لمن لايزال معنيا بالبحث عن اسباب هزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيق الاهداف الوطنية لشعب فلسطين , التي يمكن تلخيصها دون خلاف بالتحرير والعودة وتقرير المصير, يحاول هذا المقال التركيز على اثنين منها, لبروزهما في شكل واضح في المؤتمرين الذين عقدا مؤخرا في غزة وفي دمشق, اي مؤتمر الموالين لاتفاقية اوسلو ونهج التسوية الجاري, ومؤتمر المعارضين لهذه الاتفاقية وهذا النهج. ان التركيز على هذين السببين لايعني التقليل من او اغفال اسباب اخرى ربما اكثر اهمية من هذين السببين, ولاسيما تلك التي يمكن اعتبارها موضوعية وفي طليعتها حجم العدو وما يتمتع به من قدرات ذاتية وتحالفية وغياب استراتيجية فلسطينية عربية لمواجهة هذا العدو. انما نركز على هذين السببين لانهما يندرجان تحت عنوان (الاداء السياسي) للحركة الوطنية الفلسطينية وكان من الممكن ولايزال ممكنا تجاوزهما لمن يرغب في تصحيح مسار هذه الحركة ومحاولة انتشالها من المأزق الخانق الذي تعاني منه بطرفيها الموالي لاوسلو وتداعياتها وللمعارض على حد سواء. السبب الاول هو غياب الديمقراطية داخل التنظيمات وهيئات العمل الوطني المتعددة, وغيابها كذلك عن تعامل هذه التنظيمات والهيئات مع بعضها البعض. اما السبب الثاني فهو فشل الجميع الموالين كما المعارضين في حل الاشكالية المزمنة للتوفيق بين الاهداف الاستراتيجية التي يرفعون شعاراتها وبين حركتهم السياسية في التعاطي مع متطلبات الوقائع المرحلية التي تفرضها عملية الصراع على جبهاتها المتعددة من عسكرية وسياسية واعلامية واجتماعية وثقافية. والمفارقة الكبرى ان هاتين العلتين المزمنتين تشكلان اخر ماتبقى من قواسم مشتركة بين جماعة السلطة وجماعة المعارضة كما يقال على السنة البسطاء من حيارى الشعب الفلسطيني. ولنبدأ بالسبب الاول اي تغييب الديمقراطية ولنقارن بين ما حدث في مؤتمر غزة وماحدث في مؤتمر دمشق هل يمكن لاي مراقب موضوعي ان يصف ماجرى من رفع للايدي لالغاء بنود الميثاق بأنه كان من نتاج عملية ديمقراطية وحوار حر؟ او ان من رفعوا هذه الايدي كانوا فعلا من اعضاء المجلس الوطني وان عددهم يتجاوز فعلا ثلثي اعضاء هذا المجلس؟ لابل من يستطيع التأكد بأن هؤلاء هم فعلا اعضاء بالمجلس ويتمتعون بشرعية العضوية التي يزعمون حملها؟ ثم اليس هناك من تساؤل حول احقية المجلس بالغاء الميثاق الذي لولاه لما كان المجلس موجودا اصلا؟ وحول ما اذا كانت مسألة بهذا الحجم بحاجة الى استفتاء شعبي او على الاقل الى مؤتمر شعبي موسع كما حدث قبيل الاعلان عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية؟ ولن نذهب بعيدا في طموحاتنا حول عمليات الاستفتاء كما تجري في سويسرا او البلاد الاسكندنافية, ولكن هل يجوز لنا ان نتغافل عما يجري على بعد امتار من مناطق الحكم الذاتي في اسرائيل حيث نسمع (تهديدات) الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة باللجوء الى الاستفتاء حول فك مستوطنة او الابقاء عليها؟ ان ماحدث في مؤتمر غزة لم يكن تغييبا للديمقراطية في اطار المؤسسة وحسب, وانما كان عدوانا على شعب فلسطين بحرمانه ـ بقرار فلسطيني ــ من حقه في تقرير مصيره. ولقد كانت ذروة السخرية بعد رفع الايدي والموافقة على الغاء اهم عقد شعبي فلسطيني واهم وثيقة تعترف بهوية شعب فلسطين ووطنه وتراثه وذاكرته وقوف الرئيس الامريكي ليقول لرافعي الايدي المستسلمين لاملاءات العدو: لقد اصبحتم الان قادرين على تقرير مصيركم بايديكم, اي بعد تنازلهم عن هذا الحق مع غيره من الحقوق وفي مقدمتها المادة الاولى القائلة ان (فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني.. الخ) قد يقول قاصر ان هذه المادة لم تلغ وانما تم تعديلها, ونحن نتحدى ان يطلعونا على ما آلت اليه هذه المادة بعد التعديل لا نقول هذا حبا في التحدي وانما نقوله استلهاما مما قاله ياسر عرفات عندما دعا في خطابه متوسلا لايجاد حل لقضية اللاجئين انه لم يطالب بعودة اللاجئين وانما طالب بايجاد حل لقضيتهم اي خارج فلسطين التي هي وطنهم وفق المادة المعدلة! مازلنا نبحث في السبب الاول, اي تغييب الديمقراطية ولكننا سننتقل بالمشهد الان الى دمشق ومؤتمر المعارضين. ولن اتطرق الى كيفية تشكيل هذا المؤتمر واكتفي بالقول بأنه كان مفصلا وفق مقاسات الفصائل العشرة الذين بعد ضمان حصصهم فرضوا آراءهم حول عضوية المستقلين باستثناء عدد قليل كان لتواجدهم ضرورة (ديكورية) اكثر من اي شيء اخر ولكي اكون منصفا انه ـ باستثناء اثنين او ثلاثة ــ كانت كلمات امناء الفصائل حزبية وكأنها موجهة لعناصر مؤتمراتهم الخاصة ومن دون اي اكتراث (لوطنية) المؤتمر! الحزبية طغت على الوطنية ولكن مايثير القلق فعلا فقد تجلى في اصرار البعض على سلوك نفس المنهجية في مخاطبة الحضور, وراحوا يصنفون وفق معاييرهم من هو فلسطيني ومن هو ليس كذلك, وبلهجة لا تخلو من الانذار والتحذير. نفس المقولة المفلسة: (من ليس منا فهو ضدنا ولا مكان له بيننا) , دون ان يدرك ان من بين الحضور من لا يريد أصلا ان يكون منه أو مثله, ولكنه لا يرى مانعا من ان يشترك وإياه في العمل ضمن برنامج يتم الاتفاق حوله. ولا أريد الاسهاب حول هذه النقطة, حول ديمقراطية مؤتمر دمشق, حتى لا يقول بعض المتفائلين بامكانية تطوير هذه الحالة بأننا نعرقل مهمتهم, فلعل وعسى ولكن كان لابد من قول ما قلناه وليعتبر ذلك حافزا لكي لا يعيد التاريخ نفسه وتتكرر المأساة. ننتقل الآن إلى السبب الثاني لهزيمة الحركة الوطنية الفلسطينية المتعلق بفشل فصائلها وهيئاتها المختلفة في التوفيق بين الاستراتيجي والمرحلي من أهداف النضال , أي بين ما هو ثابت وما هو متحرك. وبعبارة أكثر وضوحا بين تحرير فلسطين كل فلسطين وحتمية التعامل المرحلي مع ما تفرزه عملية الصراع من وقائع ومتغيرات ايجابية كانت أم سلبية, ولمزيد من التوضيح كيف نستثمر (الراهن) ونوظفه لمصلحة المستقبل! وانطلاقا من الإيمان الراسخ بأن ما من فلسطيني حر وعاقل يستحق هذه الصفقات الثلاث ينكر ان فلسطين المعروفة بحدودها الدولية حتى سنة 1948 هي وطنه الشرعي وفق كل المعايير الطبيعية والتاريخية والدولية, وأنها انتزعت منه بقوة السلاح من قبل قوى أجنبية غازية تؤمن بالاستعمار الاستيطاني وتعتبره من وصايا يهوه ومن وعوده, بل وتعتبر ذلك رسالة انسانية لتقدم البشرية. وبالتالي فإن لنا حقا مشروعا يستوجب النضال من أجل استرداد وطننا بكل الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح, لا خلاف حول ذلك ولا يجوز, فهذه حقيقة موضوعية لا يمكن الغاؤها لا بقوة السلاح ولا باتفاقيات الإذعان. في النهاية ستسترد هذه الحقيقة وجودها المادي بكل أبعادها. ولكن الخلاف هو (كيف) نحقق ذلك؟ إلى ما قبل اتفاقية أوسلو كان ثمة اجماع على آخر قرارات المجلس الوطني سنة 1988, ورغم خطورة تلك القرارات لم يحدث أي شرخ أو انشقاق في الشعب الفلسطيني. وليس من المغالاة القول بأن (إعلان) الدولة قوبل جماهيرا بحماس كبير داخل الأرض المحتلة وخارجها. في تلك القرارات كان هناك تجاوز للميثاق, ولكنها كانت قرارات سياسية وليست مبدأية وتحميها نصوص الميثاق نفسه. بعد أوسلو تغيرت الأمور ووقع الشرخ لأن التجاوز الذي أقدمت عليه القيادة الرسمية تجاوز القرارات والميثاق معا. ولو سلمنا بحسن نوايا أنصار أوسلو فإن ذلك لا يعفيهم من ارتكاب خطأ على مستوى الخطيئة, ولم يعد لهم أية مصداقية فيما يعدون ألناس به وبأن ما فعلوه إنما هو خطوة على طريق تحقيق الهدف الاستراتيجي, لقد فشلوا ــ عن قصد أو غير قصد ــ في اتخاذ الموقف الموفق بين ما هو مرحلي وما هو استراتيجي. بل انهم بتوقيعهم على تلك الاتفاقية فرطوا كذلك بما كان مرحليا من أهداف, كانت الناس قد فهمت ان قرارات (الإعلان) عن الدولة انما هي مقدمة للتفاوض حول ما تم استلابه واغتصابه سنة 1948 ليجدوا ان تلك مسألة قد تم تصفيتها وان البحث سيدور عما تبقى من فلسطين. انها سقطة رهيبة وانحراف لا شك فيه. وفي الخندق المقابل, أي في المعارضة, فإن ردة الفعل كانت هي الأخرى غير حكيمة وغير واقعية مما أدى إلى عزلها وعجزها عن الاشتباك في المعركة الدائرة واثبات وجودها. لم تجد المعارضة من ردة فعل غير العودة إلى ما قبل ثوابت سنة 1988, وعودة الحديث عن تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني, انها رجعة إلى حضن المثالية التي من شأنها تبرئة الذات والذمم ولكنها لا تشكل برنامجا نضاليا يتعامل مع المتغيرات, بدلا من التحرك المادي ولو المتواضع, لجأوا إلى اللفظة المثالية واهمين أنها كفيلة بتحدي المتغيرات التي طرأت على الأرض , وفي مقدمتها تلك الشرائح العريضة من الناس التي استفادت ــ كأفراد ــ من هذه المتغيرات. رجال شرطة وأجهزة أمنية ومدنية ومشاريع خاصة إلخ.. ان الاعتراف بهذه التغيرات لا يعني الاقرار بها والتسليم إليها, وإنما هو المقدمة الحتمية لمعرفة كيفية مواجهتها. وهكذا بينما كان المؤتمرون في غزة يستسلمون عبر تنازلاتهم عن أدنى الحقوق الوطنية لشعب فلسطين, كان المؤتمرون في دمشق يستسلمون عبر رفع شعارات يعتبر رفعها في هذه المرحلة نوعا من التعجيز, وذلك لغياب معظم ان لم يكن كل الشروط الكفيلة بحمايتها والدفاع عنها, وفي المقدمة وجود اجماع شعبي, وحاضن عربي, ودعم دولي. من هنا نطرح السؤال: ألا يوجد أمام الفلسطيني من خيار سوى اللحاق بقطار أوسلو أو بقطار الرافضين له تحت شعار تحرير كامل التراب؟ اعرف أن طرح مثل هذا السؤال يندرج في ساحة المحرمات أمام غياب الديمقراطية وليتنا قادرون على استفتاء الشعب ــ ولكن من الواجب طرحه, لان الاشكالية بحاجة إلى تحريك العقل بقصد الابداع في ايجاد المخارج وليس إلى عاطفة تستدر البكاء على الأطلال, أو تثير الغضب من أجل الانتقام. ان الطرح الذكي لحل هذه الاشكالية هو التحدي الحقيقي أمام الفصائل العشرة وغيرها من المعنيين بمتابعة النضال وصولا إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي, لأنه يوفر الرد على (كيف) نسترد فلسطين من خلال مجابهة تناقضات الأوضاع الراهنة وتطويرها لخدمة الهدف, بدلا من تكرار البديهة بأن فلسطين, كل فلسطين لنا. وهذا ممكن, وهو ما أسميه بالخيار الثالث.