حرب ستر العورة!! بقلم- جلال عارف

قبل ان يغادر الشرق الاوسط بعد زيارته الميمونة المباركة (!!) وقف الرئيس الامريكي كلينتون يرد على ما أثير حول فشل الزيارة على صخرة الرفض الاسرائىلي لتنفيذ الاتفاقات والشروط التي وضعها نتانياهو لكي يتهرب من الالتزامات التي فرضها اتفاق (واي بلانتيشن) الهزيل. قال الرئىس الامريكي ــ لا فض فوه ومات من الغيظ عازلوه ــ إنه حصل على كل ما كان يريده من زيارته! وفي نفس الوقت اعلنت وزيرة خارجيته مادلين اولبرايت وهي تغادر المنطقة بعد الزيارة المباركة الميمونة, ان المنطقة مقبلة على تغييرات كبرى! ولما كان ذلك قد جرى بعد واقعة الالغاء الذليل لبنود الميثاق الوطني الفلسطيني والذي تم ــ بناء على اصرار نتانياهو ــ وقوفا وجلوسا وانبطاحا.. فقد بدأ المنبطحون ــ لاغفر الله لهم ــ يبشروننا بهذه التغييرات التي لن تكون إلا في مصلحة العرب وخاصة الفلسطينيين بعد ان استجابوا لكل الشروط, وقدموا كل الضمانات, وتنازلوا حتى عن ورقة التوت التي كانت تستر الاتفاقات العلنية والسرية, وأبدوا الندم على ما سبق من كفاح اصبح الآن ارهابا, وأعلنوا التوبة عن المطالبة بالحقوق انتظارا لما يجود به الكرماء الاوفياء الاصدقاء.. من كلينتون الى نتانياهو! وبعد أقل من 24 ساعة كانت صواريخ امريكا تضرب العراق, وكنا ندرك ان ماكان يريده كلينتون وتصور أنه حصل عليه هو التغطية اللازمة لكي يتم العدوان بلا خسائر امريكية.. وان التغييرات الكبرى التي وعدتنا أولبرايت بها لا تجيء بالضغط الامريكي على اسرائىل لتنفيذ الاتفاقات الهزيلة التي قبل بها الفلسطينيون وإنما ستتم بواسطة الاسلحة الحديثة التي تتم تجربتها على أبناء العراق. اللقطة المقابلة لذلك تقول انه بعد فشل الاجتماع الثلاثي بين كلينتون ونتانياهو وعرفات وخروج الاخير من الاجتماع غاضبا بعد أن ادرك ان كل ما فعله وقدمه لن يكون له ثمن بعدها لم يغضب كلينتون مما فعله نتانياهو ولم يبتئس, بل إنه في هذه اللحظة بالذات أبلغه خبر العدوان المقبل على العراق, وربما تبادل الرجلان الأنخاب احتفالا وابتهاجا. لانذكر ذلك لكي نقرر ان الخاسر الأكبر في كل ماحدث ويحدث هو عرفات الذي جمع (القيادات !!) لكي ترفع الأيدي أمام عدسات التلفزيون استسلاما لما قرره كلينتون ونتانياهو وتوافق على اغتيال دستور الامة في كفاحها من اجل الوطن السليب وتلغي الميثاق الذي جمع الفلسطينيين وعبر عن ارادتهم, ثم اطلق (عرفات) آلاف الفلسطينيين في الشوارع هاتفين بحياة كلينتون رافعين اعلام امريكا.. ليفاجأوا بعد ساعات انهم كانوا جزءا من مسرحية الاعداد للعدوان على العراق, الذي هو بدوره جزء من المهزلة ستر عورة كلينتون لانقاذه من العزل! ليس هذا فقط هو المقصود من الوقوف امام وقائع زيارة الاعداد لضرب العراق, وإنما الاهم ان ندرك كيف وصل بنا الحال لان نكون الحاضر الغائب فيما يحدث في المنطقة, وكيف أصبح كل المطلوب منا هو ما طلبته امريكا بعد أن ابدينا بعض التحفظ على اتفاقات واي بلانتيشن. يومها قالت اولبرايت ان على العرب ان يدعموا المسيرة (التي تقررها أمريكا) أو ان يسكتوا. وهذا هو المطلوب من العرب في كل قضاياهم.. ان يدعموا ما تقر به امريكا, أو ان يسكتوا ويتفرجوا في التلفزيون على انجازات اسلحة الدمار الشامل الكامل الامريكية وهي تضرب ما تبقى من العراق! يقول الرئيس الامريكي في رسالته التي وجهها للعرب ان العرب سيكتشفون ان هذه الحرب لصالحهم!! وفي نفس الوقت كان كلينتون يوجه رسالة اخرى الى الامريكيين يؤكد فيها ان الحرب ضد العراق هي لشيء واحد وهو ضمان المصالح الامريكية.. اما كيف تتفق المصالح الامريكية التي تريد ابقاء العالم العربي تحت الحصار والتخلف, وتريد رسم خريطة جديدة للمنطقة تضمن بها شرذمة الامة العربية والاستيلاء على مقدراتها وثرواتها ومستقبلها.. كيف تتفق هذه المصالح الامريكية التي تريد البترول العربي بأقل من سعر الماء, والمواطن العربي بلا ثمن والارض العربية بدون اي قوة عربية تحميها.. كيف تتفق هذه المصالح مع مصلحة الأمة العربية فعلم ذلك عند الله والسيد كلينتون وحاخامات الادارة الامريكية التي يضعون القوة الاعظم في خدمة الصهيونية العالمية. وقد يكون الوقت مبكرا لحساب الارباح والخسائر في هذه الحرب التي فشلت امريكا وبريطانيا في تبريرها حتى على النطاق الداخلي.. ولعل هذا هو الذي سيقصف عمر الرئيس كلينتون في البيت الابيض. لقد كانت كل رهاناته ورهانات اتباعه ان الحرب ستوقف عملية التصويت في مجلس النواب الامريكي على محاكمته, وان التقليد الامريكي باتجاه الامة في وقت الحرب سيخضع اعداءه في المضي في اجراءات عزله, ولكن المشكلة ان احدا لم يقتنع بأن هذه حرب حقيقية للدفاع عن المصالح القومية كما زعم الرئيس الامريكي, خاصة ان ما تسرب من اسرار الضربة الهوجاء للعراق افقد كلينتون ما تبقى من مصداقيته. فكلينتون وادارته يقولون ان ضرب العراق قد تقرر بعد اذاعة تقرير كبير المفتشين الدوليين, باتلر عن منع العراق تفتيش بعض المواقع.. ورغم فجاجة الحجة وثبوت ضلوع باتلر وفريقه في العمل للمخابرات الامريكية, فان الحقائق تقول ان التقرير اذيع يوم الثلاثاء بينما اوامر الاستعداد لضرب العراق صورت قبل ذلك بيومين (يوم الاحد) وابلغه كلينتون لنتانياهو وهو في اسرائىل, ثم جاء ليكذب على الكونجرس والامريكان والعالم ويقول ان القرار صدر يوم الاربعاء. ولعل ذلك هو الذي دفع الجمهوريين للتمسك بموقفهم والاصرار على المضي في اجراءات عزل الرئيس بعد ان تيقنوا من انه يقوم بمسرحية ليس لها من هدف إلا منع المحاكمة, واظن ان ما حدث في الاسبوع الماضي سيكون أخطر في تقرير مصير كلينتون من كل ما سبق من اتهامات.. فهو ــ بعد ان فشلت لعبته ــ سيكون متهما بالتلاعب بأرواح الشعوب وتعريض حياة الجنود الامريكيين للخطر من أجل حرب وهمية لإنقاذ نفسه من العزل. وقد يكون غيره من الرؤساء قد فعلها, ولكن ليس بهذه الفجاجة, وليس من أجل التغطية على فضيحة جنسية, وقد يكون الامريكان قد تصوروا ذلك في الفيلم الذي عادت امريكا تتحدث عنه وهو فيلم (ذيل الكلب) والذي يختلق فيه مساعدو الرئىس حربا وهمية يلهون بها الرأي العام حتى لا يتابع فضيحة أخلاقية للرئيس. ولعل ايقاف الحرب بعد التصويت على محاكمة كلينتون مباشرة يجرد الرئيس الامريكي من آخر اوراق التوت التي يتستر بها للقيام بهذه الحرب التي يعرف مسبقا انها بلا سبب وبلا هدف. يقول كلينتون وتابعه الانجليزي بلير واعوانهما ان الحرب حققت ما ارادوه منها! ويقولون انهم ضربوا كل المواقع العسكرية الهامة لتجريد العراق من قدراته على صنع اسلحة الدمار الشامل كما يقولون.. وبغض النظر عن ان المستشفيات ومعامل البترول والمصانع ومحطات المياه والكهرباء لايمكن ان تكون هي الهدف الصحيح في هذه الحالة او غيرها, وبغض النظر عن ان الحديث عن الامكانيات الخرافية للآلة العسكرية العراقية لم يكن له من هدف ولن يكون إلا تبرير العدوان والحصار, وان هذه الآلة الجهنمية ـ كما يقال ـ قد تم تدميرها في ساعات وهي في أوج قوتها في حرب الخليج ـ وانها لم ترد ردا حقيقيا على أي عدوان بعد ذلك.. بغض النظر عن هذا كله فإن السؤال الذي تطرحه الحرب الجديدة الخائبة هو: اذا كانت امريكا وبريطانيا تعرفان مواقع الاسلحة التدميرية الشاملة من قبل, فلماذا لم يحددوها ويتم تفتيشها وتنتهي مأساة الشعب العراقي؟ واذا كانت صواريخ امريكا وبريطانيا قد دمرت هذه المواقع الآن.. فماذا بقي لرفع العقوبات عن العراق اذا كانت اكبر قوة في العالم تقول انها قد دمرت ليس فقط الاسلحة وانما القدرة على صناعتها في المستقبل؟! بالطبع لن تكون هناك إجابة على هذا السؤال ولا على غيره من الاسئلة عن مبررات الحرب وأهدافها. فالمطلوب غير محاولة انقاذ كلينتون ـ هو ان تظل المنطقة فوق سطح ملتهب تحكم امريكا في درجة حرارته. والمطلوب ان يتم تدمير القدرات العربية في اي مكان من المحيط الى الخليج, وبأي شكل.. من الضرب المباشر, الى الحصار والتجويع, الى استنزاف الثروات, الى الحروب الاهلية, والمطلوب ان يظل الامر كذلك حتى يتم فرض الخريطة الامريكية للمنطقة وفرض التسويات التي تحقق مصالحها ومصالح اسرائىل بالتالي. هذه هي الحقيقة الكبرى وكل ماعداها من التفاصيل. ما الذي يبق من غبار حرب مونيكا بعد ان تسكت المدافع؟ المزيد من الدمار للعراق, والمزيد من المعاناة لشعبه, والمزيد من التوتر في منطقة يحكمها التوتر حتى حافة الانفجار ولم تكن تحتاج المزيد في هذا الوقت بالذات. والاخطر هو ما تكتشفه الحرب الامنية من تهاوي القوة الأعظم التي تريد الانفراد بحكم العالم ولا تعرف كيف, ولاتفهم ان القوة وحدها لاتغني عن وجود رؤية شاملة وعقل يتحكم في القوة ويعرف كيف يستخدمها.. وأين.. ومتى.. والى اي حد حتى لا ينقلب السحر على الساحر. والأهم بالنسبة لنا الآن ان هذه القوة الاعظم يحكمها رئيس ساقط وادارة متهاوية مستعدة لان تدفع العالم كله الى كارثة لكي تغطي عورة رئيس أو من اسقاط بنطلونه كما أدمن الكذب على الجميع, اعتقادا منه بأن ماقاله له راعي كنيسته ذات يوم هو القول الفصل في السياسة والحياة: ان الله سيغفر لك كل خطاياك, ولكنه لن يغفر لك خطيئة واحدة هي ان تتخلى يوما عن اسرائيل. والرجل لم يفعلها ولن يفعلها, ولذلك فخطاياه كلها مفقودة, خاصة اذا كان هناك عرب يؤمنون بــ (سلام الشجعان) ويتفرجون على مآسيهم في التلفزيون, ثم يدفعون كل الفواتير, ثم ينتظرون ما يأتي به القضاء والقدر!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات