أمريكا والمفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الأطلنطي:بقلم-د. علي الدين هلال

في الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول حلف شمال الأطلنطي, والذي انعقد في 8 ديسمبر الجاري في بروكسل, وجهت الولايات المتحدة الدعوة إلى اعادة النظر في رسالة الحلف وهدفه ودوره المستقبلي. وعبرت وزيرة الخارجية الأمريكية عن رؤية بلادها في هذا الشأن. فدعت الحلفاء إلى الالتفاف حول الرؤية الأمريكية من أجل مواجهة تهديدات جديدة في القرن الـ 21. وفي عرضها لجوانب الرؤية الأمريكية الجديدة حول رسالة حلف الأطلنطي, دعت مادلين أولبرايت حلفاء الناتو إلى ضرورة التأقلم مع التغيرات التي حدثت في البيئة الأمنية في العالم, والذي يجعل من هجوم بالصواريخ بأسلحة تدمير شامل, من قبل دولة (خارجة على القانون) ولكنها بعيدة جغرافيا عن النطاق الجغرافي للحلف تهديدا يماثل التهديد الذي كانت تشكله دبابات حلف وراسو في العقدين السابقين, مؤكدة على أن الأحداث فيما وراء الحدود الراهنة للنانو يمكن ان تؤثر على مصالح الحلف الحيوية, وأن من الأفضل مواجهة عدم الاستقرار عندما يكون بعيدا قبل ان يدق على الأبواب. وجوهر الرؤية الأمريكية, حول الرسالة الجديدة لحلف الأطلنطي, يتمثل في بعدين رئيسيين, هما: عدم تقييد تحركات الحلف بقرارات مجلس الأمن, وتبني مفهوم استراتيجي جديد يحول مهمة الناتو من مجرد الدفاع عن الجغرافيا الأطلسية والفضاء الأطلسي كمجال جغرافي رئيسي للحلف, إلى تحالف للدفاع عن مصالح شركاء الحلف عبر العالم كله, مما يعني اسقاط الجغرافيا وما تمثله من حواجز على المجال الأمني للحلف. وهذا يعني احتمالات ممارسة الحلف لمجالات نشاط في مناطق: جنوب البحر المتوسط وشمال أفريقيا, وآسيا الوسطى, والبلقان, والقوقاز, والشرق الأقصى, وأي مكان في العالم يكون فيه لأعضاء الحلف مصالح حيوية تتعرض للتهديد, بما يعني عقيدة سياسية ودفاعية جديدة للحلف الأطلنطي. ان الرؤية الأمريكية, التي تسعى لاحداث مواجهة استراتيجية لهدف الناتو, تهدف إلى صبغ الحلف بصبغة (كونية) وهو ما أسماه البعض (عولمة الناتو) وتغيير هوية الحلف من تجمع لعدد من الدول ضد عدو واضح, له بعد جغرافي واقليمي محدد , إلى حام لمصالح الدول الغربية في سياقها الكوني, ليستهدف الدفاع عن المصالح في مختلف البقاع والمناطق, وتجاوز حدود الأمن الجيوبوليتيكي إلى مفاهيم جديدة للأمن تتضمن المصالح الاقتصادية والسياسية طبقا لما قاله خافيير سولانا سكرتير عام الحلف. وهذا الاتجاه الأمريكي حول المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو يطرح عدة تساؤلات, فهل الرؤية الأمريكية تنطلق من عقيدة عسكرية للدفاع في المستقبل, أم ان ذلك هو واقع يتجه إليه الحلف منذ فترة؟ وماذا عن ردود فعل الشركاء الأوربيين بشأن المفهوم الأمريكي الجديد؟ في حقيقة الأمر, إذا عدنا إلى الوراء سنوات, وتحديدا منذ انتهاء الخطر الشيوعي, مع انهيار حائط برلين في 1989, وتفكك حلف وارسو, ثم تحلل الاتحاد السوفييتي, فإننا نجد ان حلف الأطلنطي, منذ ذلك الوقت, افتقد رؤية واضحة بشأن دوره أو مبررات وجوده, حتى أنه أصبحت هناك مفارقة فعلية بين دور الحلف ــ طبقا لما نص عليه ميثاقه المبرم في 1949 ــ وبين واقع أوروبا والعالم في فترة ما بعد الحرب الباردة واختفاء الخطر الشيوعي, وازاء التهديدات الجديدة التي برزت مثل الارهاب الدولي, وانتشار نشاط الجريمة المنظمة في روسيا ودول شرق أوروبا والتهديدات الموجهة إلى البيئة, فقد اتضح قصور قدرة الحلف على التعامل مع مثل هذه النوعية من التهديدات. وبرزت علامات الترهل والثقل في الحركة داخل أجهزة الحلف, وصاحب ذلك دعوات ودلائل تشير إلى عدم الثقة بالحلف. وتتساءل حول قيمته ومبررات وجودة وامكانية تجاوزه. ففي قمة روما في نوفمبر 1991, اتفق على انشاء مجلس التعاون لشمال الأطلنطي, ليكون جسرا بين الناتو وكل أوروبا, على ان يتحول إلى مجلس شراكة أوروبي/ أطلنطي. وطرحت بعض الدول الأوروبية اتجاها نحو تفعيل الدور الأمني على حساب الناتو. وبرز انقسام في وجهات النظر بين فرنسا وألمانيا من ناحية. واللتان دعتا إلى انشاء (هيكل أمني) مستقل عن الناتو, وطرحتا تأسيس (فيلق) أوروبي) واعادة الهيكلة وتوزيع القيادة داخل الناتو, وهي الدعوة الفرنسية المسماة (اعادة توزيع المسؤوليات في حلف الأطلنطي, وبين الولايات المتحدة التي أكدت على أن مهمة الدفاع عن أوروبا يقوم بها بالأساس حلف الأطلنطي. وظلت اجتماعات رؤساء ووزراء خارجية ودفاع دول الحلف, خلال السنوات الماضية, تتدارس امكانية توسيع الحلف ومد شبكة آمنة إلى دول شرق ووسط أوروبا والبلطيق. وفي هذا الصدد طرح مشروع (الشراكة من أجل السلام) , في قمة بروكسل بتاريخ 1994, والذي أقر مبدأ توسيع الحلف بالتدريج وعلى مراحل. وفي ديسمبر 1995 اتفق وزراء دفاع وخارجية دول الحلف على توسيعه طبقا لخطة زمنية تتضمن في المرحلة الأولى, والتي تبدأ في يناير 1999 وتوافق احتفال الحلف بمرور 50 سنة على تأسيسه, ضم كل من: المجر وبولندا, والتشيك, وفي المرحلة الثانية عام 2003, يتم ضم كل من النمسا, وسلوفينيا, ورومانيا, وفي عام 2010, يتم ضم جمهوريات البلطيق الثلاث (استونيا, وليتوانيا, ولاتفيا), ودول محايدة مثل فنلندا والسويد, أما روسيا, فنظرا لاعتراضاتها الشديدة , ومخاوفها من اقتراب الحلف إلى جوارها المباشر, من خلال دول البلطيق وأوكرانيا ودول شرق أوروبا, فقد تم الاتفاق بين وزراء دفاع الحلف وروسيا في يونيو 1996 على تشكيل اطار مشترك , وقيادة جديدة تشارك فيها روسيا. وفي 27 مايو 1997, تم التوصل إلى وثيقة تأسيسية) بشأن علاقة الحلف مع روسيا, تتضمن تعهدات متبادلة ومجالات للتعاون بين الطرفين. وهكذا يتبين ان اعادة تعريف دو الحلف مثلت عملية مستمرة, وتطورت عبر السنوات السابقة منذ انتهاء الحرب الباردة, وإذا كان جدول أعمال الحلف قد اتجه في المرحلة الأولى, إلى اصلاح البيت من الداخل, وترسيخ الاقتناع بالحلف وبث الثقة بين شركائه, فإنه في مرحلة تالية ــ اتجه لاعداد برامج للأقلمة والتكيف, وتهيئة المجال الأمني الذي يمارس فيه الحلف نشاطه, تمثل ذلك في برنامج (الشراكة من أجل السلام) , والذي يهدف إلى توسيع الحلف, وتأمين الخطر الروسي الذي يهدد باحتمال عودة السياسة القيصرية, ثم في مرحلة تالية, الحديث عن امكانية اضطلاع الحلف بمهام في حفظ السلام في الجبهات الساخنة في أوروبا, وضد انتشار السلاح النووي, وضد الارهاب الدولي, ومن أجل تكريس الديمقراطية, وطبقا لما طرحه زبيجنيو بريزينسكي, في كتابه: (رقعة الشطرنج العظمى) , فإنه يعتبر الناتو آلية جيوــ استراتيجية مندمجة وشاملة وطويلة المدى لكل أوراسيا, تربط بين الباسيفيكي والدول الآسيوية في جنوب شرق آسيا. ومؤدى ما تقدم ان التفكير بتوسيع الدور المستقبلي للحلف ليس وليد طرح أمريكي مفاجئ, وإنما هو اتجاه اطلنطي يتطور منذ مدة, ولعل هذا ما يفسر قول خافيير سولانا, عن دول الحلف خارج نطاق دوله, أنه أصبح: (أمرا واقعيا ولا داعي لتحويله إلى دراما) واستراتيجية الحلف التي تتكون الآن, ليست جميعها نتاج تخطيط مسبق وبرامج محددة, وإنما تبلورت من خلال الجدل الدائر منذ سنوات بين شركاء الأطلنطي. وكأي تطور, أو تغيير, فإن هناك معارضين ومؤيدين, وهنا يطرح سؤال: إلى أي مدى سوف يقدر للمفهوم الاستراتيجي الجديد, الذي تقترحه أمريكا لحلف الأطلنطي, ان يتم تبنيه من بقية أعضاء الحلف؟ والدافع إلى طرح هذا السؤال هو ان هذا الدور الجديد للحلف من شأنه تحويل بعض اختصاصات مجلس الأمن ودوره في حفظ السلام والأمن العالميين إلى أجهزة الحلف, مما يعني تقليصا لدور الدول الأوروبية الكبيرة, مثل بريطانيا وفرنسا, اللتان تمتلك كل منهما حق النقض في مجلس الأمن, كما انه يعني اقصاء روسيا والصين عن القيام بدور في هذا المجال. وفي سياق التطور العالمي الراهن, إذا كان المفهوم الاستراتيجي الجديد يلقى تأييدا في بعض الدوائر الأمريكية, لأنه يكرس الدور الأمريكي القائد على المستوى العالمي, فإن هناك أطرافا دولية أخرى, سواء من داخل الحلف أو خارجه, تناهض هذا الاتجاه, لما فيه من تدعيم لهيمنة قطب واحد على العالم. أضف إلى ذلك , ان هناك أصواتا من داخل الولايات المتحدة ذاتها تحذر من التكلفة المالية الكبيرة المترتبة على توسيع الحلف. وهناك خلاف بين الادارة والكونجرس حول تقدير حجم تلك النفقات. ومؤشرات التململ الأوروبي واضحة, ولا تحتاج إلى عين فاحصة, ففي عام 1997, رفض كلينتون الطلب الفرنسي بتعيين قائد أوروبي للقيادة الجنوبية للأطلسي في البحر المتوسط, على أساس ان الأسطول السادس, المناط به ضمان أمن جنوب المتوسط, هو أمريكي بالأساس, ولا يمكن ان يتولى اوروبي قيادته, كما رُفض الاقتراح الفرنسي بشأن ضم بلدان أخرى من أوروبا الشرقية في المرحلة الأولى لتوسيع الحلف, وفي اجتماع بروكسل في ديسمبر 1998, وأكدت أولبرايت ان الناتو لن يتخلى عن وظيفته الأساسية, وهي حماية الاعضاء من الغزو وذلك في رد على الاقتراح الالماني بأن يتخلى الناتو عن المبادرة باستخدام الأسلحة النووية. وفي نفس السياق من المهم الاشارة الى ما ورد في بيان القمة الفرنسية البريطانية التي عقدت بفرنسا في مطلع شهر ديسمبر ,1998 والذي تضمن ان: على الاتحاد الاوروبي التمتع بقدرة تحرك مستقلة تعتمد على قوات عسكرية يمكن الركون اليها) . وحول طبيعة التعاون الدفاع الفرنسي/ البريطاني, ذكر البيان ان هذا التعاون يسمح لاوروبا باسماع صوتها في قضايا العالم ويتيح اضفاء المزيد من الحيوية على الاطلسي. وهذه هي المرة الاولى التي تعلن فيها بريطانيا انها مستعدة لانشاء دفاع اوروبي مشترك خارج آلية الأطلسي, وهو امر له اهميته في ضوء العلاقات البريطانية ــ الامريكية الخاصة والتقليدية. وهذا الاتجاه اكده روبين كوك وزير الخارجية البريطانية حين اشار الى ان الاوروبيين يرغبون في القيام بدور متزايد في امن قارتهم في اشارة منه الى الرغبة في تطوير مفهوم للأمن خاص بالاتحاد الاوروبي في مواجهة ما يسميه الامريكيون (الهوية الامنية والدفاعية الاوروبية داخل الاطلسي) . فضلا عن ذلك فقد اعترضت فرنسا وألمانيا على اخراج نشاط الحلف من دائرة مجلس الامن والتوسع في الاطار الجغرافي لاختصاص الحلف بحيث يشمل العالم بأسره وعارض (شرويدر) المستشار الالماني بشدة النهج النووي الذي اقترحته الولايات المتحدة. وسعت اولبرايت للتقليل من شأن التحفظات الاوروبية واصفة اياها بأنها معارضة لا تذكر وعلق فيدرين وزير خارجية فرنسا قائلا ان الحلفاء الاوروبيين: (مطالبون منذ الآن بالبحث عن توازن جديد داخل الحلف يرتكز على تقاسم الاولويات) . اذن برغم ان (المفهوم الاستراتيجي الجديد) للناتو والذي طرحته الادارة الامريكية, يمثل بلورة لرؤية استراتيجية ذات ملامح محددة الا انه افتقد الى اهم شروط نجاحه وهو اتفاق دول الحلف, وهو ما يشير الى ان مرحلة اعادة تعريف دور الحلف لم تنته بعد. وان الحلف لا يزال في قلب مرحلة فاصلة بين فترتين: فترة الحرب الباردة وفترة ما بعد هذه الحرب استشرافا للمستقبل في ضوء التحولات العالمية المتسارعة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات