الرأي العام الإيراني: والخطوط الحمراء للصراع: بقلم- محمد صادق الحسيني

يبدو ان مسلسل العنف الأعمى والاغتيالات السياسية الغامضة قد توقف. وأن الملف الأمني قد تمت السيطرة عليه في سياق ما ظهر من اجماع شعبي وحكومي على رفض كل اشكال العنف وسيلة لوقف التغيير الاجتماعي والسياسي أو إحداثه . وبعيدا عن الجانب المخابراتي والمباحثي الذي شق النخب السياسية والفكرية الحاكمة المتساجلة بين من يوجه أصابع الاتهام الى جهات داخلية يزعم انها مستفيدة من تداعيات هذا العنف وبين من يوجه اصابع الاتهام الى جهات خارجية يعتقد انها لا تزال تخطط بحذق وبراعة لزعزعة استقرار النظام والثورة. فإن السجال حول ضرورات التغيير وأشكاله وآفاقه ليس فقط لم يتوقف بل ومرشح له ان يتصاعد ويتخذ اشكالا جديدة في التعبير عن نفسه. وأيا تكن الجهة التي تقف وراء المنفذين لتلك الاغتيالات التي هزت الساحة السياسية والفكرية الايرانية, أو الجهة الداعمة أو المستفيدة, فإن شيئا واحدا أكيدا يجمع عليه المتتبعون للتطورات الجارية في ايران هو ان تلك الوقائع لم يكن بمقدورها ان تحصل بهذه السهولة وان تصيب أهدافها وتحدث كل تلك البلبلة في أوساط النخب الحاكمة والنخب السياسية المحيطة بها وان تزرع الخوف في نفوس عديدة من جماعات الرأي الآخر لولا وجود أرضية نفسية مهيأة ساعدتها على هذا الاختراق الخطير للمعادلة الأمنية التقليدية التي كانت حاكمة حتى ما قبل انطلاق موجة العنف في المبدأ والأساس. محللون سياسيون عليمون بالشأن الايراني يقولون بأن المخططين لعمليات القتل المشبوهة والمستفيدين منها استغلوا ببراعة اجواء الاستقطاب السياسي الحاد الذي بات يطبع العلاقة بين تكتل الاصلاح والتغيير الخاتمي وتكتل المحافظين اليميني من جهة وكذلك اجواء الانشقاقات التي يعيشها التكتلان من جهة أخرى في وقت تستعد فيه البلاد للدخول في مرحلة اكثر شفافية من ذي قبل وهي مرحلة نزول النخب الفكرية والسياسية الحاكمة الى قاع الشعب الايراني في معركة انتخابات مجالس الشورى (البلديات). محللون اجتماعيون مطلعون على التحولات الداخلية التي تعيشها الطبقات الاجتماعية المختلفة يقولون ايضا بأن الجهة أو الجهات التي تقف وراء مسلسل الاغتيالات الاخيرة الغامضة ربما كانت تسعى لمنع تبلور مشاركة جماهيرية واسعة في الانتخابات المرتقبة من خلال اشاعة جو من عدم الثقة بين الفئات والتيارات السياسية من جهة وإرباك عمليات تعد لها احزاب ومنظات وجمعيات تكتل الاصلاح والتغيير الخاتمي قبل حلول موعد الاقتراع التاريخي المنتظر. لكن محللين مستقلين من بين النخب الفكرية اللصيقة بالطبقة السياسية الحاكمة وفي قراءة مختلفة لها لوقائع مسلسل الاغتيالات الغامضة يقولون بأن البحث عن الجهة التنفيذية لحملة الاغتيالات المنظمة ليس مهما بقدر ما هو مهم معرفة السياقات التي تتجه اليها استقطابات الرأي العام الايراني. بمعنى ان وراء هذه العمليات اهدافا سياسية يحاول المخططون لها الوصول اليها بهذه العمليات أو بغيرها, وهو ما بات واضحا لمن يتمعن في الظروف المحيطة بتلك الوقائع وبالتداعيات المترتبة عليها. وهنا يؤكد هؤلاء المحللون بأن الهدف الأساسي ــ الذي يظهر ان الجهات التي تقف وراء تلك العمليات لاتزال تتبعه رغم توقف موجة الاغتيالات ــ هو اظهار عجز الحكومة في السيطرة على الموقف الامني من جهة ومحاولة اعلان ايران دولة تعيش حالة طوارىء سياسية وأمنية حادة من شأنه ان يقود اما الى الدعوة الى استخدام القبضة الحديدية واستدعاء المنهج الاستبدادي للسيطرة على الموقف او الدعوة المبطنة إلى الجهات الخارجية لوضع يدها على القرار الايراني من جديد بعد خروجه لمدة عشرين عاما عن هيمنة الاجانب. وليس مهما هنا برأى المحللين الآنفي الذكر ان تكون الجهة او الجهات المنفذة لموجة الاغتيالات المذكورة واعية تماما لحصول هذه التداعيات ام لا! المهم برأي هؤلاء المحللين ان المخططين لها يخرجون بما يريدون من جراء تفاعل العناصر المختلفة للازمة. وهنا يصبح المنفذون مجرد ادوات صماء قامت باستئجارهم اية جهة واعية من خلال استغلال مشاعر مؤقتة لديهم تدفعهم لارتكاب تلك الجرائم بكل دم بارد. في خضم التحليلات الآنفة الذكر يبقى قاع المجتمع الايراني بعيدا تماما عن الخوض في هذه المعركة السياسية وفي معزل شبه تام عما يرى فيه صراع النخب الفوقية. ولان القاع الاجتماعي يعرف بحسه الفطري السليم ان اية معركة سياسية كبرى لا يمكن ان تنجح في البلاد من دون مشاركته على قاعدة المثل الشعبي المعروف (لايصح الا الصحيح) فانه يبدو هذه الايام غير عابىء بموجة الاغتيالات الحاصلة كما انه غير عابىء بردود الفعل السياسية العنيفة ضدها بقدر ماهو يرى نفسه معنيا بالملف الامني ككل. وكأنه يريد ارسال رسالة واضحة للجميع مفادها ان معركتي الحقيقية ستبقى في حق تقرير المصير للرأي العام وذلك عبر صناديق الاقتراع المباشرة واولها معركة البلديات او مجالس الشورى المرتقبة. الذين راهنوا على تحويل ايران الى جزائر اخرى او تركيا ثانية او اتحاد سوفييتي مفكك من جماعات الضغط اليمينية او اليسارية من خلال محاولاتهم في تهييج الرأي العام وتعبئته للصدام في معركة النخب السياسية والفكرية الفوقية لغرض تحقيق اهداف فئوية مؤقتة بأي ثمن كان حتى في ظل خطر نشوب حرب داخلية مقيتة اكتشفوا بان قاع المجتمع الايراني لن يستجيب لهم بسهولة وهو غير مهيأ ابدا لمثل هذه المهمة وبالتالي اضطروا على ما يبدو الى وقف مسلسل الاغتيالات ومن ثم الاختفاء مؤقتا عن ساحة العمليات الميدانية. وتأسيسا على ما تقدم فان محللين سياسيين مستقلين من جامعة المجتمع المدني اذ يحذرون من احتمال عودة العنف من جديد إلى ساحة الاستقطاب السياسي الراهنة فانهم يحذرون كذلك من مخطط ما يسمونه بتفجير الحالة الخاتمية من الداخل من خلال وضعها في حالة تصادمية مع جماعة المجتمع السياسي القديم سواء المحافظين التقليديين منهم او تيار يمين الوسط والمعتدل والذي يتحالف حاليا في حكومة ائتلاف الوسط الخاتمية ويدقون جرس الانذار من احتمال وجود مخطط أجنبي يحاول التسلل إلى الجبهة الداخلية تحت شعار الدفاع عن الخاتمية والتغيير في الوقت الذي يسعى من خلاله للتشكيك في اصل الثورة الاسلامية والنظام الجمهوري الحاكم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات