التربية الجسر: بقلم- د. خليفة علي السويدي

قبل الخوض في الحديث حول هذا الموضوع دعونا نعرف بعض المصطلحات المستخدمة, فماذا نعني بالتربية والجسر ؟ لان الاتفاق على هذه المعاني يجعلنا نقف على نفس الارضية للتربية, تعريفات كثيرة منها ان التربية عملية تنمو خلالها جوانب الشخصية الانسانية في مستوياتها المختلفة, كما نعرف التربية على انها تغير في سلوك الانسان نتيجة تعرضه لمعرفة او خبرة جديدة. مما سبق نعرف ان التربية تهتم بجوانب الانسان المختلفة من روح وعقل وجسد, وتتفاعل فيها عوامل عدة كالوراثة والبيئة التي يعيش فيها الانسان. والتربية تحمل معنى التغيير والكلمة تختلف عن التطوير لان التغيير قد يكون بالاتجاه السالب, اما التطور فهو ينصرف الى الاتجاه الايجابي, والتربية تؤثر في الانسان سواء بالمعرفة النظرية التي يمر بها عبر القراءة مثلا, او من عبر التجربة العملية التي يمر بها بتوجيه من وسائل التربية الضيقة كالمدرسة مثلا او الواسعة كالمجتمع بشكل عام اما الجسر فهو غالبا وسيلة مادية تربط بين نقطتين فهناك الجسور التي تربط بين ضفتي النهر او البحر وكذلك نعرف الطائرة احيانا بالجسر لانها تربط بين مطارين فيقال الجسر الجوي. الوقفة الثانية بعيدا عن الهندسة المدنية فإني اريد ان اربط بين الجسر المادي الذي عرفناه سابقا بالجسر المعنوي الذي اتحدث عنه في هذا المقال وهو جسر التربية فكما ان الجسر المادي يربط بين نقطتين كذلك التربية فهي وسيلة لربط الماضي بالمستقبل فليس للتربية من هدف اكبر من نقل المتعلم من الماضي الذي كان عليه الى المستقبل الذي ينتظره مرورا بالواقع الذي يعيشه وبالقدر الذي نتحدث فيه عن المسافة بين النقطتين المراد الوصل بينهما نتحدث عن جودة المواد المستخدمة في بناء الجسر وطريقة صيانته, فالطائرة المستخدمة للسفر لمسافات طويلة لا شك انها من الناحية المادية او المعنوية (القائد والمساعدين) افضل واكثر تقدما من الاخرى المستخدمة للمسافات القصيرة. ونحن نعرف ان التربية تربط بين ماضي الامم بما فيه من ايجابيات وسلبيات مرورا بواقع ملموس الى نقطة لا نعرفها لكننا نستشرفها من خلال الدراسات الاسقاطية للمستقبل لكن الواقع الذي يمر خلاله الجسر مؤثر في مستقبل الوصول, فلو ان الجسر يمر عبر بركان او ارض زلزالية لا شك انه لابد ان يعد بطريقة افضل من الجسر الذي يعبر النهر الزلال وكذلك التربية. الوقفة الاخيرة وانا اكتب هذا المقال تمر الامة بفترة لا تحمد عليها ولا ادري ماذا سيكتب عنا التاريخ الذي سيدرس لاحفادنا في المستقبل القريب او البعيد, اطرح هذا السؤال هل نحن في هذه الامة نعيش على نجاح الماضي دونما النظر الى الواقع او المستقبل؟ هل نردد مع الشاعر العربي الذي قال: اولئك آبائي مجئنى بمثلهم اذا جمعتنا يا جرير المجامع وهل من النجاح ان نكون من امة خطت ماضيها بماء الذهب؟ وهل نحن بحاجة الى ذلك الماضي؟ الاجابة على ما سبق تكون بالايجاب دائما. وهذه مسألة بحاجة الى نقاش فلا نشكك ان ماضينا البعيد كانت لنا فيه نجاحات عالمية والعكس في ماضينا القريب اننا امة عظماء وقادة وعلماء ينبغي ان يعرفهم ابناؤنا ولكن لا ينبغي ان نقف عند ذلك الحد بل لابد من دراسة جوانب الضعف في تاريخنا لكي لا نكررها ونتعلم منها دروسا صعبة في بعض الاوقات, بل اجد ان من الواجب علينا تحديد جوانب الخلل في تاريخ هذه الامة لكي نتجاوزها في المستقبل. ولكي لا نقفز من نقطة الماضي الى المستقبل لابد من الوقوف في الحاضر لانه الزمن الذي نعيشه. التربية جسر من الماضي هناك من يريدنا ان ننسى تاريخنا ونعيش الواقع الذي هو قائم وهذا هدف خطير لاقتلاع الامة من جذورها التي تعيش عليها فمعظم ما يجري اليوم انعكاس لتاريخ الأمم, ونحن كذلك لا ننسى ماضينا لانه وعاء حافظ للكثير من القيم والمبادىء التي هي من ثوابت الامة التي لا تتغير مع الزمن, ولكن في مقابل ذلك ينبغي ان نتعامل مع الماضي كما يتعامل سائق السيارة مع المرآة العاكسة, فنظره موجه الى واقعه ومستقبله لكنه ينظر من زاوية اخرى الى الخلف خلال تلك المرآة, فلا يستطيع احد ان يستغني عن المرآة وفي نفس الوقت سيقع في الحوادث لو داوم النظر خلالها. هذا الامر يدعونا الى معالجة العديد مما سطره لنا الماضي بلغة العصر لكي يفهمه اهل هذا الزمان وهذه الامور تدفعنا تربويا الى امور اهمها: 1 ــ ان نأخذ من الماضي الثوابت التي لا تتبدل مع تطور الزمان والمكان, فليس كل ماهو في الماضي نحن بحاجة له اليوم. 2 ــ ان نعمل خلال الواقع الذي نعيشه على غربلته بالطرق العلمية المناسبة لكي نتخلص من معوقات التطور تلك العقبات التي جعلتنا نقف في زمان الحركة ونجمد في زمن الاجتهاد والابداع مما جعلنا امة تقاد وتتبع بعد ان كانت خير امة اخرجت للناس. 3 ــ ان دراسة واقع الامم المتقدمة هي من الطرق التي تساعدنا على النهوض من واقعنا الذي نعيشه فالكرة الارضية مدرسة مفتوحة للكل ونحن جزء من هذه الانسانية التي ينبغي ان نقتبس من اسرار النجاح لديها لكي نجاريها وبالامكان القيام بذلك دون فقدان لذاتيتنا. 4 ــ دعونا نتجاوز مرحلة الطرح العاطفي السالب لما نمر به ونتجه قليلا الى العقل الذي طالما اهملناه فما نعيشه اليوم نتيجة مقدمات صنعناها بأيدينا وما وصلت اليه امم الارض هو حصاد بذر في الزمن المناسب لذلك لابد ان نحترم الزمن والتدرج والتخطيط بعيد المدى لدولنا ومجتمعاتنا وامتنا. 5 ــ المؤسسات التربوية كانت احدى الوسائل التي تبنتها امم الارض للارتقاء فهي نقطة البداية لمن اراد بناء المستقبل فطفل اليوم هو انسان المستقبل, هذه النواة التي ينبغي ان تحترم لذاتها وتتاح لها فرصة النمو الطبيعي وفق خطة واضحة للبناء. 6 ــ لكي ننجح في المستقبل لابد ان نستشرفه ونحدد معالمه ومن ثم نقوم الواقع الذي نعيشه ونتخذ الجسور المناسبة للوصول الى ذلك المستقبل فعمر الامم لا يقاس بالسنوات بل بالانجازات ومدى مساهمتهم في بناء الانسان. واخيرا هناك العديد من الدروس التي نتعلمها من تاريخنا الماضي او المعاصر, اترك للقارىء الكريم المساحة المناسبة لمزيد من النتائج ولكني اختم المقال بعبارة (ان التربية ليست جسراً الى الماضي, كما هو حالنا اليوم بل هي جسر الى المستقبل آن لنا ان نرسمه) . * وكيل كلية التربية ــ جامعة الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات