من القوة الى السلطة: بقلم- د. زكي الجابر

القوة, كما راها من ارتأى, تلك الوسائل التي بها ومن خلالها يتمكن نفر من الناس او زمرة من الجماعات ان تسيطر على آخرين , وبهذه السيطرة يصبحون على حول وطول يمكنان من تحقيق ما جال في اذهانهم من اغراض وما ساور نفوسهم من مصالح, واذا كان لتلك الاغراض والمصالح من معارضة او مقاومة من اي من البشر فلابد من معارضة تلك المعارضة ومقاومة تلك المقاومة بما يتيسر من ادوات واجهزة وبشر وانت ادرى ان للقوة اكثر من صورة.. وصورتها القسرية هي تلك التي اقرب ما تكون من صورها الى الذهن, واقرب الوان القسر العقوبات الجسدية من سجن وتعذيب واعتقال وضرب واغتيال وقتل, ولكن ثمة صور اخرى تعكسها هذه الفوارق الجذرية من تملك الموارد التي يحفل بها المجتمع والطبيعة, قد يكون هذا التملك ماديا من ثروة ومواد خام واراض وتكنولوجيا, وقد يكون رمزيا من معرفة وعلم وكل ما يتوفر عليه الرأسمال الثقافي من انماط, كما ان امتدادات هذا التملك من قهر وسيطرة ونفوذ لا تقف عند حدود المجال العام للسياسة ممارسة وتنظيما بل تمتد الى كل مشاهد التفاعل بين الافراد والجماعات. وقد يقال ان الانسان, بحكم ضعفه الانساني الموروث, قد يهاب القوة وينافق صاحبها, وذلك تحدثت به الاساطير المتناقلة الينا منذ فجر التاريخ, ولعل النص الذي هبط الينا من الالف الاول ما قبل الميلاد مصورا كيف يحاور العبد ذليلا سيده ومالكه ما يجعلك تعجب لخور الانسان امام القوة, واليك مقطعا منها كما اوردته احدى الترجمات: ــ انصت الي ايها العبد. ــ هاانذا يا سيدي.. هاأنذا. ــ اسرع باحضار الماء لاغسل يدي حتى اتناول غذائي. تفذ ياسيدي, تناول طعامك مرة ومرة, فذلك يريح الذهن من متاعبه. ــ لا ياعبدي لا لن اكل.. لن اغسل يدي. لا تاكل ياسيدي.. لا تاكل. الجوع والأكل, العطش والشرب, ماذا افاد منهما الانسان! وممارسة القوة, كما رآها من ارتأى, هي من وراء هذا الحشد الهائل من مآسى الانسان, من وراء الظروف الاجتماعية السيئة التي عاش ويعيش تحت وطأتها المقهورون والمعذبون في الارض, وان الامل هو في ذلك العالم الافضل الذي يخلو من ممارسة ادوات القوة من عنف واجرام وحرب, وما ينجم عنها من قهر واهانة وتجريح وابادة: العالم الذي يتضمن ويضمن الخلاص من فكرة كمون الشر في طبيعة البشر الى فكرة كيفية صناعة النبيل والخير والجميل تحت ظلال السلام ومساندة النظام! بعد كل هذا فإن ما لدي من قول هو ان القوة على ما تملك من جبروت وطغيان وسلاح تبقى مهزوزة... انها لكي تبقى وتستمر تحتاج الى الشرعية.. وحين تمتلك الشرعية تتحول الى سلطة.. فلا سلطة بدون شرعية تسندها وتبرر اي فعل من فعالها على انه حق وعدل ولن يقتصر ذاك عند السلطة في المستويات العليا بل تجده حتى عند قاطع الطريق ومحترف اللصوصية وكل من يمتلك القوة بالخنجر والسكين, ان شرعية امثال هؤلاء هي في ما يسود اوساطهم من ان الناس لا تهاب غير القوى, وان السجن للرجال, والحق للسيف والعاجز يريد شهودا! واؤلئك الذين تمكنوا من القوة حين ركبوا الدبابة وانقلبوا على اسيادهم يبتكرون الوانا من الشرعية لتبرير وصولهم الى السلطة, ولطالما صكت الاسماع تلك الدعاوى التبريرية من (مجلس انقاذ) و(قيادة حركة) و(تفويض شعبي) وربما يكون اكثر المبررات شيوعا هو (الاستفتاء) والفوز باكثر من 99 بالمائة من الاصوات. ولهذا يظل ممارسو القوة يبحثون عن الشرعية, ومن اجل التصدي لمنح هذه الشرعية المزيفة لابد للمثقفين من كلمة وفعل وان يتحملوا مسؤولية الكلمة والفعل, ذلك ان الثقافة لم تعد مسألة حفظ نصوص من كتب, او الاستشهاد بما قاله فلان من الخبراء, بل هي ترجمة للعقل الواعي على صعيد الواقع وبين صفوف الناس, واذا ما اصبح المثقفون مبرري قوة المسدس والدبابة فسد الملح.. واذا ما فسد الملح.. فبماذا يملح الناس!؟ ان السلطة غير الشرعية لتحاول باستمرار ــ ومن خلال ممارسة القوة عقوبات جسدية او هيمنة فكرية ــ حجب الاختيارات, وان تبقى امام المواطن منفذا واحدا, ولا نقول خيارا, ان لم ينفذ منه حاصرته الاختناقات, ومع ذلك تظل القوة مهما تعددت اساليبها وتفننت عاجزة عن منح الشرعية! وليس غير المثقفين من يستطيع الجهر بالقول بان المجرم الذي يقطع الطريق وذاك الذي يحترف الاعتداء, والآخر الذي يسطو على اموال الناس انما هم صنيعة مجتمع, وان المجتمع هو الذي يتحمل المسؤولية.. وعليه ان يتدبر امره.. وان الحل الامثل لا يقف عند انزال العقاب بل في معالجة شأن الاقتصاد والسكن والصحة والتعليم والعمل واشاعة مبادىء حب الناس والتراب. وليس غير المثقفين من يستطيع ان يجهر بأن اشاعة العدل هي المانع الاول من اصطياد فرص الانقلاب, وليس غيرهم من يستطيع ان يقول ان ممارسة القوة لا تعني منح السلطة الشرعية. وليس غير المثقفين من يستطيع ان يجهر بان ممارسة القوة بشكلها السيىء او الاسوأ انما هي حصيلة قصر النظر, وعطل الحكم الصائب, وضعف التواصل, وغلبة الانفعال, وان عليهم قبل غيرهم قيادة مجتمعهم الى بناء جسور التواصل, وخفض بلاغة الاعتداء, وتقليص آليات القتال. قد يصح ان صوت الانسان ــ مثقفا او غير مثقف ــ لن يرتفع اعلى من شفرة سكين فوق الرأس, وان صرخة المظلوم لا تعلو على صرخة المدفع, ولكن يصح ايضا ان صرير القلم يقض مضاجع الظالمين والمستبدين, وان ضوء شمعة ضعيفة يقهر الجيوش المجيشة من الظلمات. ان 99.99% من الاصوات لن تمنح الشرعية, وهي لاتتجاوز كونها اسلوبا من الاساليب التي تملكها القوة بحثا عن الشرعية! لقد برر قديما شيخ من شيوخ القريض توظيف القوة وسيلة للشرعية حين قال: لا يصلح الناس لاربابهم الا بياض السيف والدرهم انه تبرير لا يستخدمه الا ممارسو الثقافة المزيفة ومحترفو الدور المزيف للمثقف! خبير اعلامي عربي*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات