الرأس الحربي, وقال ان طوله حوالي قدمين وان قطره من عشرين إلى اثنين وعشرين بوصة وان وزنه 226 رطلا انجليزيا. وعلى نفس البرنامج التلفزيوني بدا انتوني كوردسمان, وهو كاتب في الشؤون العسكرية والاستراتيجية في الشرق الأوسط, انه يؤكد جزئيا تأكيدات سيل بأن أعلن ان هناك (على الأقل مئة سلاح نووي في المخزون الاسرائيلي, ومن الممكن أكثر من مئة وأربعين) . وورد في مصادر مختلفة ان اسرائيل أجرت تجارب نووية. في فبراير 1980 أفاد تقرير كتبه مراسل اسرائيلي لمحطة (سي بي اس) التلفزيونية بأن الوميض المزدوج الذي اكتشف في سبتمبر 1979 في جنوب المحيط الهادئ كان تجربة نووية اسرائيلية. وأكد بيرلماتر هذا التقرير, مضيفا ان التفجير الذي حدث في ذلك الوقت كان تفجيرا لسلاح تكتيكي أطلق من مدفع خاص من عيار 155 مللم بنته شركة أمريكية واشتركت اسرائيل وجنوب افريقيا في شرائه. إن دراسة أجراها في سنة 1986 رونالد والترز وكنث س. زين, معتمدين على وثائق منشورة حديثا في مختبر بحوث القوة الأمريكية التابع للولايات المتحدة قدمت مزيدا من التأكيد. لقد أشارت تلك الدراسة إلى ان القوة البحرية للولايات المتحدة تعتقد بأن تفجيرا نوويا قد حدث فعلا في ذلك الوقت. ولمحت تلك التقارير الى امكانية اجراء التجربة على قنبلة نيوترون. ولحيازة قنابل النيوترون متضمنات خطيرة بالنسبة إلى من يستهدفون بتلك القنابل, فهي أسلحة مصممة لقتل الناس دون تدمير الممتلكات, وهي أسلحة يمكن أن تستعمل في قمع المعارضة الداخلية وفي ابادة الخصم في مناطق قريبة أو معزولة جغرافيا. وحصلت اسرائيل من مصادر معدودة على المواد اللازمة لصناعة الأسلحة النووية. ورد في بعض المصادر ان أعضاء في هيئة الاستخبارات الاسرائيلية اشتروا في سنة 1975 وهم يتظاهرون بأنهم ممثلون لشركة كيميائية المانية حمولة سفينة من أكسيد اليورانيوم من بلجيكا. وكانت اسرائيل يمكنها أن تشتري اليورانيوم بصورة مكشوفة لو أرادت الحصول عليه لأغراض مدنية. ومن المرجح أن سبب قيامها بعملية مقنعة كان أن يستعمل اليورانيون في أغراض عسكرية. وترى مصادر عديدة انه يقوم دليل قوي على ان مئتي رطل على الأقل من اليورانيوم المخصب (اليورانيوم 235) قد هربتها حوالي منتصف الستينات شركة (نوميك) الأمريكية إلى اسرائيل, انتهاكا لقوانين الولايات المتحدة المختلفة. وفي وقت لاحق أزاحت التحقيقات التي أجراها مكتب التحقيق الاتحادي التابع للولايات المتحدة الستار عن امكانية الاهمال الجنائي وحتى الاحتيال في مسك دفاتر الشركة التي كان مقرها في ولاية بنسلفانيا, وأزاحت الستار أيضا عن احتمال العزم على القيام بالتهري عندما علم ان رئيس الشركة, الدكتور زلمان شبيرو, وكان شخصا معروفا بميوله الصهيونية, قد سافر إلى أماكن مختلفة في الولايات المتحدة لكي يجند صراحة علماء يهودا للعمل من أجل اسرائيل. ومما يؤكد الاستنتاج بأنه يحتمل احتمالا كبيرا ان اسرائيل انتجت أسلحة نووية في سنة 1966 أو انها كانت تنوي انتاجها لكن ليفي اشكول رئيس الحكومة آنئذ رفض, ردا على مناقشة أجريت في البرلمان الاسرائيلي في مايو ,1966 قبول فكرة المنطقة الخالية من الاسلحة النووية في الشرق الأوسط, بيد انه لمح إلى انه (بينما يبدو نزع السلاح الاقليمي غير وارد الآن يجب التوصل إلى (تفاهم) ما خشية ان تدخل الأسلحة النووية في المنطقة) . ولا يشجع الجمهور في اسرائيل على مناقشة الشؤون النووية. وتمارس الحكومة الاسرائيلية الرقابة القوية على الكتابات المتناولة لهذه الشؤون. وكانت تلك الرقابة أحد الأسباب الهامة في ان المناقشة النووية في اسرائيل بدأت بداية ضعيفة. وعندما كانت كمية المادة القابلة للانشطار المنتجة في مفاعل ديمونة النووي تزداد على نحو استوجب اتخاذ قرار حكومي فيما يتعلق بما ينبغي فعله بتلك المادة كانت المناقشة تزداد قوة. وظهرت مجموعتان تسموان فوق الولاءات الحزبية والسياسية في اسرائيل: مجموعة واحدة تؤيد انتاج الأسلحة النووية ومجموعة أخرى تعارض انتاجها. والسياسة النووية التي ما انفكت اسرائيل تتبعها هي سياسة غموض المركز النووي. تعتقد شتى الهيئات الرسمية في العالم بأن اسرائيل أنتجت أسلحة نووية دون أن تعلن عن ذلك. واتسق مع هذه السياسة اعلان افرايم كاتسير رئيس اسرائيل السابق أمام كتاب الشؤون العلمية الغربيين الزائرين في الثاني من ديسمبر 1974: (ان نيتنا دائما توفير قدرة تطوير الأسلحة النووية, ونمتلك الآن هذه القدرة. وسندافع عن هذا البلد بجميع الوسائل الممكنة الكائنة في متناول اليد. ويجب علينا أن نطور أسلحة أقوى وأجد لحماية أنفسنا) . ولا يزال المسؤولون في الحكومة الاسرائيلية يرددون, في اطار سياسة الغموض النووي, الجملة التي مفادها (ان اسرائيل لن تكون أول من يدخل أسلحة نووية في الشرق الأوسط) . في سنة 1968 طلب مسؤولون في الحكومة الأمريكية من اسحاق رابين الذي كان حينئذ سفير اسرائيل لدى الولايات المتحدة طلبا ملحا ان يفسر معنى هذه الجملة التي يمكن أن تخضع لشتى التفسيرات. ووفقا لمصدر كتبه ويليام كوانت, الاختصاصي الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط, أجاب رابين انها تعني (ان اسرائيل لن تكون أول من يجرب الأسلحة النووية في الشرق الأوسط أو يكشف عن وجودها علانية. انها لم تعن... ان اسرائيل وعدت بألا تكون أول من يحوزها) . وفي أكتوبر 1986 باح مردخاي فانونو الاسرائيلي الذي عمل طيلة سنوات فنيا في مفاعل ديمونة النووي بمعلومات تؤكد انتاج وحيازة اسرائيل للأسلحة النووية. وحاولت السلطات الحكومية الاسرائيلية ان تحرف أية مناقشة حادة لما باح به فانونو. ومرة أخرى كرر ممثلون عن تلك السلطات ذكر الخط العادي الذي مفاده (ان اسرائيل لن تكون أول من يدخل أسلحة نووية في الشرق الأوسط) . وبينما يوجد في اسرائيل كتاب يؤكدون انها حائزة فعلا للأسلحة النووية يوجد كتاب آخرون ينتمون إلى ما يسمى بـ (مدرسة الجهل المدروس) , المدرسة التي تستعمل الصيغة التالية: (اننا لا نزال لا يمكننا أن نكون موقنين مما إذا كانت أم لم تكن اسرائيل فعلا مالكة لقدرة نووية) . وفي الحقيقة ان الاشارات المبطنة الصادرة عن مسؤولين في اسرائيل إلى قوتها النووية تصبح أكثر شيوعا, وذلك تغير ملموس في اتجاه من الصمت الكامل تقريبا عن القضية الذي ساد طيلة عقود من السنين إلى الكشف عن حيازة هذه الأسلحة الفتاكة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات