حتى لا يدفع اللاجئون الفلسطينيون الثمن مرة أخرى:بقلم- ماجد كيالي

بغض النظر عن التداعيات التي صاحبت زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون, إلى غزة فالخلاصة التي يمكن استنتاجها ان القضية الفلسطينية جرى اختزالها , بحكم الأمر الواقع وموازين القوى والرعاية الدولية لاسرائيل, إلى مجرد أراض فلسطينية محتلة, ففي هذه الزيارة لم يتم التطرق إلى جذر القضية الفلسطينية فلا أحد يريد أن ينبش في التاريخ, واللاجئون الفلسطينيون, الذين عمدوا بدمائهم ومعاناتهم النهوض الفلسطيني المعاصر, منذ منتصف عقد الستينات لم يتم التطرق إلى أوضاعهم إلا بإشارة عابرة تحمل معان إنسانية أكثر من كونها إشارة تتضمن أبعادا سياسية وحتى ان (حق العودة) للاجئين الفلسطينيين لم يأت على ذكره أي من المتحدثين في غزة, والأنكى من كل ذلك ان رئيس المجلس الوطني الفلسطيني السيد سليم الزعنون, قال في معرض تبريره لتعديل الميثاق ان المتغيرات تفرض هذا التعديل وانه لن يجري صوغ ميثاق بديل للميثاق المعدل حيث انه سيتم صوغ دستور لدى الإعلان عن الدولة الفلسطينية! وفي هذا التصريح أكد الزعنون المخاوف التي تحدثنا عنها, ومن المعروف ان الدستور المفترض هو دستور للدولة الناشئة في الضفة والقطاع, أما ثلثا الشعب الفلسطيني في مناطق اللجوء والشتات فهذا الدستور لن ينطبق عليهم, هذا فضلا عن الفارق بين الدولة الفلسطينية, في حال قيامها, وبين منظمة التحرير الفلسطينية, التي تمثل الوطن المعنوي للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم والمعبر عن وحدتهم, وعن قضيتهم المعقدة, من دون التقليل من أهمية الواقع الجديد الناشئ ومع الاعتبار ان هدف قيام الدولة هو جزء من الأهداف الوطنية المتكاملة للفلسطينيين. ومنذ قيام الحكم الذاتي - الانتقالي - وتحول ثقل العمل الفلسطيني الى الأراضي المحتلة, فقد الفلسطينيون الموجودون في تجمعات اللجوء والشتات أهميتهم, وانحسر دورهم, خصوصا مع تآكل دور منظمة التحرير الفلسطينية وتهميش مؤسساتها لصالح السلطة الفلسطينية الناشئة, ولصالح متطلبات سياساتها ومؤسساتها. بداية يجب الاقرار بأن انتقال الثقل الفلسطيني الى الداخل, إنما هو تعبير عن حاجة وطنية ضرورية, وعن مرحلة من مراحل تطور الحالة الفلسطينية, ويمكن التأريخ لهذا الانتقال باندلاع الانتفاضة الفلسطينية (نهاية 1987) التي كانت بمثابة استمراراً للعمل الفلسطيني, وإنقاذا له في الوقت نفسه, في حينه عبرت الانتفاضة عن تطور دور الداخل الفلسطيني واستعداده لتحمل عبء العمل الوطني بعد أن تحملت تبعاته مخيمات اللجوء والشتات في الخارج, كما عبر هذا الانتقال عن تكامل العملية الوطنية الفلسطينية. وقد جاءت عملية التسوية التي بدأت مع انعقاد مؤتمر مدريد (خريف 1991), على خلفية المتغيرات الدولية والاقليمية المتمثلة بانهيار الاتحاد السوفييتي (السابق), وحرب الخليج الثانية, لتعمق من أزمة العمل الفلسطيني ولتزيد من تهميش منظمة التحرير الفلسطينية, ومكانتها على الساحتين العربية والدولية, كما أدت الى تضييق ساحة العمل أمام الفصائل الفلسطينية التي تنشط خارج الأراضي المحتلة بوسائلها وأشكال عملها التقليدية المعروفة. وفيما بعد لم تستعد قيادة المنظمة دورها ومكانتها إلا بعد أن أبدت استعدادها لمراجعة منطلقاتها وأهدافها السياسية ووسائل عملها, ومن ثم بعد انخراطها في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل (عبر قناة أوسلو) وقبولها الاشتراطات الاسرائيلية المعروفة, أي بعد دخولها المعادلة السياسية الدولية والاقليمية المتعلقة بعملية التسوية وبإقامة ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية - إقليمية. بكل الأحوال, فإن المراجعة التي أجرتها قيادة المنظمة على أولوياتها ومنطلقاتها الوطنية, ونقلها مركز القرار الفلسطيني الى الداخل, وقيام سلطة الحكم الذاتي, وانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني, ومن ثم الانهماك في مفاوضات طويلة ومضنية ومعقدة حول استكمال الاتفاق الانتقالي, وصولا الى تسخير كل الجهود والعلاقات العربية والدولية لدعم مؤسسات وبنى الكيان الفلسطيني, أدى كل ذلك الى زيادة تآكل دور المنظمة, وإضعاف شرعيتها, وانهيار مؤسساتها, ولم يقتصر الأمر على الكيان السياسي المعنوي للفلسطينيين (منظمة التحرير الفلسطينية), وإنما وصل الأمر الى حد تجاهل أو إقصاء دور تجمعات الفلسطينيين في مناطق اللجوء والشتات في الخارج, حيث أصبحت هذه التجمعات أو كادت خارج سياق المعادلة السياسية. عموما فإن تأجيل قضية اللاجئين (مع قضايا أساسية أخرى) إلى مفاوضات الحل النهائي, ووجود تصور مسبق, لدى مختلف الأطراف المقررة والمعنية عن عدم إمكان حل هذه القضية الصعبة والمعقدة, (على أساس حق العودة) يفاقم شعور الفلسطينيين في الخارج بالفراغ السياسي وبالتهميش, وكأن عليهم أن يدفعوا مرة ثالثة, ثمن المعادلات السياسية والتغيرات الاقليمية والتسويات المجحفة التي يجري فرضها في هذه المرحلة, بعد ان دفعوا في المرة الأولى ثمن قيام اسرائيل في أرضهم ووطنهم, وبعد أن دفعوا في المرة الثانية من أرواحهم ودم أبنائهم ومعاناتهم ثمن النهوض الفلسطيني. بداية لايمكن لأحد أن ينكر بأن ايجاد حل عادل لقضية اللاجئين (بعودتهم إلى أراضيهم وأملاكهم التي اغتصبت منهم عام 1948) إنما يتماهى مع ايجاد نهاية منطقية وموضوعية لمختلف أوجه الصراع العربي - الاسرائيلي, بتقويض مرتكزات النظام الاستيطاني - العنصري الاسرائيلي: السياسية والاقتصادية, والأمنية والثقافية, وبقيام دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين, أو بأي شكل آخر يؤدي في مضامينه ومظاهره إلى ذلك قد تكشفه ظروف ومعطيات الصراع وأشكاله المختلفة في المستقبل, كما لايمكن لأحد أن ينكر بأن المدى السياسي المنظور, المحكوم بموازين القوى الراهنة وبالاشتراطات السياسية التي تجري في حدودها المفاوضات, يؤكد بأن قضية اللاجئين لن تجد حلا عادلا وشاملاً لها يلبي الطموحات الوطنية الفلسطينية. ومن دون التقليل من أهمية إمكان قيام دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ,1967 باعتبارها حاجة وطنية ومكسبا نضالياً للفلسطينيين في هذه الأراضي, وايضا في مختلف تجمعات اللجوء والشتات خارج فلسطين, فإن الحسابات السياسية الاستراتيجية الفلسطينية ينبغي أن تأخذ في اعتباراتها المرحلية والمستقبلية, أهمية هذه التجمعات في العملية الوطنية الفلسطينية, مما يتطلب تعزيز الجهود لتعميق وحدة الشعب والحفاظ على هويته الوطنية, فمن أكبر المخاطر التي تتهدد الساحة الفلسطينية, وضع هدف إقامة الدولة في تعارض مع حق العودة, وإظهار الوضع كما لو أنه يوجد ثمة تعارض بين مصالح جزء من الشعب الفلسطيني مع مصالح جزء آخر منه أو ان تحقيق مصالح جزء يجب أن يكون على حساب مصالح الجزء الآخر. صحيح ان الفكر السياسي الفلسطيني معني بإبراز تعقيدات هذه المرحلة ومعطياتها واشتراطاتها غير المواتية للفلسطينيين, ومعني بتعميق الوعي بتكامل العملية الوطنية الفلسطينية (ولو تمايزت بعض مظاهرها) لكن المسألة لايمكن أن تقتصر على هذا الجانب فحسب, وإنما يجب أن تنتقل من الحيز النظري الى حيز الممارسة السياسية. إن الساحة الفلسطينية متمثلة بالسلطة والمعارضة, وبكل قوى المجتمع الحية معنية بتدارك الأوضاع السلبية التي تكاد تتفاقم في التجمعات الفلسطينية في مناطق اللجوء والشتات, نتيجة الإحساس بالفراغ, وبالتهميش وبالغبن السياسي, وبنتيجة أشكال المعاناة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والإحباطات المختلفة. فمصدر هذه المعاناة لا يتعلق فقط بمسارات عملية التسوية أو بانكفاء العمل الوطني الفلسطيني, وانما هي مرتبطة أيضاً, وأساسا, بادارة الظهر لهذه المجتمعات, وانعدام وسائل العمل والنشاط السياسي والاجتماعي والثقافي في أوساطها, وغياب المؤسسات والاتحادات التي تعبر عنها والتي تدعم الترابط فيما بينها. والمسؤولية عن هذا الوضع لا تقع فقط على عاتق قيادة منظمة التحرير, وإنما تشمل ايضا المعارضة الفلسطينية, التي تتمركز أساساً في مناطق اللجوء والشتات, كما ينطبق عليهما أيضاً (القيادة والمعارضة) الموقف السلبي من قوى المجتمع والحذر غير المشروع من أية مبادرة عفوية سياسية كانت أو ثقافية أو اجتماعية تنطلق في إطار المجتمع لتدارك أوجه القصور والخلل ولمحاولة المساهمة في استنهاض قوى المجتمع وإخراجه من حالة الفراغ والإحساس بالإحباط. وإذا كان يمكن تفهم وضعية العمل الوطني الفلسطيني اليوم في الداخل ثم في الخارج بشكل خاص, وتبرير الانكفاء في النضال بالتغيرات الدولية والاقليمية وبالقيود والاشتراطات التي تحد من امكانات العمل والنشاط في مختلف أشكاله سواء للقيادة الفلسطينية كما بالنسبة للمعارضة, فإن أحدا لا يطالب القوى السياسية السائدة بالمعجزات, ولا يطالبها بتحدي الواقع القائم. بداية المطلوب أولا من القيادات الفلسطينية على مختلف تلاوينها الاعتراف بأن مرحلة من مراحل النضال جرى استهلاكها بشعاراتها وبناها وطرائق عملها, وأنه يجب المساهمة في خلق الممهدات لتجديد العمل الوطني الفلسطيني, وهذا يتطلب فيما يتطلب التخلص من عقلية الوصاية على قوى المجتمع, ورعاية أية مبادرة وطنية مخلصة قد تظهر في التجمعات الفلسطينية, لأن هذه المبادرات هي تعبير عن حيوية الشعب وتعبير عن تمسكه بحقوقه, وتعبير عن سعيه للحفاظ على وحدته وتطوير مؤسساته الوطنية. والمطلوب ثانيا من القيادات الفلسطينية ايجاد حيز ما للعمل الوطني المشترك وهو بالتأكيد حيز واسع وتفرضه خصوصيات القضية والصراع الفلسطيني - الاسرائيلي, فليس المطلوب من أي طرف أو تيار التخلي عن معتقداته السياسية أو عن خلافاته مع الطرف الآخر, وإنما المطلوب أن يعي كل طرف ضرورة تعميق العمل المشترك (على قاعدة التعددية والعلاقات الديمقراطية) في إطار التقاطعات السياسية القائمة في النضال ضد اسرائيل وضد سياسات: الاستيطان وتهويد القدس ومصادرات الأراضي, ومن أجل قيام الدولة المستقلة, وفك ارتباط الكيان الفلسطيني باسرائيل, وتعزيز ارتباطه بعمقه العربي ومواجهة مختلف تجليات المشروع الاسرائيلي. ثالثا, فضلا عن التقاطعات السياسية المشتركة, فالمطلوب ايجاد اطارات عمل مشتركة, وبالتأكيد لايطالب أحد أي من الفريقين, الالتحاق بالأطر التي يتمسك بها الطرف الآخر, (سلطة - مجلس تشريعي - تحالف وطني - جبهة إنقاذ), فهناك أطر يفترض ان لا خلاف عليها, ولا ضرورة تستدعي لشرذمتها أو التهرب من العمل المشترك في إطارها بدعوى الخلاف السياسي, وتتمثل هذه الأطر في الاتحادات الشعبية الفلسطينية (كتاب - طلاب - عمال - فلاحون - مرأة - رجال أعمال - مهندسون - أطباء .. إلخ) وبعض هذه الاتحادات لعب دورا كبيرا في عملية النهوض الفلسطيني الستينات والسبعينات, كما لعب دورا كبيرا في تعزيز وحدة الشعب, وفي تعميق ارتباطه بقضيته, وما زال لهذه الاتحادات امكانية الاضطلاع بهذا الدور, من دون احتكار أو هيمنة أحد وعلى قاعدة التعددية والعلاقات الديمقراطية. ومبررات هذا الطرح على هذا المستوى تنطلق من قناعة أن الوحدة الوطنية الفلسطينية, أي وحدة الشعب لها الأولوية على وحدة قواه السياسية, لأن الشعب هو الأساس وهو العامل الثابت, بينما القوى السياسية هي قوى متغيرة ومتجددة. وتنطلق مبررات هذا الطرح من القناعة بأن العملية الوطنية الفلسطينية تتضمن وجهين مترابطين - متكاملين : النضال ضد اسرائيل بمختلف سياساتها وتجلياتها, من ناحية والعمل على استنهاض الشعب الفلسطيني وتأكيد حضوره من خلال تعميق وحدته والحفاظ على هويته وبناء مؤسساته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الخ, من الناحية الثانية وذلك لمواجهة محاولات التغييب والإلغاء الاسرائيلية ولتمكينه من تطوير حركته الوطنية وتحقيق أهدافه. وإذا كانت القوى السياسية الفلسطينية القائمة اليوم غير قادرة لأسباب ذاتية وموضوعية على الاستمرار بأشكال النضال التقليدية ضد اسرائيل, فالأولى بها على الأقل ان تعمل في ضوء وعيها بالمعطيات الراهنة على تعزيز عملها في الاطار الثاني منعا لزيادة تدهور الحالة الفلسطينية, ومحاولة منها للحفاظ على الحد الأدنى الممكن واللازم للحفاظ على القوى وتحقيق الاستمرارية في هذه المرحلة التاريخية لصعبة. رابعا ان القيادات الفلسطينية فضلا عما تقدم, معنية اليوم بالنظر في الأوضاع الاجتماعية للفلسطينيين في مناطق اللجوء والشتات, للعمل على مواجهة مخططات التوطين, وغيرها من مخططات تصفية الحقوق الفلسطينية, كما هي معنية تماما بالعمل على انتشالهم من حال الإحباط واليأس والمعاناة اليومية, المتعلقة بتجاهل حقوقهم بالإقامة والعمل والتنقل والتعلم التي يجري انتهاجها في بعض الأقطار العربية, والمطلوب من القيادات الفلسطينية في مختلف تلاوينها تعميق الوعي بهذه الحقيقة, وبذل كل الجهود من أجل تخفيف معاناة الفلسطينيين, على أساس الأخوة العربية, وعلى أساس حق أي إنسان في العمل والتنقل والتعلم والعيش بكرامة وغير ذلك من الحقوق الأساسية بما لا يتعارض مع حفاظ الفلسطينيين على هويتهم وعلى نشاطهم العام من أجل قضيتهم, وبما لا يتعارض مع القوانين السائدة في أقطار اللجوء والشتات. خامسا وأخيرا فإن القيادات الفلسطينية كلها ومعها كل قوى المجتمع الفلسطيني الحية (مثقفون - رجال أعمال - شخصيات وطنية - جمعيات - مؤسسات - اتحادات) معنية اليوم بإعادة الاعتبار لعملية استنهاض الشتات من خلال إعادة الاعتبار لمؤسساتها التوحيدية سواء داخل اطار منظمة التحرير أو خارجها, ومعنية بإنشاء وتدعيم المؤسسات الفلسطينية في الخارج: السياسية والإعلامية والثقافية, المعنية بتقديم الخدمات الاجتماعية مع اعادة بناء الاتحادات الشعبية الفلسطينية. إن عملا من هذا النوع يتطلب من القيادات السياسية على مختلف تلاوينها موقفا جريئا يترفع عن الحسابات السياسية الضيقة, ويتجاوز المصالح التنظيمية البائسة, كما يتطلب مراجعة سياسية شجاعة لبنى ولطرائق العمل القائمة, ويتطلب هذا الوضع ضغطا مستمرا من قبل قوى المجتمع الفلسطيني لترشيد السياسة الفلسطينية, ولمنع تدهورها وللمساهمة بوضع الأسس الجديدة لإعادة استنهاضها. مجتمعات اللجوء والشتات الفلسطيني تشهد هذه المرحلة انكفاء وانحسارا وإحباطا والمطلوب ليس مجرد مهرجانات خطابية, هنا أو هناك والمطلوب ليس مجرد شعارات ومسابقات في الخطابة الحماسية, إنما المطلوب مبادرات وطنية مخلصة تضع المصلحة الوطنية العليا فوق وقبل كل شيء لتدارك هذه الحالة ولإعادة احياء دور هذه التجمعات وتأطيرها على أسس جديدة تتناسب مع التطورات في العملية الوطنية الفلسطينية, وتكفل لها الحفاظ على هويتها والعمل من أجل نيل حقوقها وفي مقدمة هذه الحقوق (حق العودة) . كاتب فلسطيني*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات