الجنرال في انتظار(شركائه)في قفص الاتهام: بقلم- الدكتور طلعت شاهين *

الاستراتيجية السياسية لا تختلف في قليل او كثير عن الاستراتيجية العسكرية, والاسلحة التي يستخدمها المتحاربون على ارض المعركة تجد لها اسلحة موازية في ميدان المناورة السياسية, بل ان المراقبين والمحللين السياسيين يستخدمون عادة الالفاظ نفسها التي يطلقها الخبراء العسكريون على بعض هذه الاسلحة, وابرز مثال على ذلك مصطلح (ستارة الدخان) , وهو سلاح كان يستخدم عادة على ارض المعارك لحجب الرؤية عن العدو حتى لايتمكن من تحديد الاهداف بدقة, وستارة الدخان كانت تستخدم بشكل خاص ضد الطيران الذي كان في حاجة الى رؤية الاهداف رأي العين حتى يتمكن من اصابتها بدقة, ولكن مع تطور الاسلحة وادوات المعارك اصبحت ستارة الدخان عديمة الجدوى في ظل ادوات يمكنها الرؤية عبر الكثير من الحواجز الكثيقة, التي تتفوق كثافتها على كثافة ستارة الدخان. لكن هذا المصطلح لايزال حاضرا في لغة المناورة السياسية, التي يبدو انها رغم تقدم الزمن واختلاف اساليب سياسة اليوم عن سياسة الامس, الا ان متابعي السياسة اليوم يبدو انهم غير قادرين حتى الآن على استنباط مصطلحات جديدة تواكب تطور الاسلحة السياسية الحديثة, لذلك لايزال مصطلح (ستارة الدخان) مستخدما بحيوية عند الحديث في امور السياسة. اعلان وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت قبل اسبوعين ان على الولايات المتحدة التعاون مع اي محكمة في اي مكان تتولى محاكمة الجنرال اوجوستو بينوشية دكتاتور التشيلي السابق, وان على حكومتها ان تتخذ اجراءات حاسمة في هذا الاتجاه, مثل الافراج عن بعض الوثائق السرية في خزانات المخابرات المركزية الامريكية, التي تتعلق بإنقلاب الجنرال عام 1973 ضد الحكومة الوطنية المنتخبة, والتي راح ضحيتها الرئيس السابق الدكتور سلفادور الليندي, وعشرات الآلاف من الضحايا من بينهم المئات من الاجانب دون تمييز للانتماء الايدلوجي او العرقي او حتى الجنسية, لان من بين ضحايا انقلاب الجنرال بينوشية في التشيلي امريكيون رافضون للانقلاب وللسياسة الامريكية في تلك المنطقة من العالم, ومنهم الصحافي الامريكي الذي استوحى المخرج السينمائي كوستا جافراس من عملية اختطافه وتعذيبه وموته فيلمه الشهير (المختفي) الذي عالج فيه انقلاب الجنرال في التشيلي ودور الحكومة الامريكية والمخابرات المركزية الامريكية في التخطيط له وتمويله وتنفيذه, هذا الاعلان يمكن وصفه بانه (ستارة دخان) اطلقتها وزيرة الخارجية الامريكية لحجب الرؤية عن اهداف تعرف ان الالتفات اليها يفضح الدور الامريكي في هذا الانقلاب الدموي. لان هذا الاعلان لم تتبعه خطوات فعلية من جانب الحكومة الامريكية, بل ان الكثير من الوثائق التي تم الحديث عنها, او اشارت اليها الوزيرة الامريكية, تقرر الكشف عن مضمونها جزئيا وليس كليا, ونشرت بعض وسائل الاعلام الامريكية بعض تلك الوثائق مسبقا مجللة بالسواد في اجزاء كثيرة تذكرنا بالرقابة المقيتة التي تمارسها اسوأ الانظمة السياسية في العالم. على الرغم من ان عملية التعتيم على اجزاء كثيرة من مضمون الوثائق التي تحاول الولايات المتحدة ان تستخدمها كستار دخان لحجب الرؤية عن الدور القذر الذي لعبته في التشيلي وغيرها من مناطق, الا ان العالم ليس في حاجة الى رفع السرية عن تلم الوثائق ليدين السياسة الخارجية التي تتبعها الولايات المتحدة في العديد من مناطق العالم, بل يكفي متابعة الانباء التي كانت تنشرها وسائل الاعلام الامريكية ذاتها لادانة تلك السياسة ووضع العديد من المسؤولين الامريكيين السابقين والحاليين في قفص الاتهام مع الجنرال بينوشية, ليكونوا معه رفقة تؤنس وحدته في اقفاص الاتهام التي تنتظره في العديد من دول العالم الذين ينتمي ضحاياه الى جنسياتها. هذا التعتيم على بعض اجزاء تلك الوثائق الهدف منه حماية شخصيات امريكية مازالت على قيد الحياة لعبت دورا قذرا في هذا الانقلاب, ويمكن المطالبة بمحاكمتها الى جانب الجنرال, وبشكل خاص الرئيس الامريكي السابق نيكسون الذي قاد تلك المؤامرة الانقلابية بشكل مباشر, ووزير الخارجية السابق ومستشار الامن القومي الشهير (هنري كيسنيجر) , الذي اصبح عليه من الآن ان يحترس قبل السفر الى اوروبا لان بعض جماعات حقوق الانسان تطالب ايضا بمحاكمته كمسؤول عن الانقلاب التشيلي, كما تطالب بمحاكمته عن انقلاب التشيلي, كما تطالب بمحاكمته عن انقلابات اخرى في مناطق متفرقة من العالم. مسؤولية الرئيس نيكسون يمكن اثباتها دون حاجة الى الرجوع الى تلك الوثائق السرية, اذ يكفي العودة الى تصريحاته العلنية التي ادلى بها في هذا الشأن, او تلك التي اثبتها كيسينجر في كتبه على الرغم من عدم ذكره لكل الحقيقة. من الثابت مثلا انه عندما اعلن سلفادور الليندي عام 1969 عن ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة التي كان من المقرر ان تجرى في التشيلي عام 1970, فزعت الادارة الامريكية من امكانية فوزه وتنفيذ برنامجه الانتخابي, الذي يتضمن تأميم شركات النحاس الحيوية بالنسبة للاستراتيجية الامريكية في ذلك الوقت, وقال كيسينجر علنا: (لا اجد مبررا للبقاء ساكنين ازاء سقوط (التشيلي) في ايدي الشيوعية بسبب انعدام مسؤولية شعبها) , ولان كيسينجر قرر ان يفكر نيابة عن الشعب التشيلي, فقد وجه النصيحة الى رئيسه نيكسون, الذي امر بدوره المخابرات المركزية بانفاق عشرة ملايين دولار فورا لتدمير الاقتصاد التشيلي, واعاقة وصول سلفادور الليندي الى السلطة. وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها المخابرات الامريكية فاز الدكتور الليندي في الانتخابات ليكون اول رئيس اشتراكي للتشيلي, عندها جن جنون البيت الابيض, وبدأ تشكيل قيادة مشتركة للعمليات, شارك فيها الرئيس نيكسون وهنري كيسنيجر بشكل مباشر, وذلك للاعداد لتمويل وتنفيذ انقلاب عسكري للاطاحة بالرئيس الليندي وحكومته الشرعية. لكن ما ان نجح الانقلاب , ووصل الجنرال بينتوشية الى السلطة بعد تدمير قصر الرئاسة بقصفه بالطائرات ومصرع الرئيس الليندي بدأت عمليات ارهابية ضد المعارضة, وبدأت ممارسات الخطف والتعذيب والقتل والاعدام بلا محاكمة, وعندما ارسلت المخابرات الامريكية تقريرها الى البيت الابيض, لم تتحرك السلطات الامريكية لوقف هذه المذابح, بل اعتبرتها امرا مطلوبا لمنع عودة اليسار الى الحكم. بل وصل الامر الى حد تنفيذ عمليات ارهابية ضد المعارضين في الاراضي الامريكية نفسها, وجرى اغتيال المعارض التشيلي (اورولاندو ليتيليير) بسيارة مفخخة في قلب واشنطن عام 1976, وراح ضحية الحادث مساعدة المعارض الامريكية الجنسية (رومي موفيت) , واثبتت التحقيقات ان مخابرات التشيلي نفذت تلك العملية بأوامر شخصية من الجنرال بينوشية. اذا كان الجنرال بينوشيه معتقلا اليوم في لندن لمحاكمته عن تلك الجرائم, فان المسؤولين في البيت الابيض الذين وضعوه على رأس هذا الانقلاب متهمون ايضا بمسؤوليتهم عن تلك الجرائم نفسها, ان لم يكونوا كشركاء فهم مسؤولون بصمتهم. لا اعتقد ان الاعلان الامريكي الصادر على لسان وزيرة الخارجية الحالية ممكن التنفيذ, او تجرؤ الادارة الامريكية على وضعه موضع التنفيذ, بعد ان وقفت وبشدة ضد تشكيل (محكمة الجرائم الدولية) , لان افراجها عن وثائقها السرية سوف يضعها في قفص الاتهام مع الجنرال بينوشية, وربما يفتح عليها جبهات اخرى تطالب بمحاكمة امريكيين عن جرائم ارتكبوها في مناطق متعددة من العالم, مثل فيتنام ولاوس والسلفادور وكوبا ونيكاراجوا. يؤكد اعتقادنا هذا ان (ستارة الدخان) الامريكية اعقبها صمت مطبق, بينما لايزال الجنرال وحيدا في معتقله في لندن. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات