من الطبيعي والمنطقي ان يتكرر السؤال مرات ومرات حول النتائج التي حققتها زيارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون الى منطقة الحكم الذاتي الفلسطيني ليس على صعيد تنفيذه (اتفاق بلانتيشن) فقط وانما على صعيد تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة كلها وتقريب الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة . اذا وضعنا جانبا المغزى الرمزي لهذه الزيارة, اي دخول اول رئيس امريكي الى منطقة يمارس فيها الفلسطينيون سلطتهم الذاتية, وهو ماتوقف عنده كلينتون مليا معبرا عن شعوره بالفخر بسبب هذه الخطوة, فانه يمكن النظرالى الزيارة على انها كانت مخططة اساسا لدفع الفلسطينيين او تشجيعهم على اتخاذ قرارهم التاريخي بالتخلي عن ميثاقهم الوطني والتنكر لمضمونه ولقد تم ذلك بالفعل, وفي افضل صورة تتمناها الادارة الامريكية وتلح عليها الحكومة الاسرائيلية. وعلى الرغم من ان السلطة الفلسطينية كانت تود ان تكون محصلة الزيارة موافقة اسرائيلية كاملة على تنفيذ (اتفاق واي) بلانتيشن وهو ما لم يحدث ابدا بل حصل على عكسه تماما فقد بدت السلطة وكأنها مهتمة اكثر بالمعنى الرمزي للزيارة كونها تؤشر الى موافقة امريكية ضمنية على قيام دولة فلسطينية مستقلة, انطلاقا مما اعلنه الرئيس الامريكي عن تفهم ادارته (لتعزيز مصير الشعب الفلسطيني على ارضه) . فالرئيس ياسر عرفات يسعى بقوة الى اضفاء مزيد من الصدقية على تعهده باعلان الدولة الفلسطينية في الخامس من مايو المقبل موعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي نص عليها اتفاق اوسلو, بيد ان كل ماتم انجازه حتى الان, لاسيما على صعيد استعادة الاراضي التي ينبغي ان تجعل من الدولة كيانا واضحا, مترابطا, وتحت السيطرة الفلسطينية الفعلية, لايجعل من حلم الدولة حقيقة قائمة. وفي الواقع فان اقتراب الموقف الامريكي من هذا الموضوع (الدولة) له سابقة تفوق في وضوحها واهميتها بعض الاشارات الرمزية للرئيس كلينتون (الذي رفضت ادارته حتى الان المطلب الفلسطيني باقامة دولة فلسطينية مستقلة) اذا كان الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر قد دعا رسميا في منتصف السبعينات الى اقامة وطن فلسطيني وفقا للمصطلح الذي استخدم في مشروع مبدئي قدمه الرئيس الامريكي انذاك لكن كارتر تراجع عن مشروعه بعد ذلك بسرعة تحت ضغوط اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وبالاضافة الى ان كلينتون مازال يدور حول الموضوع فقط برغم زيارته الاخيرة المعبرة, الا ان النتائج العملية التي انتهت اليها محادثاته مع رئيس الحكومة الاسرائيلية في شأن تطبيق (اتفاق واي بلانتيشن) وتنفيذ الالتزامات الاسرائيلية على اساس التبادلية المقترحة لاتحمل على التفاؤل في بلوغ السلطة الفلسطينية ايا من اهدافها المعلنة. ان الموقف الحالي يضع الجانب الفلسطيني في مواجهة مجموعة من العناصر السلبية, اضافة الى عناصر كثيرة اخرى دخلت في تركيب (اتفاق بلانتيشن) واخراجه الى حيز الوجود, ثم في تحوله الى رهان مستقبلي ومن ابرز هذه العناصر المستجدة: اولا: بعد كل التنازلات التي قدمتها السلطة الفلسطينية ثمنا لاتفاق (واي بلانتيشن) فان حكومة بنيامين نتانياهو انتهت الى موقف واضح وحاسم يتمثل في رفض تنفيذ الاتفاق. ثانيا: اصبح من المرجح ان تدعو الحكومة الاسرائيلية الى انتخابات عامة مبكرة مما يؤدي تلقائيا الى تجميد عملية التسوية السلمية على جميع المسارات لاسيما على المسار الفلسطيني الذي يتحرك وحده الان, ولكن حتى اذا لم يحدث هذا فإن نتانياهو سيواصل امتناعه عن تنفيذ الاتفاق من اجل المحافظة على استمرار الائتلاف الحكومي الحالي, وهو مايؤدي الى النتيجة ذاتها, ومايخدم اهداف نتانياهو الشخصية على المديين القريب والبعيد. ثالثا: المكاسب المهمة التي استطاعت الحكومة الاسرائيلية ان تحصل عليها, وفي مقدمتها الغاء الميثاق الوطني الفلسطيني, اصبحت ملكا لها ولا يستطيع احد انتزاعها منها, ايا تكن التطورات الاسرائيلية الداخلية, مما يمكن اعتباره ربحا اسرائيليا صافيا... ومن دون تقديم اي شيء في مقابلة. وفوق ذلك فان هذه الحكومة تطالب الجانب الفلسطيني حاليا بالاستجابة الى عدد آخر من الشروط تعتبر كلها من نوع التعجيز المبرمج. ومن هذه الشروط: التراجع عن اعلان الدولة الفلسطينية. وقف المطالبة بالافراج عن السجناء, وانهاء اعمال العنف التي تحدث بسبب هذا الموضوع. وتغيير المناهج التعليمية الفلسطينية, وتغيير الخرائط الفلسطينية المتداولة. جمع الاسلحة غير المرخصة, اتخاذ مزيد من الاجراءات والخطوات في اطار ضرب البنية التحتية للمنظمات الفلسطينية المعارضة لاتفاق اوسلو ومتفرعاته. رابعا: من غير المستبعد ان تنتهي قضية (مونيكا جيت) باقالة الرئيس كلينتون, وفي هذه الحالة ستذهب كل وعوده معه, ان تكن ثمة وعود ذات اهمية, ولكن حتى لو بقي كلينتون في السلطة فانه سيكون ضعيفا وغير قادر على اتخاذ قرارات ذات شأن, مما يجعله اكثر خضوعا للضغوط وعمليات الابتزاز التي قد تستهدفه, خصوصا من اسرائيل واللوبي اليهودي الامريكي الذي يعمل لحسابها. ومن الطبيعي الاستنتاج ان كل ذلك يحدث على حساب الاطراف العربية ومصالحها الوطنية. فماذا تستطيع السلطة الفلسطينية ان تفعل بازاء هذه التطورات السلبية؟ وماهو مصير اتفاق (واي بلانتيشن) الذي رتب قيودا جديدة عديدة على الموقف الفلسطيني زيادة على القيود التي كانت موجودة من قبل؟ سيكون من الحكمة ان تبادر السلطة الفلسطينية الى اعادة تقويم الموقف. في ضوء ما حدث اخيرا, للبحث من ثم في الوسائل التي تساعدها على الخروج من مأزقها الراهن, او وقف حالة الانحدار المتسارع, على الاقل. ولعل استعادة الوحدة الوطنية ووضع استراتيجية فلسطينية واضحة, بعيدة المدى, يأتيان في مقدمة الشروط الضرورية لاستيلاد موقف فلسطيني جديد قادر على الاضطلاع بمسؤوليات المرحلة المستقبلية القادمة, والمفتوحة على جميع الاحتمالات.