وأخيرا جاءت (الرحمة) ! المرتجاة من وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) عندما أعلنت فجر أمس وقف عمليات القصف الصاروخي ضد العراق, وتنفس شعب العراق الصعداء, ومعه تنفس أكثر من مليار مسلم كادوا ينفجرون غيظا وقهرا لكل الذي يجري . وكما بدأت مباغتة لا مبرر لها انتهت بالطريقة نفسها ودون أية مقدمات, تلك هي عملية (ثعلب الصحراء) احدى أكثر العمليات الامريكية العسكرية ضخامة وعدوانية وابتعادا عن المنطق, وبعد مئات من صواريخ توماهوك التي أمطرت بغداد لمدة ثلاثة أيام بما فيها اليوم الأول من شهر رمضان المبارك, قالت (آلهة الحرب) في البنتاجون كلمتها وتوقف القصف نهائيا. وواضح ان كل الذين كتبوا وتحدثوا مراهنون على الهدف الأمريكي (النبيل) المتمثل في احداث ضغط هائل على نظام صدام بتكسير أجنحته القوية المتمثلة في الحرس الجمهوري والآلة العسكرية والقمعية الداخلية, وصولا الى اسقاطه, وقلب نظام الحكم في نهاية الأمر. وفي ظل نظرية (المسرحية) طويلة المدى, والتي بدأت فصولها منذ حرب الخليج الثانية وعاصفة الصحراء, تبدو هذه النهاية منطقية جدا ومتوقعة, فأمريكا فهمت صدام جيدا وعرفت بشكل حاذق كيف تتعايش مع نزواته ونرجسيته, وكيف تستفيد من وجوده على رأس السلطة لأطول فترة ممكنة تحقيقا للكثير من الأهداف. وكل حديث عن الضغط عليه بهذه الضربة العسكرية تمهيدا لحركة تمرد أو انقلاب من الداخل يبدو حديثا لا طائل من ورائه. أمريكا تصنع الارهاب في كل مكان وتدججه بالاسلحة, وتساعده جيدا على الاستقواء والاستشراء, تماما كما كان العرب في الجاهلية يصنعون أصنامهم من التمر, حتى اذا ما جاعوا أكلوها, أمريكا صنعت ارهاب صدام وآلته القمعية, واليوم تريد ان تأكله لأسباب كثيرة, أولها أزمتها الداخلية الضاربة في أرجاء البيت الأبيض الذي ما عاد ابيض أبدا! في حديثه مع القنصل الأمريكي قال سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: (تختلط بداخلي مشاعر الحزن بمشاعر الغضب على ما أشاهده من ضرب للعراق في هذه الأيام التي نستقبل فيها شهر رمضان المبارك, وكأنه لم يكف الشعب العراقي ما ناله من آثار الحصار الطويل ونقص الدواء والغذاء وموت الاطفال والشيوخ حتى يأتي هذا الضرب ليقضي على البقية من مقوماته, ليس هناك ما يبرر ضرب العراق بهذا الشكل الصارخ) . هذا هو ملخص صريح وصادق لمشاعر رجل تشهد له كل مواقفه الانسانية بالتعاطي الصادق مع قضايا أمته, وهي ذات المشاعر التي تجول في قلوب ونفوس أكثر من 06D مليون عربي امتلأت نفوسهم بالغضب والحزن, في موازاة الموقف الرسمي الغربي والدولي الصامت والمتخاذل. ونسأل أخيرا كل الذين قالوا بأن أمريكا تريد ان تنهي ألعاب صدام البهلوانية معها, وانها في هذه المرة تحديدا لن تتوقف حتى تقتلع صدام من سدة الرئاسة وتسلم البلاد لتيار آخر ودماء أخرى ونظام أكثر مرونة وليبرالية و... الخ. لماذا توقفت أمريكا فجأة؟ وهل جرت مياه خفية على أرض بغداد خلال أيام العدوان لم نتمكن من رؤيتها بعد؟ بمعنى آخر, هل سقط صدام ونحن لا ندري؟ أم الألعاب البهلوانية ليست من هوايات صدام فقط؟