أبجديات: بقلم- عائشة إبراهيم سلطان

عادت واشنطن الى مناوراتها المعهودة والمتوقعة بعد كل أزمة جديدة مع العراق, فبعد تلك الخطة التي أقرتها ادارة كلينتون راصدة لها ميزانية ضخمة للاطاحة بصدام , وبعد لهجة التبرير للهجمة الأخيرة وبأنها إنما تستهدف النظام وليس الشعب, وبعد كل ما قيل على لسان كبار مسؤولي الادارة الأمريكية بأن صدام مستهدف فعلا من قبل مخططي الادارة, فإن واشنطن عادت مجددا لتؤكد أمس ان تحركاتها المقبلة ضد العراق ستكون دبلوماسية! ومن خلال مجلس الأمن. بريطانيا تدخل طرفا لا محل له من الاعراب السياسي أبدا, محاولة ان يكون لها صوت على الخط الساخن بين الولايات المتحدة والعراق, ولكي يكون هذا الصوت صارخا ومسموعا يستعيد به توني بلير (بعض) أمجاد الامبراطورية التي (كانت) لا تغيب عنها الشمس, فقد أطلقت لندن حملة (دبلوماسية) هي الاخرى لحشد تأييد دولي وعربي لعزل نظام صدام حسين. وهذا ما أكده روبن كوك وزير الخارجية البريطاني الذي أخذ على عاتقه مهمة عزل صدام دوليا وداخليا. يبدو واضحا ان لغة سياسية موحدة تسود دوائر الحكم البريطانية والامريكية, ويبدو كذلك ان القضية أكبر من انقاذ شعب العراق والخوف على جيران صدام, و من هنا نفهم لماذا أبقت أمريكا قواتها في حالة تأهب في الخليج في الوقت الذي أكدت فيه صحيفة (نيويورك تايمز) ان امريكا وبريطانيا ستستأنفان ضرب العراق بعد انتهاء شهر رمضان, وان كبار المستشارين في ادارة كلينتون يعدون الخطط المناسبة لذلك. ماذا علينا نحن ان نفهم من كل هذه الخيوط التي تلقى في كل الاتجاهات أو كيف يمكننا قراءة الخريطة التي يرسمها البنتاجون, وعلى أي الاحتمالات يفترض ان نضبط مؤشراتنا؟ أم انه قد كتب علينا ان ننتظر على طريقة امرىء القيس (اليوم خمر وغدا أمر) باعتبار ان غدا لناظره قريب! اذا كانت واشنطن تتبرأ اليوم مما تعلنه بالأمس, فإنها لا تفعل سوى السير على طريقة رئيسها الذي لا يجد بأسا في الاعتراف بالخيانة والكذب تحت القسم واساءة استغلال المنصب وتعطيل سير العدالة والتغرير بموظفة أثناء تأدية الخدمة و... الخ. ثم لا يتوانى عن التمسك بمنصبه طاعنا في دستورية اتهامات الاقالة, ما يعني ان واشنطن التي اتخمتنا حديثا عن مخططات الاطاحة بصدام تأتي اليوم لتسد الطريق أمام خطة حليفتها بريطانيا, مؤكدة ان اسقاط صدام يأتي من الداخل لا من دهاليز السياسة في لندن. ألا يحق لنا ان نصرخ غثيانا هذه المرة وليس غضبا: ماذا تريد الولايات المتحدة وبريطانيا تحديدا؟.. ومتى ستنتهي لعبة القط والفأر بينهما وبين صدام؟ ما يزيد الحالة سوءا ان تشترك جامعة الدول العربية في لعبة تعلم يقينا انها لا تملك أدواتها ولا فضاءاتها. وبدل ان تحاول ولو لمرة واحدة ان تقدم نفسها باعتبارها بيت العرب الأول وصوته الجامع, فإنها تزيد الطين بلة حين ينفض اجتماع مجلسها على مستوى المندوبين لمناقشة العدوان على العراق دون ان يسفر عن صدور أي بيان!! وبالتأكيد فإن أحدا من قاطني الرقعة العربية لم يراهن على موقف ما للجامعة العربية, فهذه أصبحت في حالة يرثى لها تنتظر رصاصة الرحمة, وكذلك فإن الرهان على الموقف الدولي غير مضمون لأنه يحتكم الى اعتبارات المصلحة البحتة التي لا تضعنا ضمن حساباتها دائما, صار علينا ان نبحث عن خيار ثالث نراهن عليه للمرحلة المقبلة.. فهل نورط أنفسنا اذا قلنا بأننا فعلا نراهن على وعي الشارع العربي وقدرته على الضغط اذا ما أحسن تقدير وزنه وأدواته التي يمتلكها؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات