قضية إعلامية ومهنية وأخلاقية أخرى أثيرت قبل أسابيع في برنامج (الرأي المعاكس) لقناة الجزيرة تتعلق بوسائل الإعلام العربية وتعاملها وتفاعلها مع المسؤولين وصانعي الأخبار وأصحاب القرار الصهاينة, نوقش الموضوع بكل جرأة وشجاعة, فالطرح الأول يرى وانطلاقا من (مبدأ اعرف عدوك) انه يجب اعطاء الفرصة الكاملة للصهاينة واليهود للتعبير عن آرائهم وأفكارهم في وسائل الإعلام العربية حتى يتعرف عليهم العرب جيدا ومن ثم مواجهتهم وإعداد الاستراتيجية اللازمة لاسترجاع حقوقهم منهم, فالتطبيع الاعلامي يساهم في التعرف على العدو والوقوف عند مواطن ضعفه وقوته, أما الرأي الثاني فيعارض الرأي الأول تماما حيث انه يرى ان العرب ليسوا بحاجة الى فتح أبواب مؤسساتهم الإعلامية للصهاينة للتعرف عليهم, وهذا الانفتاح ما هو الا اختراق للذهنية العربية وتهويد للعقل العربي, والعرب يعرفون الكيان الصهيوني وأيديولوجيته وفلسفته وهذا منذ عهد (هرتزل) وحتى الساعة. قضية الاختراق الصهيوني لوسائل الإعلام العربية يجب ان ينظر اليها من عدة جوانب وعدة زوايا: * لا يخفى على المهتمين بالاعلام والقضايا الاعلامية ان الصهاينة واليهود على وجه الخصوص سيطروا ومنذ القديم ومنذ عهد (هافاس) مؤسس وكالة الأنباء الفرنسية الحالية و(يوليوس رويترز) مؤسس الوكالة البريطانية التي حملت اسمه تحكموا وسيطروا واستثمروا في مجال الاعلام والصناعات الثقافية وبثوا أفكارهم وآراءهم وأيديولوجيتهم في جميع أنحاء العالم وعبر أكبر وأهم المؤسسات الإعلامية العالمية فلا تكاد تخلو وسيلة إعلامية عالمية كبيرة من يد أو أياد صهيونية توجهها وتتحكم في مخرجاتها وفق الأيديولوجية الصهيونية ومصالح الكيان الصهيوني. * هذه السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية أدت الى نشر وبث صور نمطية وتشويه وتعتيم إعلامي فظيع جدا أدى الى تشويه وتحنيط الرأي العام العالمي لاتخاذ موقف سلبي من كل ما هو عربي وإسلامي. * لا يجب أن يخفى على العقل العربي ان الكيان الصهيوني نهب كل شيء من الشعب الفلسطيني حتى رقصة (الدبكة) و(الطبق الفلسطيني الوطني) والزي الفلسطيني وحتى اسم العملة أخذه من التراث العربي, إلى آخر ذلك, وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بالأرض فقط وإنما تعداه الى هوية الفلسطيني وحضارته وثقافته وتراثه وماضيه, وأصبح الاسرائيلي يفوز بجوائز عالمية بفضل التراث والثقافة الفلسطينية. * ان التطبيع الاعلامي يعتبر من أخطر الفجوات التي قد يخترقها ويصطنعها الكيان الصهيوني حيث انه من خلالها يستطيع الوصول الى عواطف وعقل وذهن مئات الملايين من العرب وسهولة تهويد هذا العقل حيث ان نسبة لايستهان بها من الشعب العربي لا تعرف القراءة والكتابة وغير مجهزة بالحصانة الكافية لمواجهة أو إقصاء اطروحات ووجهات نظر إرهابيين وقطاع طرق وخبراء في الدعاية وتحنيط العقول وتزييف الواقع. * يجب كذلك عدم المزج بين التعرف على العدو وفتح مساحات وفضاءات الإعلام العربي للأيديولوجية الصهيونية والأفكار الجهنمية الخبيثة, فالتعرف على العدو يتم عن طريق مراكز الأبحاث والمعاهد والجامعات والكليات التي تتخصص في الدراسات الاستراتيجية والدراسات الاستشرافية والدراسات الاسرائيلية, ومن واجب كل عربي دراسة وتحليل الحركة الصهيونية ومواطن قوتها وضعفها وما هي السبل المختلفة لمواجهتها وتفكيكها والقضاء عليها, هذه الأمور تختلف تماما على الانبطاح الثقافي والاستسلام للعدو واعطائه فرصة ذهبية لمخاطبة العقل والفكر العربي في وسائل إعلام عربية وبتنشيط وتعليق صحافيين عرب, فما يبحثه مركز الدراسات والأبحاث الاسرائيلية قد يساهم في التعرف على العدو وتحديد سبل مواجهته, أما السماع لأطروحات أرييل شارون في التلفزيون العربي فإنها لا تفيد أي عربي بشيء اللهم انها تعطي الفرصة لهذا الصهيوني لتوصيل أفكاه وآرائه للعقل العربي ومحاولة إقناعه بالأطروحات الصهيونية الخبيثة. * السؤال الذي يفرض نفسه كذلك هنا هو مساءلة الطرف الآخر وهل فتح أبواب وسائل اعلامه للمسؤولين الفلسطينيين والعرب لطرح أفكارهم ووجهات نظرهم ومن هم المفكرون والباحثون والسياسيون الذين دافعوا عن القضية الفلسطينية ووجهة نظر العرب في وسائل الإعلام الاسرائيلية؟ المطلوب من وسائل الاعلام العربية وبدلا من الانبطاح والاستسلام للآلة الدعائية الصهيونية إيصال التراث العربي الفلسطيني إلى العالم وإيصال القضية الفلسطينية الى كل عقل بشري يؤمن بالمنطق وبالحق وبالفضيلة, فوسائل الاعلام العربية ليست بحاجة الى استضافة نتانياهو أو بيريز أو شارون لأن هؤلاء لايغيرون فلسفتهم ولا أيديولوجيتهم ولا وجهة نظرهم في القضية الفلسطينية, ما يحتاجه الإعلام العربي هو حماية التراث والتاريخ والحضارة والفكر الفلسطيني والعربي من الذوبان في شيء اسمه الكيان الاسرائيلي أو من السرقة والنهب والاغتصاب. هل يعقل اننا كإعلاميين عرب نتخلى عن مهمتنا الرئيسية وهي الدفاع عن القضية الفلسطينية وايصال شرعيتها للرأي العام العالمي ونعطي الفرصة على طبق من ذهب للعدو لتهويد عقلنا العربي بهذه السهولة وبهذه البساطة, هل يعقل أن نفتح أبواب مؤسساتنا الإعلامية للصهاينة حتى نتعرف عليهم ونعرفهم؟ ان اطروحات نتانياهو وشارون ومردخاي وغيرهم معروفة وواضحة وضوح الشمس وهي وبكل بساطة القضاء على كل ما هو فلسطيني وعربي ومسلم, وهذا الطرح لن يتغير ولن يتبدل. الآلة الإعلامية الصهيونية معروفة ومتطورة جدا ولم تترك أي شيء للصدفة والدراسات تؤكد ان ما يمكله الكيان الصهيوني لوحده من وسائل الإعلام والصناعات الثقافية يتجاوز بكثير ما تملكه الـ 22 دولة عربية مجتمعه وكما قال أحد الزعماء السياسيين الفلسطينيين ان القضية الفلسطينية خسرناها إعلاميا قبل أن نخسرها ميدانيا) فالعرب بحاجة ماسة لترتيب البيت الإعلامي والخوض في مجال الصناعات الثقافية بمختلف أشكالها وأنواعها, وكم بكى العرب على الأطلال كلما انتجت الآلة الإعلامية الصهيونية فيلما يشتم العرب والمسلمين ويشوه صورتهم وواقعهم, فتثور الثائرة ويثور البركان وتهدأ الأمور فجأة وكأنه لم يكن هناك شيء. لقد استطاعت ثورة الحجارة وعبر وسائل الإعلام الغربية ووكالات الأنباء العالمية ان توصل هموم ومعاناة الأطفال الفلسطينيين إلى جميع أنحاءالعالم, ما حققه أطفال الحجارة عجزت عنه وسائل الإعلام العربية وكذلك الصناعات الثقافية العربية وما زالت عاجزة عنه حتى الساعة, أليس من واجبنا كمؤسسات إعلامية عربية وكإعلاميين عرب أن نتساءل انه آن الأوان للمواجهة ولاعطاء البدائل وتقديم أنفسنا للآخرين؟ أم أنه يحق لنا أن نستسلم حتى تكتمل الصورة للكيان الصهيوني ويحاربنا ويقضي علينا بسلاحنا, الضمير المهني والضمير الأخلاقي واحترام أرواح الشهداء الأبرار كل هذه الأمور لا تسمح لنا بالاستسلام والتنازل والانبطاح. الصراع الاعلامي بين العرب والكيان الصهيوني صراع عنيف وقوي كان يفوز به دائما الكيان الصهيوني ولقد حان الوقت ونحن على مشارف الألفية الثالثة لم يبق لنا إلا أن نضع أنفسنا كعرب وكمسلمين على مدار الثورة المعلوماتية وصناعة المعرفة, الرهان كبير ويتطلب مجهودات جبارة وليس الاستسلام للآخر, ما يحتاجه الإعلام العربي ليس الاختراق من قبل الآخرين وانما تقديم الثقافة والتراث والتاريخ والحضارة العربية الاسلامية للثقافة العالمية والانسانية الأمر الذي يتطلب دراسة وتخطيط ومنهجية واستراتيجية ودراسات وأبحاث ورؤوس أموال واستثمار. * جامعة البيان قسم الاتصال الجماهيري