على باب مصعد العمارة التي اسكن بها, وجدت بيانا من مجلس إدارتها يشكو من أن عددا لايزيد على 10% من السكان يرفضون تسديد ما يخصهم من نفقات استبدال المصاعد , بالمخالفة لقرار الجمعية العمومية للعمارة, ويعلن اسفه لان المجهودات التي بذلها حتى استطاع ان يحصل على قرض لتمويل المشروع, يسدد على خمس سنوات, وبأقساط مريحة, سوف تذهب ادراج الرياح, ويكرر التذكير بأن التقارير الفنية قد اثبتت ان العمر الافتراضي للمصاعد قد انتهى منذ سنوات! وفي اليوم نفسه, نشرت احدى الصحف, ان رئيسا لمجلس ادارة بناية اخرى, ذهب ليطالب أحد السكان بتسديد المتأخر عليه, من الاشتراكات الشهرية المخصصة للصيانة والخدمات, فسدد الى فكه عددا من اللكمات, وكسر له اثنين من اسنانه, وضلعين من اضلاعه, لتضاف نفقات العلاج الى المتأخر عليه من الاشتراكات! وفي الحالتين, لم يكن السكان الممتنعون عن السداد, فقراء أو جهلة أو ناقصي الوعي, ولم تكن الاشتراكات التي امتنعوا عن سدادها, ضريبة الزامية فرضتها الحكومة, لتنفقها على خدمات (وأهداف غير معروفة لهم بشكل محدد, ولكنها التزام اختياري, صدر بقرار منهم, وفي اجتماع حضروه, أو عرفوا بجدول أعماله وبما صدر عنه ولم يعترضوا عليه, ومن أجل تحقيق مصلحة مشتركة تعود عليهم بفائدة مباشرة, أو تمنع عنهم ضررا حالا, وامتناعهم عن الوفاء بهذا الالتزام, لا يترك أمام الآخرين, الذين تجمعهم بهم هذه المصلحة المشتركة, الا احد خيارين: ان يتحملوا العبء نيابة عنهم, أو يتعرضوا للخطر بسببهم. وفي الحالتين, وفي حالات اخرى مشابهة, تحدث كل يوم, في كل تشكيلة يفترض انها تقوم على اساس اختيار طوعي, وسواء كانت هذه التشكيلة اتحادا للسكان, أو نقابة, او جمعية خيرية, او ثقافية, أو ناديا رياضيا... الخ تلك التشكيلات التي يصطلح اليوم على تسميتها بــ (منظمات المجتمع المدني) , سوف يكون تدخل الحكومة ضروريا لفض الاشكال الذي يفترض انها ليست طرفا فيه, لتخرج لسانها بعد ذلك, للذين يملأون الدنيا تنديدا بتلك الهيمنة التي تفرضها الحكومات على شؤون الناس, ويرفعون شعاراً: على الحكومة ان تحمل عصاها على كاهلها وترحل عن حياة الناس الاجتماعية وأن تفك القبضة التي تضغط بها على عنق المجتمع, وان يقتصر دورها على حماية الامن الداخلي والخارجي, وعلى تسيير المرافق العامة, وفي احسن الاحوال, على كفالة حدّ أدنى من الخدمات العامة, لتترك للناس ــ فيما عدا ذلك ــ الفرصة لكي يديروا شؤون انفسهم بانفسهم, عبر منظمات اختيارية يقيمونها بمبادرة منهم, وبجهدهم التطوعي, فيمولون انشطتها من اموالهم, ويقبلون الاحتكام اليها في اتخاذ القرارات التي تنظم المشترك من مصالحهم الخاصة والعامة, ويضعون الاسس والضوابط التي تكفل لها القيام بدورها, وحل ما يعترضها من مشكلات, فإذا بها أعجز من ان تستغني عن الحكومة, أو تعيش من دون الاعتماد عليها. ولم يدهشني ماحدث ليس فقط لان مثل هذه الوقائع, قد اصبحت عادية, ولكن ــ كذلك ــ لانني كنت قد عملت في مطلع شبابي, سنوات بوزارة الشؤون الاجتماعية, وهي الجهة الادارية المنوط بها الاشراف على ما يعرف بالجمعيات الاهلية, التي تشكل الجزء الأكبر مما اصطلح الآن على تسميته بمنظمات المجتمع المدني, وكان من بين مهمات وظيفتي في بعض تلك السنوات, ان افتش على تلك الجمعيات, التي كانت ــ ولاتزال ــ تنشط في مجالات تقليدية بسيطة, فالقسم الاكبر منها, يعمل في مجال الخدمات الدينية والخيرية, ويقدم خدمات من نوع دفن الموتى الفقراء, وتنظيم رحلات العمرة والحج, وانشاء مكاتب لتحفيظ القرآن الكريم, بينما يعمل قسم آخر في مجال تقديم الخدمات الطبية, مثل انشاء المستوصفات والعيادات الشعبية,. وعلى الرغم من نبل هذه الاهداف واهمية ما كانت تقدمه من مسكنات لآلام كثيرين, إلا أنها كانت عاجزة عن أن تمد بصرها نحو مجالات من النشاط تستجيب لاحتياجات مجتمع تتعقد ظروفه الاجتماعية, والاهم من ذلك ان هياكلها التنظيمية, كانت في الاغلب الأعم, هياكل من ورق, فقد كانت الدفاتر التي تسجل فيها اجتماعات جمعيتها العمومية, وقرارات مجالس ادارتها عادة مضبوطة ولكنها واضحة الاصطناع, فالاجتماعات تعقد على الورق فقط, والقرارات تؤخذ ثم تنفذ, ثم يجري التوقيع عليها بالتمرير, لاستكمال الورق.. والاعضاء الحقيقيون الذين ينشطون في الجمعية, لا وجود لهم, إلا في الدفاتر, والجمعية كلها ليست اكثر من رئيس نشط, تدفعه عواطفه الدينية, او وعيه الفطري بمشاكل المجتمع الذي يعيش فيه ــ أو حتى مجرد الرغبة لكي يكون وجيها بين قومه ــ الى دعوة عدد من اصدقائه ومعارفه, أو الذين يعملون تحت رئاسته أو ترتبط مصالحهم به الى تأسيس جمعية وما ان تستكمل الاوراق, وتحصل على رخصة حكومية تبيح لها النشاط, وتتسلم الدفاتر من الجهة الادارية المختصة, حتى ينفض الجميع من حوله, ويتركون له الجمعية ويفوضونه في ادارة كل شؤونها, وتقتصر صلتهم بها, على تزويده بالمال بين الحين والآخر, في المناسبات التي تتطلب ذلك, وعلى لطع توقيعاتهم الكريمة, على ما يقدمه لهم من أوراق, كلما اقترب أوان وصول الافندي بتاع الشؤون وهو الاسم الذي كانوا يطلقونه على العبدلله! وكنت اظن ان تدهور احوال هذه الجمعيات, يعود الى انها تنشأ في مجتمعات ريفية, أو مدن اقليمية صغيرة, ومحدودة الثقافة, وتتسم بدرجة من التخلف في الوعي, وفي التنظيم, ولكنني ادركت ــ فيما بعد ــ ان الظاهرة أعمق واخطر من ذلك بكثير حين وجدت تنويعات لها في منظمات المجتمع المدني, يقترض انها اكثر رقياً واكثر وعيا, كالنقابات المهنية والجمعيات الثقافية والاحزاب السياسية, واتحادات السكان, في البنايات الضخمة التي ترتفع على واجهاتها لافتات بأسماء اطباء ومهندسين ومحاسبين ورجال القانون, بحيث بدا لي وكأن فكرة المجتمع المدني, خاطئة من الاساس, أو انها لاتصلح لمجتمعات متخلفة, كالمجتمعات العربية. لم تعرف اشكال التنظيم الحديث بما فيها الحكومات, الا منذ قرن أو أقل, وتحت ضغط التدخل الاجنبي, وان هناك عيوبا شائعة في الشخصية القومية تحول دون نجاح مثل هذه الاشكال من التنظيم, ابرزها اننا فرديون اكثر مما ينبغي, واننا نفتقد للوعي بان المصلحة العامة ترتبط بالمصلحة الفردية, وان فكرة الانتماء لدينا تتمحور حول الذات ولاتتسع عن نطاق العائلة ــ وفي احسن الاحوال العشيرة او القبيلة ــ وهي الاشكال البدائية للتنظيم الاجتماعي ــ بينما يبدو المجتمع, كتشكيلة, غائبا تماما عن وعينا, لان جوهر الفلسفة الاجتماعية التي نعتنقها, هي حكمة (جحا) الذي قيل له ان الفساد يمرح في البلد, فقال: مادام بعيداً عن بيتي... يبقى ماليش دعوه! والذين يدعون الى تنشيط منظمات المجتمع المدني, ينطلقون من فكرة اساسية تقول باختصار ان الحكومات قد توسعت في فرض هيمنتها على المجتمعات الانسانية بشكل استبدادي لايصادر فحسب حريات هذه المجتمعات, ولكنه قد يقودها الى مخاطر تحيق بالمجتمع, وان الناس حين تنازلوا طواعية عن جانب من حرياتهم وحقوقهم, لحكومات تنوب عنهم في رعاية المصالح المشتركة, وهي حماية كل من الامن الداخلي والامن الخارجي, وقبلوا طواعية ان يقوموا بالتكاليف العامة التي يتطلبها ذلك, وهي التجنيد الاجباري ودفع الضرائب, كانوا يتوقعون ان تفي الحكومة بتعهداتها بمقتضى العقد الاجتماعي الذي وقعوه معها, فتصون الحريات العامة والشخصية, وتحتفظ لهم ــ أو لممثليهم ــ بحق الرقابة والتشريع, لكن الحكومات أخذت تتوسع في تعريفها لمقتضيات الامن الداخلي, وتبالغ في المخاطر التي يتعرض لها الأمن القومي من الخارج, لتزحف ــ بطريقة الخطوة خطوة ــ على كل الحقوق والحريات, وتحولت من سلطة فوضها الناس في ادارة المصالح المشتركة الى سلطة تلغي ــ عمليا ــ وجودهم وتحولهم الى ادوات في خدمتها, تنفذ ماتضعه من سياسات, من دون ان يكون لهم رأي حقيقي, او مشاركة فعلية في هذه السياسات او الرقابة عليها, او تعديلها, فكانت النتيجة هذا الاستبداد, الذي حول الناس الى متفرجين على مايجري لهم واعتصموا بحكمة (جحا) الخالدة: مادام بعيداً عن بيتي, يبقى ماليش دعوه! ولاتكمن خطورة هذا الاستبداد, فيما ينتج عنه من آثار ضارة, نتيجة لسياسات خاطئة, او مغامرة او طائشة, ولكنه يعصف كذلك بكل الثمار الطيبة لاية سياسات طيبة قد تتخذها الحكومات لمصلحة الناس, لان احدا لم يستشرهم فيها ولم يحاول اقناعهم بجدواها قبل اتخاذها, والاهم من هذا وذلك انه ــ على عكس ماقد يتصور البعض ــ يخل باستقرار المجتمعات, ولا يكفل لها الامن الحقيقي القائم على مشاركة الناس, وليس على كثرة الحراس.. ويضر الحكومات نفسها, على عكس ما يشيع دعاة الاستبداد في كواليسها, اذ هو يؤدي على المدى الطويل الى تضييق نطاق الانتماء من الدولة والمجتمع, الى القرية او القبيلة, ثم الى الاسرة والفرد, وبذلك يتفكك المجتمع عمليا, وان بدا في الظاهر انه متماسك, ويدير الناس ظهورهم للحكومة, كما أدارت لهم ظهرها, فهي تفعل ماتريد, وهم يفعلون في الخفاء مايريدون, وهي تتفنن في اصدار القوانين, وهم يتفننون في اختراقها, مع انها تظل ـ شكليا ــ تحتفظ بسلطتها عليهم, إلا أنها تتحول في الواقع الى حكومة ماتحكمش حد, لان الذي يحكم في الواقع, هي حكومات تحتيه وخفية, تفرزها المجتمعات حين تتفتت, والحكومات الحقيقية حتى تغالي في الاستبداد! ولم تكن حال الجمعيات التي رأيتها, حين كنت أعرف بــ (الافندي بتاع الشئون) سوى أحد اعراض توسع الدولة تدريجيا في فرض هيمنتها ومدّ سلطتها على كل انشطة المجتمع المدني, تحت وطأة الاحساس المبالغ فيه, الحقيقي والمفتعل, بان هناك أخطارا تهدد الأمن من الداخل والخارج, فقد كانت هذه الجمعيات اوفر نشاطا واكثر جديه, واقدر على تعبئة طاقات العمل التطوعي لدى الناس حتى نهاية الحرب العالمية الثانية, وكان القانون المدني هو الذي ينظم انشاءها, بمجرد اخطار يرسل للجهة الادارية, ولايعطي للحكومة ايه سلطة عليها, ويجعل القضاء هو الفيصل فيما ينشأ بين أعضائها من خلافات, وابتداء من عام 1945, توالت القوانين التي تتدخل في حريتها, وتمنح لوزارة الشؤون الاجتماعية سلطات ادارية واسعة عليها, استجابة لاتجاه كان يتصاعد آنذاك للتضييق على الحريات الاخرى, وصل الى ذروته, بالغاء الاحزاب السياسية عام 1953, فكان طبيعيا ان تبسط الحكومة سيطرتها الكاملة على الجمعيات, فانفض الناس عنها وتحولت الى هياكل من ورق, يجد فيها الافندي بتاع الشؤون كل شيء ماعدا الجمعية نفسها, وهو ــ بالضبط ــ ماحدث للافندي بتاع الامن القومي الذي كان يتصور انه قد ضمن ما اتخذه من اجراءات ضد الاحزاب والجمعيات وكل منظمات المجتمع المدني, قد حمى البلاد من الاختراق الاجنبي, الى ان اكتشفنا جميعا ــ في يونيو 1967 ــ ان ذلك كله كان هياكل من ورق, لم تصمد للعاصفة!