دق التلفون مساء الخميس الماضي كي أسمع من المتحدث على البعد انه يريد مني المساهمة في برنامج تلفوني ساخن لإحدى المحطات الفضائية العربية حول ما يجري في العراق, قلت لمحدثي بأية صفة تريدني أن أتحدث, قال إنكم في الكويت قريبون من العراق, قلت لمحدثي إن الحديث عما يحدث في العراق ليس من اختصاص الكويت, فقد أعلنت الكويت أكثر من مرة على لسان مسؤوليها ان ما يحدث من أزمات متكررة هو بين النظام العراقي ومجلس الأمن, كما ان هناك متابعين في دول عديدة قريبة من الحدود العراقية في الغرب والشمال والجنوب, فلماذا لا تسألونهم؟! ويبدو انه كلما حدث شيء ما في العراق طالبنا بعض الاخوة العرب بأن يكون لنا رأي خاص فيما يحدث, والأمر بسيط للغاية لا يحتاج إلى الكثير من الشرح, فقد قام العراق سنة 1990 باحتلال الكويت والتنكيل بشعبها الصغير دون ذنب جنته, وبعد اندحار القوة الغاصبة وقعت بغداد على برنامج واضح مع مجلس الأمن ينظم العقوبات التي حددها المجتمع الدولي من جراء فعلها الشنيع ذاك وحتى لا يتسنى للنظام العراقي مرة أخرى القيام بمغامرات هوجاء كما حدث من قبل, ومنذ ذلك الوقت والنظام العراقي يتحين الفرص من أجل أن يتخلص من هذه العقوبات بطرق شتى, وكلما قررت الدول أخذ خطوات لاجباره على التراجع, تراجع في اللحظة الأخيرة كي يعيد سيرته الأولى من جديد, لقد استعذب النظام العراقي لعبة القط والفأر, وأزعج شعبه والعالم بتفاصيل هذه اللعبة المكررة. والآن بعد وقف الحملة العسكرية الأخيرة لابد من اعمال الفكر في نتائجها المحتملة على المدى المتوسط والطويل. لأن بعض العرب لديهم حب خاص لنظرية المؤامرة, فقد كثر الحديث عن الربط بين المشكلات السياسية التي يواجهها الرئيس الأمريكي والضربات الوقائية التي قامت بها القوات الأمريكية والبريطانية تجاه تعنت النظام العراقي أمام تطبيق قرارات الأمم المتحدة وينسون أن الدول المستقرة لها آلية سياسية لا تتغير بتغيير الأفراد, وللكثير من المحللين كانت الضربة ضد العراق مفاجئة لأن الأهداف المعلنة لهذه الضربة غير دقيقة في رأيهم, بل لقد ذهب طارق عزيز في تفسير تقليدي يقوم به النظام العراقي لاستدرار العطف السياسي بالقول في مؤتمر صحفي ان العمليات العسكرية هي نتيجة لفشل مهمة رئيس الجمهورية الأمريكية في الشرق الأوسط أخيرا. إلا ان ما شاهدناه في الأيام القليلة الماضية هو ــ في حقيقته ــ فصل آخر من هذه المماحكة من جانب النظام العراقي والتي تعرض دون مسؤولية أو خشية شعبا بكامله للأذى لأن حكامه يريدون أن يركبوا رؤوسهم إلى آخر الطريق, إنها شجاعة في العلن وخوف في الخفاء, شجاعة في مواجهة العالم ظاهريا, وخوف حقيقي من فقد السلطة بما يترتب على ذلك من تبعات شخصية. والقراءة الكاملة لما حدث ويحدث في العراق لابد أن تأخذنا لعدد من الاحتمالات كما يشير إلى ذلك عدد من المظاهر. من هذه الاحتمالات ان هناك أهدافا قصيرة المدى, وأهدافا متوسطة المدى وأهدافا بعيدة المدى لما شاهدناه في الاسبوع الماضي من عمليات عسكرية. من الأهداف قصيرة المدى ما يمكن وصفه بتقليص ما بناه النظام حتى الآن من قوة عسكرية ضاربة أعتقد انه يجوز له أن يبنيها من أجل الحفاظ على أمنه الداخلي وكذلك الابتزاز السياسي للمنطقة في المستقبل, وبتقليص هذه القوة يصبح النظام لفترة معينة على الأقل دون هذه القدرة التي يهدد بها الداخل والخارج, لذلك نرى ان العمليات العسكرية كانت موجهة للقوة القريبة من بغداد العاصمة, وهي قوة ليست مدربة فقط ولكنها أيضا موالية. أما الأهداف متوسطة المدى فإنها اخضاع النظام العراقي كي يأخذ أعمال اللجنة الخاصة والمسؤولة عن تدمير أسلحته ذات الدمار الشامل مأخذ الجد, دون مناورة أو تأخير, أو بالأحرى أخذ النظام الدولي الجديد مأخذ الجد بكل ما يترتب على ذلك من مسؤوليات داخلية خاصة بالعراق وخارجية لها علاقة بالجوار والعالم. أما الأهداف البعيدة فهي ارسال رسالة واضحة للنظام العراقي ان مناوراته وفكره السياسي ليس له مكان اليوم في هذا العصر الذي يضج بحقوق الإنسان ولا يستطيع العالم أن يتسامح مع هذا الفكر وتلك الممارسة خاصة ما له علاقة بحقوق الإنسان العراقي. ومن ثم فأهداف العمليات العسكرية في نهاية المطاف هي العمل على تآكل مصادر السلطة السياسية في بغداد واضعاف موارد القوة لديها. الكثرة من المتابعين لا تزال تأمل في ان تقود الخلخلة التي أحدثتها هذه الاستراتيجية التي طبقت في الأيام القليلة الأخيرة من الاسبوع الماضي إلى ان يتحرك الشعب العراقي خاصة قواه الحية التي قاومت هذا النوع من الحكم الظالم بأشكال شتى, وأن تنهض وتتخلص من بقايا النظام مرة واحدة وإلى الأبد, ولقد كان واضحا ان هناك قوى عربية ودولية تريد أن تتخلص من هذا النظام الذي أثبت بما لا يدع مجالا للشك انه من مخلفات الماضي وبقايا الحرب الباردة وليس له علاقة بالمستقبل. تلك هي الاحتمالات, أما المظاهر فهي عديدة منها الموقف الروسي, فقط روسيا هي التي بدت منزعجة لما يحدث في العراق واتخذت خطوات على المستوى الدبلوماسي, وهي خطوات أولا تذكرك بصراعات الحرب الباردة التي انطفأت, وثانيا تذكرك بحسابات خاصة, فمن يحكم في موسكو اليوم هو بريماكوف, ورغم علمه الأكيد كمستعرب قديم بمحتوى النظام العراقي وممارساته, حيث كتب كتابا حوله, شرح فيه شخصية صدام ومدى قسوته وطغيانه, إلا ان هذه المعرفة لم تؤخره في أخذ موقف متصلب في غياب الرئيس الروسي فيزيقيا عن ممارسة السلطة, وربما اعتقد بريماكوف ان مثل هذه المواقف تجلب لروسيا شيئا من هيبتها القديمة وأيضا تجعلها في وضع تفاوضي أفضل مع الغرب تجاه قضاياها الاقتصادية الحادة, وربما كان ذلك ارضاء لمدرسة الشيوعيين القدماء في مجلس (الدوما) الذي يعول عليه بريماكوف كثيرا للقفز على السلطة بعد غياب متوقع للرئيس الروسي, وهم أي هذا الحرس القديم يعتقد أن آخر نفوذ لروسيا هو الباقي في بغداد بعد أن انحسر النفوذ الذي كان يوما ما دوليا, باختصار الموقف الروسي هو موقف تكتيكي على أفضل الفروض. عدا ذلك, فإن معظم دول العالم لم تقف أمام ما يحدث وقفة طويلة, لقد كان النظام العراقي يعرف ما هو مقدم عليه بل وسعى إليه أيضا بتصرفات سياسية غير منضبطة ولا تنم عن روح المسؤولية تجاه الشعب العراقي. اضعاف قدرة النظام العسكري والقمعية هي خطوة أولى من أجل اعتاق الشعب العراقي نفسه واعطائه الفرصة كي يتحرك ويزيل عن كاهله نظاما ذا دائرة ضيقة من المنتفعين وأذاق الشعب العراقي صنوفا مريرة من العذاب. يسأل البعض لماذا تمت العمليات الأخيرة بشكل مفاجئ ودون انذار مسبق, والجواب واضح: لان النظام العراقي قد أنذر في السابق أكثر من مرة, حيث استخدم في أوقات سابقة كل الأشكال المعروفة للاختباء خلف الشعب العراقي, ويذكر الجميع انه عندما تأزمت الأمور في المرات السابقة كان النظام العراقي يستعين بأفراد بسطاء من العراقيين ليدخلوا قسراً في القصور والأماكن العسكرية وربما ولأول مرة في حياتهم, ليصبحوا دروعاً بشرية, وليقول النظام العراقي للعالم ان متاريس بشرية متطوعة حافظت على النظام وقدمت نفسها طوعا فدية له, ومن أجل ألا يحدث هذا أو غيره من حيل النظام كانت العمليات العسكرية مفاجئة. من الملاحظ ايضا ان الشعب العراقي قد وقف هذه المرة كما في المرات السابقة غير عابئ بما يحدث من حوله, فقد نقلت محطات التلفاز الدولية ان ليلة الخميس أولى ليالي الاشتباك العسكري قد شهدت أعراسا في بغداد, كما انه لأول مرة يتراخى الحصار على مندوبي المحطات الفضائية فيتحدثون بشيء من الحرية عن مشاهداتهم في بغداد بعد العمليات العسكرية وقال عدد كبير منهم ان السلطات العراقية سمحت لهم فقط بالحديث عن أعداد القتلى والمصابين من المدنيين ونقل مشاهد تتعلق بهم دون ذكر لما يصيب العسكريين من خسائر. وعلى الرغم من ان العمليات العسكرية كبيرة فإن المعلومات المتوافرة لمتخذي القرار العسكري الدولي كانت دقيقة الى درجة ان المدنيين العراقيين كانوا في الغالب في مأمن من أن يمسهم مكروه, والدليل على ذلك العدد الصغير نسبيا من المصابين الأمر الذي لم يساعد النظام لشن حملة دعائية كبيرة. وباء الدكتاتورية انها لا تفهم لغة العصر, وصدام حسين يريد تربيع الدائرة وهي ليست مطواعة, ولا بمقدوره ان يطوعها لأنها ضد قوانين الطبيعة, انه يريد ان يفعل المستحيل ومهما استخدمت هذه الدكتاتوريات من كلمات وألفاظ أو شعارات فإنها تنتهي كما انتهى آخرون خاسرة, يتذكرها شعبها باللعنات, وربما بعض الطعنات.