رئيسان.. وفضيحتان.. واستراتيجية ثابتة، شرفت يا نيكسون بابا !!بقلم: جلال عارف

قبل ما يقرب من ربع قرن جاء الرئيس الامريكي وقتها ريتشارد نيكسون الى المنطقة, حيث تم استقباله استقبال الفاتحين, وليعلن بدء عهد جديد تنفرد فيه الولايات المتحدة بالسيطرة على مقدرات المنطقة, ولينثر على العرب الوعود الجميلة بالسلام والرخاء والتقدم, ووسط حملة اعلامية لا مثيل لها في ذلك الوقت تم التركيز على مصر بالذات لتغير مسارها وليتم ضرب قوى التقدم والتيارات القومية ودعاة الاستقلال الحقيقي والوحدة العربية لمصلحة قوى اليمين وانصار الانعزال والمبهورين بالحلم الامريكي. ووسط الافراح والليالي الملاح والوعود والاحلام التي تم ترويجها, ارتفع صوت البسطاء بأغنيتهم القنبلة: شرفت يا نيكسون بابا يا بتاع الـ (ووترجيت) عملولك قيمة وسيما سلاطين الفول والزيت وغنى الناس مع الشيخ امام يومها كلمات الشاعر احمد فؤاد نجم التي هزمت الحصار المفروض على فنها لانها كانت تعبر عن رؤية تهزم خداع الاعلام ومحاولات تسويق الاحلام الكاذبة, وتعري محاولة الرئيس الامريكي الاسبق لتحقيق شيء في الشرق الاوسط ينقذه من فضيحة (ووترجيت) التي اودت به في النهاية, والتي كانت الصحف المصرية قد تلقت التعليمات بعدم نشراخبارها حتى لا تفسد المهرجان الذي اقيم لاستقبال الرئيس الامريكي المطارد في بلده. الآن.. يأتي كلينتون وهو يمر بفضيحة مماثلة ويبحث عن غطاء خارجي يتستر به وعن انتصار يبعد عنه خطر الاقالة او الاضطرار للاستقالة, ولكن ما ابعد الظروف في المنطقة بين الزيارتين!. زيارة نيكسون عام 1974 كانت بعد حرب اكتوبر وحالة من التوازن في القوى تسود المنطقة, والاتحاد السوفييتي ما زال موجوداً.. ومؤثراً ورحلة التسوية السياسية في أولها, وقرار السادات بالرهان على امريكا في بداياته, وكيسنجر ينسج الفخاخ للعالم العربي ويضع الخطوط الاساسية لسياسة تبديد القوة العربية في كل المجالات.. بعزل مصر عن عالمها العربي, واستنزاف قوى العرب في الحروب العربية العربية او المشاكل الداخلية, وافراغ سلاح البترول العربي الذي فاجأ العالم في 73 في قوته وحصار (الاوبيك) ومطاردة السوفييت واستئصال اي وجود لهم في المنطقة, وجعل الطريق الامريكي هو الطريق الوحيد الممكن امام العرب.. بالوعد او بالوعيد. وزيارة كلينتون تأتي والظروف قد تغيرت.. وامريكا هي المهيمنة على قواعد اللعبة في المنطقة.. وفي العالم. واللعب يتم بشروطها ووفقاً للقواعد التي تريدها, وموازين القوى في المنطقة قد اختلت ببشاعة لصالح العدو الاسرائيلي. ونصف العالم العربي تحت الحصار او مهدد به, والحلف الذي حقق النصر في اكتوبر تم ضربه والثورة العربية تم اجهاضها والثروة العربية يتم استنزافها, وحرب البترول كسبتها امريكا وحلف الدول الغنية المستهلكة الذي اقامته والذي نجح في ضرب اسعار البترول وتخفيضها للنصف على حساب المنتجين وأولهم العرب والقوات الامريكية ترابط في الخليج, والقواعد الامريكية العسكرية تنتشر على طول الارض العربية وتسوية الاوضاع في المنطقة تتم بما يرضي كافة الاطراف (الا العرب طبعاً) وبحيث تحقق ما تريده اسرائيل وما يتفق مع مصالح امريكا ومع قواعد النظام العالمي الجديد الذي لا مكان فيه للعرب الا على الهامش.. وبشرط ان يحسنوا السلوك ويقدموا البراهين على انهم تابوا وأنابوا عن اي احلام في الوحدة او التقدم او استعادة الحقوق والاقرار بأن (اللي راح راح يا قلبي شكوتك لله ... ولأمريكا !!) وهو ما سيقدم الرئيس الامريكي تدريباً عملياً عليه عند زيارته الميمونة لقطاع غزة حيث يشهد الاقرار الرسمي بالتنازل عن الحقوق الفلسطينية التاريخية مقابل الثمن الذي ترضاه امريكا ويوافق عليه خامات اسرائيل. قبل ربع قرن جاء نيكسون مطاردا بفضيحته ليتسلم الاقرار الرسمي بأن 99% من اوراق اللعبة في يد امريكا, ولتبدأ رحلة تصفية آثار حرب اكتوبر.. وبعد ربع قرن ورغم السطوة الامريكية في المنطقة والعالم.. تبدو الاوضاع مختلفة.. ورغم الضعف العربي فإن (اللعب على المكشوف) الذي اصبح شعار المرحلة قد كشف الكثير من الاوراق, وغير الكثير من المواقف, والذي كان مجرد احتمالات بكل ربع قرن تم وضعه موضع التطبيق ولأن امريكا تريد انهاء الوضع وفقا لرؤيتها, واسرائيل ترى الفرصة التاريخية مهيأة لتحقيق اهدافها في ظل التفوق الاستراتيجي الذي تتمتع به, فإن التضارب مع المصالح العربية اصبح هو السمة المميزة للتحركات الامريكية في المنطقة مهما كانت محاولات اخفاء الحقيقة او التحايل عليها والمقاومة العربية تولد وسط الضغوط الهائلة. ورحلة الرئيس الامريكي كلينتون تجسد معالم الصراع المقبل وتفتح العيون الى احتمالات المستقبل. قبل وصوله الى المنطقة سبقت كلينتون بعثة الى القاهرة لتواصل البحث فيما اسموه الحوار الاستراتيجي بين مصر وامريكا ونظرة فاحصة الى الورقة الامريكية التي تم تقديمها للحوار تؤكد ان امامنا الكثير من العقبات في العلاقات مع امريكا التي لم تعد تطيق ان تسمع كلمة (لا) بالعربية والتي تريد ان تجعل من الارض الفلسطينية تحت حكم المخابرات الامريكية نموذجاً قابلاً للامتداد الى غيرها من الارض العربية. المذكرة الامريكية تطلب من مصر تكوين مجموعة عمل مشتركة تهتم بمكافحة الارهاب على غرار ما يحدث في فلسطين المحتلة! وتطالب باغماض العيون عن تحركات اسرائيل العسكرية وتحالفاتها التي تبنيها في المنطقة مع تركيا او غيرها وتطالب بدعم التطبيع العربي مع اسرائيل, ومساندة السياسة الامريكية ضد العراق ومحاصرة الخلافات في موقف البلدين حول ليبيا. وتطالب المذكرة الامريكية باعادة الدفء الى العلاقات المصرية الاسرائيلية وعدم التعامل معها باعتبارها رحلة مؤقتة, وتوجه النظر الى ضرورة انهاء مقاطعة الرئيس مبارك لزيارة اسرائيل. وفي الوقت الذي تلوح فيه المذكرة ببعض التسهيلات الاقتصادية والاستثمارية الموعودة, فإنها تربط ذلك بتخلي مصر عن تزعم مجموعة الدول المعارضة للتمديد اللامحدود لمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية وكذلك بالتخلي عن سياسة الاحتفاظ بالصواريخ البالستية التي تعتبرها اسرائيل خطراً عليها. هذه هي الشروط الامريكية لتحسين العلاقات مع مصر تلك العلاقات التي شهدت في السنوات الاخيرة توترات كثيرة لا بد انها ستتصاعد في المستقبل بحكم تضارب المصالح والتوجهات فمكان مصر وفقاً للرؤية الامريكية الاستراتيجية جداً ان تكون بعيدة عن امتها العربية وان تنكفىء على نفسها وتتفرغ لمشاكلها التي ينبغي الا تنتهي ولذلك فأمريكا غاضبة من تمرد مصر على هذه الرؤية ومن موقفها المؤيد للمصالحة العربية ولرفع العقوبات عن شعب العراق وانهاء الحصار على ليبيا, وامريكا اشد غضباً من رفض مصر لمصيدة الشرق اوسطية تحت قيادة اسرائيل, ومن مساندة الفلسطينيين في الدفاع عن حقوقهم حتى ولو لم يعجب هذا الموقف بعض القيادات الفلسطينية نفسها(!!). والردود الامريكية على هذه المواقف وغيرها مستمرة من ضرب السياحة الى تحريك جماعات التطرف التي تدعي الاسلام الى الحصار الاقتصادي الى محاولة زرع الفتنة الطائفية, وما زال في الجعبة الامريكية الكثير.. لمصر ولأي طرف عربي يرفض الدخول في بيت الطاعة. الامريكية! قبل ربع قرن جاء نيكسون الى المنطقة وسط حملة اعلامية عاتية عن احلام السلام الامريكي والرخاء المنتظر للعرب.. الآن يأتي كلينتون وقد تحول الحلم الى كابوس والرخاء الى وهم. قبل ربع قرن كانت مدافع اكتوبر ما زالت ساخنة, وكانت اسلحة العرب العسكرية والسياسية والاقتصادية ما زالت تعمل بكفاءة, وكنا نتحدث بثقة عن الحل العادل الشامل. والآن يأتي كلينتون ليشهد تجريد الفلسطينيين من الميثاق السياسي بعد ان تم تجريدهم من السلاح! قبل ربع قرن جاء نيكسون ليحقق التسوية السلمية المنتظرة, والتي بدأت بالحديث عن سلام الاقوياء وقرارات الشرعية الدولية, وانتهت بسلام الامر الواقع, والآن يأتي كلينتون والشرعية الدولية لا تنطبق الا على العراق, والسلام العادل تحول الى سلام الشجعان اياه, والذي يتحول بدوره الآن الى مجرد .. السلام عليكم, عليكم السلام! والهدف الاستراتيجي الامريكي واحد لم يتغير منذ الحرب العالمية الثانية, وهو ان ترث الولايات المتحدة الامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية وتسيطر وحدها على شؤون المنطقة. قد تتغير التكتيكات وفقاً للظروف وقد تتبدل الاساليب لكن الهدف لم يضع ابداً من صناع السياسة الامريكية ومن الاحلاف العسكرية في الخمسينات الى التآمر في الستينات الى الاغراء في السبعينات الى العدوان والحصار والتواجد العسكري المباشر بعد ذلك, ومن معاهدات الصداقة الى كامب ديفيد الى اوسلو وتوابعها.. لم يتغير شيء في الهدف الامريكي فقط.. الآن اللعب على المكشوف, وعندما يجيء كلينتون هذه المرة فإنه يجيء الى ارض تشرف عليها المخابرات الامريكية علناً وعلى رؤوس الاشهاد. اما نحن فقد عثرنا على الهدف ذات يوم ثم ضاع منا, ومن يومها ونحن نعيش مرحلة رد الفعل ونفقد كل يوم موقعاً من معركتنا من اجل الاستقلال الحقيقي والتنمية والتقدم ومع ذلك فليست الصورة سوداء تماماً, وما زالت المقاومة مستمرة, وهذا ما يقلق الاعداء الى حد كبير, فتزداد الضغوط ويشتد الحصار لانهم يرون انهم امام فرصة تاريخية لاستغلال الضعف العربي, وتحقيق اهدافهم النهائية, وهذه هي المعركة الحقيقية المفروضة على الجميع الآن. وسوف يأتي كلينتون, وسوف تقام الاحتفالات والمهرجانات, وسوف يحصل على المزيد من التنازلات (ليس من الاسرائيليين بالطبع) وربما ينجح في تخطي فضيحته او لا ينجح. المهم ان ينجح العرب في تخطي ازمتهم وان يتوقف مسلسل التنازلات المجانية, وأن يتوقف البعض عن بيع المستقبل مقابل وعود زائفة بدخول الجنة الامريكية, وان تظل شعلة المقاومة مستمرة حتى لو تنازل من لا يملك لمن لا يستحق عشرات المرات. و.. شرفت يا (نيكسون) بابا!! واي نيكسون تطارده الفضيحة ويريد من العرب ــ كالعادة ــ ان يدفعوا الثمن لجرائم ارتكبها غيرهم!!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات