خطاب غزة: تحول أمريكي وأزمة اسرائيلية:بقلم- د. شفيق ناظم الغبرا

شكلت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس كلينتون للاراضي الفلسطينية منعطفا هاما سوف يترك اثره على القضية الفلسطينية, فمن خلال الخطاب الذي القاه الرئيس الى حد متقدم , ان التأكيد على شرعية الحقوق الوطنية للفلسطينيين في ظل حشد كبير في ظل هذه المناسبة يعطي دفعة كبيرة للفلسطينيين, بل قد تكون هذه الزيارة في الاطار التاريخي لأول رئيس أمريكي الى الاراضي الفلسطينية هي المفصل الأهم في اطار الاعتراف الامريكي بحق تقرير المصير للفلسطينيين. قول الرئيس كلينتون ان يتطلع الى اليوم الذي يكون فيه الفلسطينيون احرارا يرمز للمستقبل ولطبيعة التطورات القادمة. هناك اذن تغير على درجة كبيرة من الاهمية نسبة لما كانت عليه الاوضاع قبل عشر سنوات عندما كان ممنوعا على المسؤولين الامريكيين التحدث مع مسؤولين فلسطينيين. ان الفلسطينيين اكتسبوا ثقة اكبر الآن وسوف يكون من الصعب ايقاف التطور التاريخي نحو دولة مستقلة. ولكن لمعرفة كيف تسير الامور والى اين تتطور في المسألة الفلسطينية لابد من توقع تطور الاحداث في المرحلة القادمة. فمن جهة يمكن القول بأن السياسة الفلسطينية التي تقوم على الالتزام بالعملية السلمية والتي بدأت مع اوسلو قد بدأت تؤتي ثمارها. فقد اصبحت طبيعة السياسة الاسرائيلية الخائفة من السلام واضحة للادارة الامريكية, كما ان الادارة الامريكية اصبحت اكثر معرفة بكيفية التعامل مع افرازات الساحة الاسرائيلية بين يمينها ويسارها متشدديها ووسطها. ويمكن القول بأن السعي الفلسطيني منذ العام الماضي نحو التعاون مع الادارة الامريكية وسط تشدد الجانب الاسرائيلي قد ادى الى مزيد من العزلة لحكومة نتانياهو, وهذا ما وضح ايضا في طبيعة الاستقبال الفاتر للرئيس كلينتون في اسرائيل. الشيء الواضح الآن مع زيارة الرئيس كلينتون الى كل من غزة والضفة الغربية ان اتفاق الواي سوف يسير قدما رغم مقاومة نتانياهو العنيدة, وان التزام الادارة الامريكية والرئيس كلينتون اصبح عالميا واصبح غير قابل للنقض. ولكن السير قدما في تطبيق هذا الاتفاق بما في ذلك الانسحاب الاسرائيلي من 13% من الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية لن يتم بلا تأجيل اسرائيلي ومزيد من المواجهات ومزيد من الضغوط الامريكية والتدخل الامريكي بنفس الوقت. ان عملية التطبيق سوف تدخل في متعرجات ولن تكون عملية سريعة او خالية من المواجهات. باختصار: سوف يعقب كل جزئيه ومرحلة انسحاب اختلاف في الرؤية واختلاف في مفاهيم التطبيق, وسيعقبه ازمة واشتباكات وانتفاضات صغيرة, ثم وساطة امريكية ثم العودة للتطبيق, ان كل جانب من الاتفاق كان حول السجناء السياسيين,. او حول العنف او حول مدى التزام عرفات على الصعيد الامني او على صعيد ضبط الاسلحة او غيره سوف يثير الجدل وسوف يؤدي للجمود والاتهامات المتبادلة قبل ان تنفجر الاوضاع وتنتهي الى العودة للتفاوض بعد وضع ترتيبات جديدة. وستصر اسرائيل بأن عرفات يحرض ضدها وتوقف كل انسحاب لفترة, فهذه هي سياسة نتانياهو في التأجيل وعدم الاضطرار لاخذ موقف يساهم في خسارته لليمين في حكومته بالتالي سقوط حكومته. اذن سوف تطبق الاتفاقات ولكن من جهة اخرى سوف نجد بعد كل تطبيق ازمة جديدة وسيجد الجانب الفلسطيني مع كل قطعة ارض جديدة تخرج من الاحتلال الاسرائيلي انه اصبح في موقف اقوى للمطالبة بالتطبيق في الجوانب الاخرى. ان غموض السياسة الرسمية الاسرائيلية يعكس حجم الانقسام في اسرائيل, فهناك تيار اليمين وهناك تيار الوسط واليسار, وكل منهم يقف في خندق يصعب تركه. وسوف يجد رئيس الوزراء الاسرائيلي مع كل خطوة لصالح السلام ارتفاعا في حدة المواجهة مع قوى اليمين التي ترفض التراجع عن اراض تعتبرها يهودية. ان احتمالات الانتخابات المبكرة تزداد قوة وهناك مزيد من الاسرائيليين ممن يتحدثون عن هذا الاحتمال. ومع كل انسحاب عن الارض سوف يجد نتانياهو ان حكومته تزداد تفككا وتزداد تأزما وذلك وصولا لافاق سقوط الحكومة وطرح انتخابات مبكرة في اسرائيل. وتشير التوقعات بأنه سوف يصل نتانياهو في الربيع القادم وربما الصيف القادم الى مرحلة المواجهة مع الاطراف الاكثر تشددا في حكومته, بل سوف يجد بأن سيره نحو اليمين سوف يفقده الوسط وسوف يفقده معظم المجتمع, وانه لو سار باتجاه مزيد من التطبيق فسوف يفقد اليمين من شاكله بعض اطراف الليكود خاصة تجمع ايتان اضافة لبعض الاحزاب الدينية. ان حديث الرئيس كلينتون بأن الفلسطينيين قد وصلوا في اعلانهم وموقفهم في المجلس الوطني في غزة الى الشارع الاسرائيلي, يعكس مدى استيعاب الادارة الامريكية لضرورة التحدث مباشرة للرأي العام الاسرائيلي الذي لعب دوره اساسا في انتخاب نتانياهو. ان ميل الرأي العام الاسرائيلي باتجاه السلام سوف يضع قيودا على تحركات نتانياهو وسوف يتحكم ايضا بنتائج اية انتخابات قادمة في اسرائيل. لقد شكل حدث غزة منعطفا هاما, بامكان الفلسطينيين الاضافة عليه وتحويله لالتزام امريكي دائم بحقهم في تقرير المصير, انه بالتالي حدث قادر على ترك وميضه على المستقبل, اذ وضع الاساس امام الفلسطينيين للعمل من اجل تعميق عملية تبني الولايات المتحدة لفكرة الكيان الفلسطيني المستقل. , استاذ في قسم العلوم السياسية, ورئيس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية, جامعة الكويت, حاليا مدير المكتب الاعلامي الكويتي في واشنطن*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات