يتحصن الانسان في مجتمعات الطغيان ضد الاختلاف, ويذهب بعيدا الى حيث مناطق اللون الواحد والرأي الواحد, حيث يعتقد كثير من البشر ان فردوس العقل في برد الاتفاق, وان الشقاء لايصنعه سوى التقاط الجمرات من ارض الافكار المتباينه . في العاشر من ديسمبر احتفل العالم باليوبيل الذهبي لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان, الصادر عام 1948. اليوم وبعد خمسين عاما نستطيع ان نقول ان لغة سياسية واحدة تقريبا فرضت نفسها على هذا العالم قوامها حقوق الانسان, فما عادت سلطة او نظام مهما بلغ طغيانه ان يمارس هذا الطغيان ضد الشعوب وضد الحريات, دون ان يورط نفسه جهارا في (فضيحة عالمية واتهام دولي) بغض النظر عن حجم ما يمكن ان يخسره جراء هذا الاعتداء, ومدى فعالية الاجهزة القائمة على أمر حقوق الانسان. المهرجانات الخطابية الفارغة التي تحاول ان تثبت تعاطينا الحضاري مع موضوع حقوق الانسان, تثبت دون ان تدري ان هذا التعاطي يمعن في السالب القائم على ممارسات المصادرة والاضطهاد والقمع والدفع الضاغط نحو الهروب واللجوء والهجرة, المهرجانات العربية لمنظمات حقوق الانسان العربية (أكليشيه) لا اكثر وديكور مكمل لشكل الدولة التي نعتقد اننا كونّاها وتوصلنا الى حقيقة نسيجها وبنائها, بينما لم نغادر في الحقيقة تخوم القبيلة ومضارب بني...! وعليه فإن السؤال هنا يغدو مشروعا: لماذا يبحث الناشطون العرب وغير العرب احيانا وكذلك جمعيات حقوق الانسان في معالجة النتيجة, دون ادنى قدرة أو جرأة على ولوج حقل الالغام المتمثل في السبب! بمعنى ان النضال ينحصر في المطالبة باطلاق سراح السجناء السياسيين مثلا, دون أية محاولة تبذل لمساءلة الواقع الذي قاد هؤلاء للسجن. في المشهد العام لحقوق الانسان تبرز المفاصل الاكثر أهمية: حق الحياة, حق العمل, حق الحرية, وهي حقوق لايمكن تجزئتها, كما لا يمكن تأجيل بعضها لحين الانتهاء من تفعيل البعض الآخر, فالحياة لاتحتمل بدون عمل أو انتاج, واي عمل لا يزدهر بلا حرية, والحرية هي تاج الحياة وزهرة الروح التي لا تعرف قانون الذبول مطلقا. ان 63 دولة في العالم تسجن خصومها السياسيين ممن يعرفون بسجناء الرأي, وقد ثبت لمنظمات حقوق الانسان وجود مليون ونصف مليون سجين في العالم بسبب انتقاداتهم للحكومات او بسبب الدفاع عن حقوق الانسان!, اضافة الى (15) مليون لاجىء لاسباب سياسية, كما ان اكثر من (80%) من سكان العالم يرزحون تحت حكم انظمة قمعية تمارس درجات متفاوتة من الاعتداء على الحريات. في ظل حقائق تتناقض مع كرنفالات الاحتفال باعلان حقوق الانسان يحق لنا ان نتساءل: أي انظمة ضمنت لنفسها البقاء وهي تدفع مواطنيها باتجاه الانفجار عن طريق مصادرة حقوقهم؟ فهل تعاني الانظمة من غباء انساني سياسي؟ ام ان الطغيان لايرى أبعد من أنفه؟ تريد الانظمة المتحصنة بالطغيان, ان تضمن مكتسبات السلطة والكراسي الوثيرة, وترى في الرأي الآخر الخطوة الاولى في مشروع سحب البساط, ولذلك فإن عمى الالوان يدفعها الى الشراسة ضد هذا الرأي, حيث تأخذ الشراسة هنا اشكالا تتفاوت بين الحصار والاعتقال والتعذيب والنفي والسجن وتضييق سبل الحياة و... الخ. وتجد بعض الانظمة في وسائل الاعلام ومناهج التعليم وسيلة (ناعمة) ومبهمة للآخرين, فتروج لطغيانها عن طريق هذه القنوات, مقدمة للمجتمع نسخا تؤمن بما تريده هي, مستفيدة من مبدأ, إكذب, إكذب, إكذب حتى يصدقك الناس؟! وعليه فلن نلعب دورا في حضارة هذه الحياة طالما كان لدينا هذا الاصرار الاحمق على ان يكون الجميع نسخا يرددون نفس الكلمات ويتداولون الحياة من وجهة تسلطية قاصرة.