اوروبا تعلن العصيان: ولمن توجه مدافع الأطلسي؟ بقلم- د. فتحي عبدالفتاح

لعل ابرز ما كشفته تداعيات قضية القبض على دكتاتور تشيلي السابق في لندن هو التغيير الواسع الذي جرى في اوروبا خلال العامين الماضيين, وتحديدا في مواقع السلطة . لقد تعود الجنرال الذي اعتزل السلطة في اوائل التسعينات بعد ان اعاد ترتيب كل شيء مثلما تصور خلال قرابة عشرين عاما ظل فيها الحاكم الاوحد المتجبر في تشيلي, ان يقوم بزيارة سنوية لانجلترا أو لبعض الدول الاوروبية للعلاج أو الترفيه. حيث كان يشرب الشاي في الخامسة بعد الظهر مع السيدة مارجريت تاتشر في قصرها في ضواحي لندن, ويتبادل رسائل الود والصداقة مع المستشار الالماني السابق هيلموت كول ويرسل برقيات التهنئة الحارة الى رئيس وزراء ايطاليا السابق بيرلسكوني. ولكنه ولسوء حظه اكتشف في رحلته الاخيرة الى لندن ان اوروبا لم تعد اوروبا, وان عهد تاتشر وبيرلسكوني وكول قد انتهى وان هناك جيلا آخر من الحكام في اوروبا يختلفون اختلافا جذريا عن اصدقائه السابقين شكلا ومضمونا. بل انه اكتشف واكتشفنا معه ان هناك عددا ليس بالقليل ممن يمسكون بدفة الامور في غالبية الدول الاوروبية من جيل اواخر الستينات واوائل السبعينات الذين يذكرون جيدا انقلابه الدموي في تشيلي سنة 1973 واغتياله للرئيس الاشتراكي المنتخب في ذلك الوقت سلفادور الليندي وفرق الموت التي اطلقها لتغتال وتعتقل عشرات الالاف من الشعب التشيلي. بل انه اكتشف واكتشفنا معه ان عددا ليس بالقليل من هؤلاء الحكام الاوروبيين الحاليين شاركوا في المظاهرات الصاخبة التي اجتاحت اوروبا والعالم كله ايامها تندد به وبنظامه الدكتاتوري الذي ديرته ومولته وسلحته وكالة المخابرات الامريكية. توني بلير رئيس وزراء بريطانيا ووزير خارجيته روبين كوك ووزير تجارته بيتر ماندلسون اعلنوا انهم شاركوا في مظاهرات ومؤتمرات تندد بجرائمه في ذلك الوقت حين كانوا شبانا وطلبة. ليونيل جوسبان رئىس الوزراء وعدد من وزراء فرنسا الحاليين حملوا اللافتات التي تندد بجرائمه في شوارع باريس في اوائل السبعينات ورسموا له صورة الخرتيت الهائج توجهه بلا يد آثمة كتب عليها المخابرات المركزية. ماسيموداليما رئيس الحكومة الايطالية الحالي ومجموعة كبيرة من اعضاء وزرائه يتذكرون جيدا وهم شبان اوجيستو بينوشيه كنموذج للدكتاتور الفاشي المعادي لكل ماهو انساني, بل ان داليما الصحفي الشاب في صحيفة البونتينا الايطالية في ذلك الوقت يتذكر مقالا كتبه يقارن فيه بينوشيه بموسوليني دكتاتور ايطاليا الفاشي. اما حكام المانيا الحاليين من جيرهارد شرويدر المستشار الجديد وأوسكار لانونين وزير المالية وحتى جوسكا فيشر وزير الخارجية واوترشيلي وزير الداخلية فقد كانوا من زعماء ثورة الطلبة التي اجتاحت اوروبا وخاصة المانيا وفرنسا 1968 والتي كانت تستهدف اجراء تغييرات جذرية في المجتمعات الاوروبية وفي مواجهة النظم اليمينية والمحافظة التي كانت قائمة وكان بينوشيه يمثل لهم العميل الدموي لوكالة المخابرات المركزية. لقد انتهت صحيفة الهيرالدتريبيون الامريكية الى هذه الظاهرة وهي تقول ان الجيل الذي يحكم في دول الاتحاد الاوروبي ـ غرب اوروبا سابقا ـ هو الجيل الذي عاش وشارك في ثورة الطلبة 1968 تلك الثورة التي اشتعلت في شوارع باريس وبرلين وروما وعدد كبير من العواصم الاوروبية في ذلك الوقت واعتبرت ايامها اخطر حركة احتجاج في اوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين. لقد حوصرت وأخمدت هذه الثورة ايامها واستغلتها القوى اليمينية والمحافظة وضخمت من شعاراتها اليسارية واثارت مخاوف الطبقة الوسطى الاوروبية على اعتبار ان هذه الثورة تمثل خطرا على الاوضاع التي كانت مستقره في ذلك الوقت. وكان رد الفعل هو سيطرة الاحزاب اليمينية والمحافظة لفترة امتدت لاكثر من عقدين وخاصة في البلدان الاوروبية الاساسية انجلترا والمانيا وفرنسا وايطاليا, وفي هذه الفترة ظهرت التاتشرية والكولية (نسبة الى هيلموت كول) والبيرلسكونيه باعتبارها المنفذ الوحيد ضد الاتجاهات اليسارية الفوضوية التي عكستها ثورة الطلبة في اواخر الستينات. حتى ان فيلسوف ثورة الشباب ــ ماركوس ــ اعتبر ان قيام اليمين الاوروبي المحافظ باعادة ترتيب الامور في اوروبا في اعقاب فشل ثورة الطلبة هو بمثابة سياسة مترنيخيه جديدة ومؤقته, وذلك نسبة الى ميترنيخ وزير خارجية الامبراطورية النمساوية المحافظ الذي عمل على اعادة ترتيب الاوضاع في اوروبا بعد القضاء على نابليون والثورة الفرنسية 1815. وتنبأ ماركوس بأن الهزة التي اجرتها ثورة الطلبة في المجتمعات الاوروبية في اواخر الستينات ستعود بشكل آخر بعد ان تكون قد اكتسبت مزيدا من الخبرة في العمل الديمقراطي, تماما مثلما عادت شعارات الثورة الفرنسية بعد أقل من عشرين عاما من ترتيبات ميترنيخ الحديدية. وبعيدا عن قضية بينوشيه وتداعياتها, فقد اثار هذا الجيل الجديد من الحكام الاوروبيين مؤخرا قضية تمس احد الاركان الرئيسية التي قامت عليها سياسة اوروبا الغربية طوال نصف قرن وهي قضية حلف الاطلسي. فبالرغم من ان جمهورية برلين الجديدة التي قامت في المانيا منذ شهرين بتحالف الاشتراكيين والخضر كانت قد توصلت الى حل وسط بالنسبة لحلف الاطلسي والموقف منه خاصة وان حزب الخضر الذي يشارك في الحكومة كان يرفع شعار الغاء الحلف. وبالرغم من ان الخضر قد وافقوا على تأجيل طرح هذا الشعار في الوقت الحالي الا ان جوسكا فيشر وزير خارجية المانيا الجديد ورئيس الخضر اثار ضجة واسعة هذه الايام في الاوساط الالمانية والاوروبية والامريكية حين طالب باعادة النظر في القواعد التي يقوم عليها حلف الاطلسي وخاصة فيما يتعلق بمسألة حق الناتو في البدء والمبادرة باستخدام الاسلحة النووية. وبرر وزير الخارجية الالمانية طلبه ذلك بالقول بان التهديد بحق الضربة الاولى من جانب حلف الاطلسي كان يستند على التفوق الذي كان يملكه حلف وارسو والاتحاد السوفييتي السابق في مجال الاسلحة التقليدية مما كان يجعل اراضى دول غرب اوروبا معرضة للمخاطر. ولكن وبعد انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفييتي وانحسار السبق الذي كان لهم في مجال الاسلحة التقليدية, فلماذا الاصرار على الابقاء على تلك المادة, ولمن في هذه الاحوال الجديدة يوجه حلف الناتو ضربته الذرية؟! وقامت الدنيا ولم تقعد بعد وخاصة في الولايات المتحدة زعيمة وقائدة حلف الاطلسي حتى الآن او حتى اشعار آخر. لقد سارع وليام كوهين وزير الدفاع الامريكي في رفض الاقتراح الذي اعلنه وزير الخارجية الالماني بل واعتبر ان فيشر يتهجم على الثوابت العقائدية للحلف وقام المتحدث باسم وزارة الدفاع الامريكية ليذكر الحكومة الالمانية الجديدة بالتأكيدات السابقة لشرويدر المستشار الالماني الجديد اثناء زيارته لواشنطن في نوفمبر الماضي بانه متمسك بالاستمرارية في السياسة الخارجية مثلما كانت في عهد المسيحيين الديمقراطيين خاصة فيما يتعلق بحلف الاطلسي. وقامت ومازالت معركة ساخنة حول هذا الموضوع بين الصحف واجهزة الاعلام الالمانية والامريكية بل ومن الصحف الالمانية نفسها. فبعض الصحف الالمانية اليمينية والموالية للمستشار السابق المسيحي الديمقراطي هيلموت كول شنت هجوما مكثفا على جوسكا فيشر وزير الخارجية الالمانية ورئيس حزب الخضر قائلة ان فيشر قد كشر عن انيابه اخيرا كذئب معاد لحلف الاطلسي بعد ان تخفى لفترة في ثياب الحمل. بل ان وزير الدفاع الالماني ردولف شاربنج قد سارع الى مساندة رأي البنتاجون وانتقد الافكار التي قالها زميله وزير الخارجية. بينما وقفت صحف المانية واوروبية كثيرة تؤيد فيشر وتطالب باعادة النظر في بعض الاسس والمنطلقات التي قام عليها حلف الاطلسي. مدير مركز الابحاث والدراسات (الجمهورية)*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات