وتذكرت الاميرة ديانا في مرسى مطروح! بقلم- يوسف الشريف

منذ ايام كنت في زيارة قصيرة لمرسى مطروح والعلمين, حين شدني الاهتمام وغلبني الاسى على المئات من السكان المعوقين والمشوهين , الذين شاء حظهم التعيس المرور العابر فوق حقول الالغام التي زرعتها قوات الحلفاء وقوات المحور في صحراء مصر الغربية ابان الحرب العالمية الثانية, وتذكرت سندريلا القرن العشرين الأميرة الراحلة ديانا سبنسر وطلبت لها الرحمة من ارحم الراحمين سبحانه وتعالى, بقدر عطائها وجهودها الخيرة في التنوير بمخاطر الالغام الارضية, ودعوتها للرأي العام العالمي ومنظماته الاهلية الى التكاتف وممارسة الضغوط الرامية الى تحريم صناعتها وتجريم استخدامها! وقد اثمرت جهود الاميرة ديانا في اخريات حياتها, عندما تبنى السكرتير السابق للامم المتحدة الدكتور بطرس غالي المشكلة وادرجها في جدول اعمال المنظمة الدولية, في ضوء الاستخدام الواسع للالغام الارضية من جانب الميلشيات المتصارعة في الحروب الاهلية والنزاعات العرقية , خاصة وان ثمن اللغم من النوع الرخيص لايتجاوز نصف دولار بينما كلفة اكتشافه وازالته مئات الدولارات, ونظرا لان هذه الميلشيات تفتقر الضمير والوعي والخبرة المطلوبة برسم الخرائط التي تحدد مكان الالغام الارضية, من ثم يستحيل اتقاء المدنيين الابرياء انفجارها المفاجىء واضرارها المستديمة! وبينما كانت المآسي الانسانية التي تتخلف عن الحروب القديمة مآلها العلاج والتعايش او النسيان خلال فترة زمنية طالت ام قصرت, نجد ان الاسلحة والحروب الحديثة بتقنياتها العلمية الجهنمية, باتت تخلف وراءها الوانا واشكالا شتى من الكوارث والفواجع الانسانية التي يستحيل تحديد زمن ما لدرء اي من اخطارها المستديمة جيلا اثر جيل, والشواهد لاتزال ماثلة منذ القاء القنابل الذرية الامريكية علي هيروشيما ونجازاكي, والتسرب النووي من المفاعل الروسي تشيرنوبيل. وهذا الكم الهائل من ملايين الالغام الارضية التي جرى ولايزال زرعها مستمرا على مسارح العمليات العسكرية في انحاء المعمورة, كشراك خداعية لاصطياد القوات المعادية ومانع وقائي من غارتها المفاجئة! واذا كانت دول الحلفاء والمحور قد استباحت ارض مصر ساحة للصراع المسلح دون ان يكون لها في هذا الصراع ناقة ولا جمل, ودون ان تسلم هذه الدول الى مصر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الخرائط العسكرية التي تحدد مكان زراعة الالغام الارضية كما جرت عليه السوابق التاريخية والقوانين الدولية, فلاشك ان ذلك الافتئات على سيادة مصر والاضرار الواقعة على شعبها وارضها وبيئتها, انما المعيار القانوني العادل للتقاضي امام محكمة العدل الدولية وعرض القضية على الامم المتحدة, ومطالبة كل من بريطانيا والمانيا وايطاليا بالتعويض العادل, اضافة الى ثمن المساحة الواسعة من ارض العلمين التي تضم رفاة الآلاف من ضحايا هذه الدول: ومن هنا تبدو المسؤولية مشتركة بين الحكومة المصرية والشعب المصري بمجالسه النيابية واحزابه ونقاباته وصحافته ومنظماته الاهلية ازاء اعادة القضية على اوسع نطاق والتنوير بابعادها واضرارها وعدالتها, وفي المقدمة يأتي دور الدبلوماسية المصرية بقيادة ربانها المقتدر عمرو موسى وزير الخارجية, خاصة وانه لايضيع حق وراءه مطالب ولا حق مشروعا للشعوب بالتقادم, ولنا في اسرائيل عدونا الابدي اللدود - أسوة ومثالا يحتذى ويا للأسف, فهي قد استنزفت نسبة طائلة من الخزانة الالمانية من قبيل التعويض بالحق او الباطل عن الاضطهاد العنصري لليهود ابان النظام النازي بزعامة هتلر, ونجحت اسرائيل كذلك في ممارسة الضغوط على سويسرا للافراج عن تقديراتها الجزافية والمبالغ فيها للأرصدة المالية التي اودعها اليهود في بنوكها, فما ان حققت نجاحات مؤكدة على هذا الصعيد, حتى شرعت تطالب كذلك بمقتنيات اليهود من المجوهرات والتحف واللوحات , بينما لايزال جهاز الموساد يفتش في اربعة اركان المعمورة عن بقية المتنفذين في العهد النازي واعتقالهم ونقلهم سرا الى اسرائيل لمحاكمتهم بتهمة اضطهاد اليهود واعدامهم على غرار غيرهم من المتنفذين الالمان! والغريب ان تواصل اسرائيل هذه المهمة ليل نهار, ولاتزال تفتش في اضابير التاريخ عن ثغرة او وسيلة للابتزاز بدعوى اضطهاد اليهود وتهمة العداء للسامية , رغم ان اليهود المضطهدين كانوا ينتمون ابان العهد النازي لألمانيا وجنسيات شتى قبل ان تقدم لاسرائيل قائمة, وهم بالتالي وذويهم والدول التي ينتمون الى جنسياتها فحسب لهم الحق في المطالبة بالتعويضات , لكن اسرائيل ضربت عرض الحائط بالقانون ونصبت من نفسها قيما على اليهود والدفاع عن حقوقهم امس واليوم وغدا, دون ان يعترض هذا التجاوز صوت واحد في العالم, والا لكان مصيره الاختطاف او الاغتيال وربما تلويث سمعته على نحو ماجرى للمفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي , لمجرد تشكيكه في وقائع اضطهاد النازي لليهود! من حقنا والامر كذلك ان نسأل عمرو موسى لماذا طوى النسيان جريمة اعدام اسرائيل للاسرى المصريين خلال العدوان الثلاثي عام 1956 وحرب الخامس من يونيو ,1967 وهم كما شهد القادة العسكريون بالآلاف, ولماذا تراخينا عن حشد الرأي العام العالمي الى جانب هذه القضية العادلة , وتجاوز اسرائيل لشتى الاعراف الانسانية والقوانين الدولية, وعلى اي اساس ولاي مصلحة وراء التردد في عرض القضية على الامم المتحدة او محكمة العدل الدولية, ومتى ان شاء الله تطالب مصر اسرائيل بالتعويضات المناسبة عن استنزافها لآبار البترول وخامات المناجم خلال احتلالها سيناء والشاطىء الشرقي للبحر الاحمر؟! هل هانت علينا ارواح شهدائنا ومصالحنا الحيوية وكرامتنا الوطنية والقومية, بينما تقيم اسرائيل الدنيا ولا تقعدها لمجرد قتل واحد من جنودها في الاراضي العربية المحتلة, او المطالبة بجثته مقابل اطلاق سراح عشرات المعتقلين الفلسطينيين واللبنانيين في سجونها, في الوقت الذي تمارس اسرائيل شتى الوان القهر والحصار والتعذيب العنصري البشع للعرب الذين ينتمون الى الجنس السامي, الذي تدافع عن حقوقه المشروعه في الحياة والمساواة بشرط انتمائهم للدين اليهودي. والمشكلة اذن تحتاج من مصر ومن العرب الحرص وعدم التفريط في تلك الاوراق التفاوضية والمبادرة المسؤولة الى مراجعة ملفات جملة هذه القضايا العادلة والإلحاح بشتى الوسائل الدعائية والسياسية والقضائية حتى تجد نصيل من التعويضات المجزية, ووقف تجاوزات اسرائيل وغيرها من الدول عند حدود الشرعية والقانون, وعلينا في النهاية الا نلوم سوى انفسنا, حين نتهم امريكا بالكيل بمكيالين ازاء الصراع العربي الاسرائيلي, ونغض الطرف عن هذه المعادلة حين تطالب اسرائيل العرب بما ليس لها, ونلتزم الصمت ازاء مالنا في ذمتها الخربة من حقوق مشروعة واراض عربية مغتصبة ولا حول ولاقوة الا بالله. كاتب مصري*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات