في اطلاقه للتصريح الناري الذي قال فيه ان بنادق الفلسطينيين سوف تشرع في وجه أي اسرائيلي سيسعى لصدهم عن الوصول إلى المسجد الأقصى , ثم في تراجعه عن هذا التصريح يبدو الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات كمن تعلم أخيرا التكتيك الاسرائيلي. هذا التكتيك الذي يقوم على ابقاء المطالب والتطلعات حية عبر استثارتها في كل مرة بالتصريحات والاشارات الدالة والموحية. ثم يجري قياس ردود الفعل عليها بدقة محسوبة, فإن صادف ان أغضبت أو استفزت الطرف الآخر جرى التراجع عنها واعتبارها زلة لسان لم تكن مقصودة, أما إذا صادفت تجاهلا أو تغافلا أو عدم اكتراث كبير, يتم البناء عليها وتوسيع محتواها ومحاولة انزالها بقدر غير قليل من الحذر إلى أرض الواقع. هذا البالون الاختباري ليس مقصودا لذاته, وإنما لما سينتجه على الأرض من مواقف وردود فعل يمكن قياسها وأخذها في عين الاعتبار عندما تحين ساعة التنفيذ الفعلي للسياسات والخطط. انها جزء من ميكانيزم التعرف على الطرف الآخر, أفكاره, نظراته, استعداده للتعامل مع الموقف, المدى الذي سيبلغه في الرد على ما يصدر من آراء ومواقف. ثمة وظيفة أخرى لهذا التكتيك, وهي ارباك الخصم وزرع التناقضات في صفوفه واغراقه في محيط ردود الفعل, حتى إذا تنبه إلى جوهر اللعبة, يكون قد ارتكب من الحماقات وافسد من العلاقات والمواقف الشيء الكثير, هذا في حين يبقى الطرف الآخر مستمتعا وممسكا بدقة بالموقف. اسرائيل ظلت على الدوام تفعل هذا بالفلسطينيين كما بالعرب, وخلال السنوات الخمس الماضية منذ اتفاق أوسلو وحتى الآن شهدنا كما هائلا من هذا النوع من الصنعة الإعلامية والسياسية التي تبدأ بتصريح ناري اسرائيلي, ينشغل به الفلسطينيون ويتوزعون على أساس التعامل معه فرقا وأحزابا. لكن جاء الوقت الذي يتعلم فيه الفلسطينيون هذا التكتيك الاسرائيلي, فيشرعون بدورهم في اطلاق بالونات الاختبار عبر مواقف وتصريحات جريئة كما فعل عرفات مؤخرا حول القدس و(البنادق المشرعة) . وفعلا التقط الاسرائيليون الخيط وهدد رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو بتعليق أو تجميد العمل باتفاق واي بلانتيشن وتراجع عرفات عن تصريحاته, وبدأ الاسرائيليون يفكرون في الأمور على نحو جدي والاسراع في حسمها. جوهر الأمر في هذا الموقف هو ان اسرائيل كانت تتردد حتى الآن في تنفيذ الاتفاق المذكور, متذرعة في كل مرة ببعض الحجج الواهية. غير ان تصريح عرفات جعلها تقلع عن هذا التذرع وتسرع في اتخاذ الخطوات العملية لتنفيذ الانسحاب من الضفة, لأن اتهام الآخر بالتنصل من تنفيذ الاتفاق يستلزم معه في الوقت نفسه جدية واصرارا على التنفيذ من جانب الطرف الأول, إذ لا يعقل ان يتساوى الطرفان المتهَم والمتهِم. اذ حينها يبطل الاتهام من الأساس, فلابد ان يتميز أحدهما بشيء وهو في هذه الحالة الصدق في التنفيذ. ينطبق الأمر نفسه أيضا على موضوع الدولة الفلسطينية, فالملاحظ ان الجانب الفلسطيني يصر باستمرار على التذكير بعزمه على اقامة الدولة المستقلة كخاتمة لنضال الشعب الفلسطيني. وفي المقابل يصر الاسرائيليون على عدم الانسحاب من الأراضي المحتلة أو اعادة احتلال تلك التي انسحبوا منها. وكما يدرك الفلسطينيون, تدرك اسرائيل أىضا ان هذه الدولة سوف تقوم في نهاية المطاف, لأن الأساس العملي الذي تقوم عليه الاتفاقات السلمية الحالية يقود إلى ذلك. بيد ان الاقرار بهذا الأمر أو الموافقة عليه منذ الآن يفقد الاسرائيليين ورقة ظلوا يساومون بها وعليها حتى الآن, نقصد مصير المستوطنات وحدود الدولة وقضايا اللاجئين إلخ. على أية حال يمكن القول بأن الفلسطينيين قد استوعبوا وفهموا تماما كيف يفكر الاسرائيليون, وكيف يتعاملون مع العملية السلمية. فلم تعد تخيفهم التصريحات التي يتبرع بها في كل مرة وزير الخارجية شارون أو رئيس الوزراء نتانياهو والهادفة إلى اختبار صبرهم وطاقتهم على التحمل. وما نجاحهم في الوصول إلى اتفاق واي بلانتيشن ثم في تنفيذه الآن سوى دليل على ذلك الاستيعاب والفهم, على الرغم من ان الحكومة الاسرائيلية الحالية هي الأكثر يمينية وتشددا في اسرائيل منذ عقود. بل كان مجيؤها عنوانا لمرحلة اللاسلم والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. ولعلنا نتذكر جميعا كيف ان شعار نتانياهو في حملته الانتخابية كان يتمحور حول عدم الانسحاب من أي أرض فلسطينية واسقاط اتفاق اوسلو. ثم لما وصل إلى الحكم اصبح شعاره القليل من الأرض مع الكثير من الضمانات الأمنية. مع ذلك اضطرت الحكومة الحالية إلى الاعتراف باوسلو ثم التفاوض مع الفلسطينيين على تنفيذ المراحل المتأخرة منه, والخاصة بالانسحاب من أكثر من أربعين في المائة من مساحة الضفة, ثم بدء المفاوضات النهائية حول مستقبل الأراضي الفلسطينية. بالطبع لا يعني ذلك ان الفلسطينيين قد تمكنوا من حل كل العقبات والاشكاليات التي يثيرها الطرف الاسرائيلي من حين لآخر, الصحيح انه ينتظرهم المزيد من هذه العقبات. وستكون مفاوضات الحل النهائي شاقة وصعبة بالقياس إلى حساسية وضخامة الملفات التي سوف تتناولها كالقدس والحدود الفلسطينية والمياه واللاجئين والسيادة والأمن إلخ. لكن في تصوري فإن الجانب الفلسطيني اكتسب خبرة مهمة طوال السنوات الخمس الماضية في التعامل مع الاسرائيليين, سواء بالنسبة للمفاوضات وادارة العملية السياسية أو بالنسبة للأزمات. وعلى الرغم من المساوئ التي حفلت بها حكومة الليكود برئاسة نتانياهو, إلا انها أضافت جديدا للتجربة الفلسطينية, من خلال التنوع في التعامل والممارسة السياسية التفاوضية. فالواقع ان اسرائيل ليست هي حزب العمل أو حزب ميريتس فقط, ان بها كذلك أحزابا يمينية بعضها عنصري ومعاد للعرب حتى النخاع, وبعضها الآخر أصولي التوجه والعقيدة, وبعضها الثالث يجمع بين هذا وذاك مع براجماتية شديدة. ومن المهم التعامل مع جميع هؤلاء والتعرف على أفكارهم وتصوراتهم عن قرب ومن ثم الالمام بالطريقة التي يعالجون بها القضايا المطروحة في اطار عملية السلام. والنقطة الجديدة التي تم اكتسابها هي دفع اليمين الاسرائيلي للاعتراف بالاتفاقيات السلمية, ومجازا يمكن القول انه تم ضمان موافقة أغلبية من الشعب الاسرائيلي على هذه الاتفاقات. صحيح ان أقل من نصف عدد تحالف الليكود لم يصوت لصالح اتفاق واي بلانتيشن في الكنيست الاسرائيلي بما في ذلك سبعة وزراء من حكومة نتانياهو. غير ان هذا الانقسام في صفوف اليمين الاسرائيلي, ودفع الليكود للاقتراب أكثر من مواقع حزب العمل, وليس حدوث العكس, يعتبر في حد ذاته أحد مكاسب الفلسطينيين. ويبدو لي ان معركة المفاوضات النهائية سوف تحدث قدرا أكبر من التغيير والاصطفاف داخل الحياة السياسية الاسرائيلية, دون التقليل أيضا من المخاطر العكسية الناتجة عن استشراس اليمين المتطرف ورأس حربته المستوطنين اليهود. هؤلاء الذين يتصرفون الآن مثل الأسد الجريح الذي يبحث عن الانتقام, بعد خسارتهم معركة اتفاق واي بلانتيشن, هؤلاء قد ينجحون في تجميع صفوفهم وتعقيد تلك المعرفة أمام المفاوض الفلسطيني. كاتب وصحافي بحريني