الفصول الأخيرة في الصراع العربي ــ الاسرائيلي تؤشر الى نقطتين أساسيتين, النقطة الأولى ان بعض العرب ولاسيما المقيمين منهم على كراسي السلطة في معظم البلدان العربية يتجهون الى تسوية مع اسرائيل, وفي داخل تلك التسوية حدود ومستويات تختلف من طرف عربي الى آخر, حيث البعض يتبنى سلاما هو سلام الممكن على نحو ما تذهب السلطة الفلسطينية, أو يتبنى سلاما مشروطا على نحو ما تؤكد سوريا, ولكل واحد من الطرفين انصار ومؤيدون في الحكومات العربية, ولأصحاب هذا الاتجاه في الموقف من تسوية الصراع مع اسرائيل بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية مؤيدة, وأغلبيتها ممن ترتبط بعلاقة وثيقة وقوية مع الحكومات العربية أو مع سياسة هذه الدولة أو تلك. ومقابل أصحاب هذا الاتجاه في الموقف العربي من الصراع العربي ــ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية, فان اتجاها آخر, وهو في طيفه متعدد الألوان والابعاد, لكنه في الأساس يأخذ موقف الرفض لحدود ومسيرة التسوية الحالية القائمة فصولها بين العرب واسرائيل, وفي مقدمة صفوف الاتجاهات فئات من رجال السياسة والمثقفين والمفكرين من كل التيارات الفكرية والسياسية التي يعج بها العالم العربي, والتي غالبا ما يتم ادراجها في تيارات ثلاثة, تيار قومي ــ عربي, وتيار ديني ــ اسلامي, وتيار ديمقراطي, ويمثل الأخير بقايا الحضور الماركسي في العالم العربي, ولهذه التيارات فيما هو معلن موقف عام يركز على الحقوق التاريخية للفلسطينيين في وطنهم, ومنها حقوق غير قابلة للتنازل من أية جهة كانت, وقد تجسد موقف بعض ممثلي هذه الاتجاهات في المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي انعقد بدمشق في موازاة ومقابل مؤتمر غزة الذي أعلن الغاء الميثاق الوطني الفلسطيني. وفيما يمثل مؤتمر غزة المثال الأبرز للاتجاه الآخر في الموقف من الصراع العربي ــ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية وبخاصة التيار الذي يتبنى سلام الممكن والتسوية الممكنة. وهذان الاتجاهان في الموقف العربي لا يعكسان حالة جيدة في الموقف العربي من اسرائيل والقضية الفلسطينية, بل يمكن القول ان كلاهما موجود منذ بدء الصراع العربي ــ الاسرائيلي حول فلسطين أواخر القرن الماضي, لكن بدرجة أقل من الوضوح والتعبيرات, وهذان الأخيران ــ أعني الوضوح والتعبيرات ــ تزايد حضورهما مع التطورات التي طرأت في العقدين الأخيرين على الصراع العربي ــ الاسرائيلي, والتي يمكن اختصارها في اختلال موازين القوى بين العرب واسرائيل, وصيرورتها أكثر رجحانا لصالح اسرائيل في المستويات المحلية والاقليمية والدولية وعلى الأصعدة السياسية, الاقتصادية والعسكرية, وهذه أدت الى تصاعد اتجاهات التسوية عربيا وفلسطينيا, وهو ما نلمسه حاليا في الموقف الرسمي العربي الذي يعبر عن نفسه بالقول نرضى في القضية الفلسطينية ما يرتضيه الفلسطينيون والمعني بالأخيرتين القيادة الفلسطينية. ولعل السؤال البديهي في ظل المعطيات الراهنة يتمثل في محاولة رؤية ما يمكن ان يتطور اليه الحال في تغلب اتجاه التسوية, وصيرورته اتجاها واحدا موحدا في العالم العربي, موقفا يقر بوجود اسرائيل, وامكانية العلاقة معها, وان يكون بمستويات مختلفة. ورغم ان جوابا على سؤال كهذا ينبغي ان يظل مفتوحا على المستقبل حتى لا نصادر مواقف المستقبل ونحن في الماضي, لكن طرح السؤال يحيلنا الى بعض من تجارب في العلاقة بين العرب واسرائيل, وفي هذا لدينا مستويان: المستوى الأول وتمثله العلاقة بين المواطنين العرب والدولة العبرية, وهي علاقة مرصودة في خمسين عاما مضت, أي انها تمتد من لحظة قيام اسرائيل عام 1948 وحلقاتها متصلة حتى الآن, وفي تلك الحلقات عدة نماذج لكن الابرز فيها نموذج علاقة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام ,1948 والذين وان حملوا الجنسية الاسرائيلية, مازالت الدولة العبرية تنظر اليهم باعتبارهم (مواطنين) من درجة أخرى غير الدرجة التي يحتلها اليهودي, وللأخير درجات في المواطنة الاسرائيلية. والنموذج الثاني تجسده العلاقات التي نسجتها اسرائيل مع فلسطينيي الضفة الغربية وغزة, ومثلها العلاقة التي أقامتها اسرائيل مع السوريين في مرتفعات الجولان التي تحتلها اسرائيل منذ عام ,1967 وخلاصة هذه العلاقة ان كانت تتضمن قدرا أعلى من العنصرية الاسرائيلية الممارسة ضد فلسطينيي المناطق المحتلة عام ,1948 فإن فيها حدا أعلى من تدمير الامكانيات المادية والبشرية لاستمرار الحياة الفلسطينية, وحتى في الحالة التي تتجه الجهود الى تسوية في حدود الممكن, فإن اسرائيل تركز على سلب الأرض والموارد, ومنع قيام أي تعبيرات كيانية ذات معنى ولاسيما في المجالات السياسية. النموذج الثالث في علاقة اسرائيل مع العرب من غير الواقعين تحت سيطرتها, لكن بلدانهم مفتوحة أمامها, ولدينا في هذا تجربتان, الأولى هي التجربة المصرية الممتدة لعشرين عاما مضت, وهو تاريخ توقيع اتفاقية السلام المصرية ــ الاسرائيلية في مارس ,1979 والثانية هي التجربة الاردنية وعمرها أربع سنوات منذ ان تم توقيع اتفاقية وادي عربة عام ,1994 والأهم في سلوك اسرائيل حيال المصريين والاردنيين يمكن اختصاره في عمليات التجسس ونشر الايدز والمخدرات في مصر, وممارسة الارهاب ــ كما في حادثة خالد مشعل ــ وتلويث مياه الشرب في الاردن. والمستوى الثاني من علاقات العرب مع اسرائيل, أعني العلاقة بين الحكومات العربية واسرائيل, وفيه لا يبدو الحال أفضل من علاقة اسرائيل مع المواطنين العرب, وان كان عليها في العلاقة مع الدول التي تراعي اعتبارات دبلوماسية وسياسية بمستويات معينة وعلى الاصعدة كافة, لكن تلك الاعتبارات لم تمنع اسرائيل من استمرار عملياتها في التجسس على مصر, ولا عن تكريس سياسة القوة الاسرائيلية ازاء محيطها بما في ذلك الدول التي تقيم مع اسرائيل علاقات كاملة مثل مصر والأردن, وهي الى ذلك, لا تتوقف عن اطلاق التهديدات وحملات الابتزاز, ولعل الأكثر بروزا في ذلك كله يتبدى فيما تمارسه اسرائيل حيال السلطة الفلسطينية, رغم ان الأخيرة لم توفر فرصة لابراز حسن النوايا, والاستعداد للتعاون مع اسرائيل الى آخر مدى. ان المعطيات والوقائع, وان بينت في بعض جوانبها ان هناك اتجاها عربيا مازال يقف حذرا ومحذرا في موضوع تسوية الصراع العربي ــ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية وفقا للتوجهات السائدة حاليا, فإن الأهم في تلك المعطيات والوقائع, ما يثبت ان اسرائيل الدولة, واسرائيل المستوطنين اليهود لا يسيرون باتجاه تسوية مع العرب دولا وشعوبا, وإنما يحررون مرحلة من الاخضاع, أملا في ان يصير الاخضاع سمة لعلاقة اسرائيل مع العرب, وبحيث تتمكن اسرائيل في النهاية من (أسرلة المنطقة) بجعلها اسرائيلية الهوية والهوى, وهو أمر يبدو خارج الممكن ليس بسبب الانغلاق اليهودي, ولا بسبب اسرائيل التي تصر على كونها (دولة اليهود) بل ايضا بسبب ان المشرق العربي كثيرا ما ابتلع وصد هجرات وهجمات حاولت السيطرة عليه وابتلاعه لكنها فشلت. سؤال المستقبل حول العرب واسرائيل سيظل بحاجة الى جواب, وما جرى ويجري, لكنه لن يرسم افقا نهائيا في علاقة اسرائيل مع العرب, بمعنى قبول الأخيرين بالأولى, والذين ان قبلوها, فإن في أساسها العقيدي والايديولوجي, كما في أساسها السياسي, وفي ممارسات حكومتها ومستوطنيها, ما يجعل العرب غير مقبولين بمستويات معينة منها ما كان يقوله الحاخام المتطرف مئير كاهانا قبل موته من ان العربي الجيد هو العربي الميت.