شكلت حصيلة الولادات خلال 27 عاما من عمر الاتحاد رأسمال متواضعا من السكان المواطنين, وبذلك بدا اهتمام الدولة كبيرا حين أنشأت وزارات كالعمل والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم والتعليم العالي بمؤسساته المختلفة وكذلك المجالس كمجلس الخدمة المدنية والدوائر كدوائر شؤون الموظفين الاتحادية والمحلية واللجان كاللجنة التركيبية السكانية ولجنة تخطيط القوى العاملة, كل ذلك بغرض رسم إطار تنظيمي للتناغم بين أصحاب العمل والعاملين في الحقول الخدمية والانتاجية المختلفة, واستنتج من أهدافها الآتي: 1- همهم المشترك لتحسين وضع العاملين المواطنين في القطاعات المختلفة. 2- الأهمية التي يمثلها استقرار الموارد البشرية المواطنة وغير المواطنة بالنسبة لأصحاب العمل. 3- تسهيل التوظيف الجديد للمواطنين, مع تحسين مستويات المعيشة لمن لا عمل لهم بصورة مؤقتة أو دون عمل. يبدو أن هذه الأهداف تتلاءم مع نوعين من المخاوف: الخوف من توظيف المواطنين من جهة مما يؤدي إلى بطء النمو الاقتصادي وشل أداء المؤسسات, ومن جهة أخرى الخوف من تفاقم حجم البطالة بين المواطنين التي يسببها تسريع التحولات التقنية وعدم اكتمال شروط الاستخدام من جهة أخرى, ومن منطلق السوق, فالتوفيق بينهما صعب, مما يتطلب من الدولة تحمل أعباء اجتماعية من خلاله يتم انشاء نظام مساعدات مخصص للبطالة, ومنه يتم الانتقال من البطالة إلى العمل, وبهذا نستطيع أن نحافظ على مستوى اقتصادي واجتماعي للمواطن نفسح له مجال الوقت المناسب لاستعادة المهارات والنشاط, وهذا يتطلب تدخل الدولة الذي يميل إلى مضاعفة حركية اليد العاملة وذلك من خلال المساعدات المالية أثناء فترة البطالة, وأساليب التوظيف الجديد والتوجيه والتدريب المهني السريع المسؤول عن تشجيع انتقال المواطنين المهني والجغرافي. ان السياسات العامة الرامية الى تشغيل المواطنين مقدرة من الجميع, الا انها الى الآن لم تكن قادرة على تخفيف حدة منافسة العامل الوافد للمواطن, ولم تتمكن من جعل سوق العمل بالامارات يقتنع بأداء المواطن سواء كان ذكرا أو انثى مما يتطلب منا التفكير والبحث عن اجراءات أكثر جدية خاصة ان الامارات من الدول التي تعاني سوقها من عجز صارخ في القوى العاملة المواطنة. ونقترح هنا بعض السبل لعلها تعجل في تشغيل المواطنين: 1ــ يلاحظ ان فرص العمل التي يوفرها سوق العمل بالامارات كثيرة وتزداد عن عدد المواطنين من الذكور والاناث والباحثين عن العمل, الا اننا نجد ان السوق لا تستوعبهم بسبب مزاحمة الوافد للمواطن, وقد تطرقنا الى هذه الاشكالية في المقالين السابقين, ولكي نستوعب جميع المواطنين في سوق العمل يتطلب منا ذلك ان نتبنى سياسة التمثيل العمالي للمواطنين في المؤسسات, ورسم اطار تنظيمي للاتفاقات التي تتم بين الحكومة والمؤسسات في ظل قانون المعاشات والتقاعد الجديد. 2ــ انشاء مراكز التوجيه المهني: أصبح اقتصاد الامارات متشابكا ومتنوعا بحيث يصعب على الناشئة في الأعمار المنخفضة واعدادهم في ارتفاع مستمر, خاصة ممن تركوا الدراسة أو لم يكملوا مراحلها النهائية ان يجدوا فرص عمل, هذا يتطلب من الدولة ان تنشىء مراكز للتوجيه المهني, مهمتها تقديم النصائح المتعلقة بالتوجيه المهني, وتنظيم المقابلات والامتحانات التي تمهد لبرنامج التدريب والتحضير للوظيفة. وهذه المراكز تكون مرتبطة بكليات التقنية العليا. 3ــ انشاء مراكز الاختيار والتحضير: لا ينفصل اختيار جنسية العامل عن الأمن القومي للدولة بشيء, إذ ان ممارسته يجب ان تتم في اطار اتحادي أو اماراتي يراعي الخلل في التركيبة السكانية وهيكل العمالة التي ظلت نسبة المواطنين تراوح عند 10% من اجمالي العاملين منذ بداية الاتحاد والى الآن. هذا السبيل يراد منه تشغيل المواطنين ومراقبة دخول العمالة الوافدة. ويتم ذلك من خلال انشاء مراكز الاختيار والتحضير على مختلف مناطق الدولة, ومهمتها تأمين تدريب العاطلين من الشبان والفتيات اللازمين للأنشطة الاقتصادية المختلفة والتأكد من ان استقدام عامل وافد مرتبط بوظيفة لا يمكن اشغالها بالمواطن. هذه المراكز هي المعنية بالموافقة على استقدام الوافدين بعد التأكد من ان الجهة الطالبة التزمت بكل الاجراءات الواجب اتباعها. كما تقوم هذه المراكز بتحضير المواطنين للعمل وذلك من خلال برامج التدريب الخاصة والعامة وتعمل هذه المراكز في ظل رقابة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وبدعم مالي من قبل المؤسسات العاملة بالدولة. 4ــ انشاء مؤسسات لتأمين التوظيف: يأتي التوظيف كخلاصة للجهود المبذولة من مراكز التوجيه المهني ومراكز الاختيار والتحضير, وكذلك الاختيار السليم للمناهج على المستويات المختلفة للتعليم, بمعنى انه اذا ما وجهنا واخترنا وقمنا بالتحضير الجيد للأبناء من ذكور واناث لاستطعنا ان نؤمن الكوادر البشرية المواطنة الكفؤة, ولبنينا ثقة كبيرة بين المؤسسات العاملة في المجتمع وبين العوائل العارضة لقوة عملها. ان مؤسسات التوظيف هذه ستركز على عروض وطلبات العمل في سبيل جعلها متطابقة قدر المستطاع الواحدة مع الاخرى. ويتطلب باستمرار من القطاع العام والمشترك والخاص تسجيل كل مركز شاغر في مؤسساتهم دون الغاء التشغيل المباشر للمواطنين. الموقف ليس بهذه الدرجة من البساطة خاصة في مجال التوظيف, فدائما نصطدم بمتغيرات بنيوية ومالية وتقدم تقني مفاجىء, وضمن الوضع الراهن لنا فإنه يكون من الصعب جدا ان تقوم السلطات باستبعاد الوافدين ذوي الكفاءة وتوظيف الايدي العاملة المواطنة غير الكفؤة, الا انه ايضا من الصعب جدا لها ألا تشغل المواطن والمواطنة وتستبعدهم, بل الحال يتطلب من السلطات ان تخلق لهم فرص عمل وتجعل من عقد الوافد فرصة لنقل الخبرات والاحلال المستقبلي, وهذا حق مشروع. 5ــ توظيف النساء في مجتمع الامارات, يجب ان يعطى له اهتمام خاص, فهو حق شرعي واجتماعي, اذ ترى كثير من الأسر ان رفاهيتها متوقفة على عمل بناتها في سوق العمل, اضافة الى ان مجتمع الامارات واقف على اعتاب القرن الــ ,21 وفرصة العمل للمتعلم, وتدل جميع المؤشرات على ان المرأة أوفر حظا في التعليم العالي من الرجل, وبهذا الاتجاه سيكون دور المرأة فاعلا في المستقبل, ومهامها ايضا متعددة ومن هذا المنطلق يتطلب الامر اعادة تشريعات العمل لصالح المرأة عن طريق التناوب في العمل لمدد قصيرة, وبهذا سيتم تشغيل جميع المواطنات, اضافة الى القيام بواجبات الحياة الزوجية والامومة. ما أحوجنا نحن هنا في الامارات الى نظام للتشغيل يعطي للمواطن الأولوية في التشغيل ويأخذ دوره في الوطن, لذلك تبقى الحاجة ماسة الى وضع نظام معلومات دقيق ومحكم لمساعدة نظام التشغيل المقترح, وقد يفيد ادخال هذا النظام في خلق قاعدة بيانات غزيرة عن العمالة المواطنة وغير المواطنة وتوزيعاتها الديموغرافية والاجتماعية والجغرافية... الخ, وبذلك سيتيح خيارات عديدة لأصحاب القرار السياسي لاتخاذ القرار المناسب. ولأهميته أورد هنا بعضنا من وظائفه: 1ــ جمع المعلومات عن قوة العمل العاملة والعاطلة المواطنة وتصنيفها وتحليلها. 2ــ تحديد عدد العمال الذين دخلوا البلاد فعلا وحصلوا على تصاريح للعمل وتاريخ انتهاء عقودهم وجنسياتهم وخصائصهم المختلفة. 3ــ التحديد بدقة توزيع العمال الوافدين على القطاعات والمهن المختلفة ومؤهلاتهم وخبراتهم ومدة بقائهم في البلاد. 4ــ تحديد حجم النشاط الاقتصادي للمؤسسة والتغيرات التي تطرأ عليه بين الحين والآخر وربطه بحجم العمالة المتغيرة. وكيل كلية العلوم الانسانية والاجتماعية - جامعة الامارات العربية المتحدة*