على هامش النقاش حول الميثاق الوطني الفلسطيني:بقلم-ماجد كيالي

برز موضوع (الميثاق الوطني الفلسطيني) , باعتباره من القضايا التي تبرز من خلالها الحكومة الاسرائيلية تملصها من التعهدات التي قطعتها على نفسها في الاتفاقات المبرمة بينها وبين الفلسطينيين. وفي المفاوضات التي جرت في (واي بلانتيشن) ربطت اسرائيل تنفيذها الاستحقاقات المتعلقة باعادة الانتشار في اجزاء من الاراضي الفلسطينية, بقيام الفلسطينيين بتنفيذ عدد من الاستحقاقات التي من ابرزها الغاء وتعديل معظم بنود الميثاق (28 مادة من 33 مادة). وقد أعرب الطرف الفلسطيني عن التزامه بهذا الموضوع بالرغم من انه يرى ان هذه العملية قد تمت في الجلسة التي عقدها المجلس الوطني الفلسطيني, في مدينة غزة, يوم 24/4/1996, حيث اصدر قرارا يتضمن تعديل الميثاق الوطني والغاء المواد التي تتعارض مع اتفاقات اوسلو, ففي حينه كلف المجلس, اللجنة القانونية, باعادة صياغة الميثاق وعرضه على المجلس المركزي في اول اجتماع له. كما تم التأكيد على تلك الاجراءات في الرسالة التي سلمها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى الرئيس كلينتون خلال اجتماعهما في واشنطن, يوم 22/11/1998. وأفاد عرفات في رسالته ان ما ألغي من الميثاق هي المواد 6 حتى 10 و15 و19 حتى 23 و30. اما تلك التي حذفت منها (مقاطع) المواد 1 حتى 5 و11 حتى 14 و16 حتى 18 و25 حتى 27 و29. بكل الاحوال, ثمة اشكاليات عديدة تجاه اية مقاربة لموضوع (الميثاق الوطني الفلسطيني) في هذه المرحلة. الاشكالية الاولى تنبع من ضرورة المراجعة التي تفرضها التطورات والمتغيرات الموضوعية, سواء منها المحيطة بأوضاع الشعب الفلسطيني, ومستوى تطور حركته الوطنية, او تلك المتعلقة بشكل تجلي المشروع الصهيوني, بعد نصف قرن على قيام دولة اسرائيلي, من النواحي: السياسية والمجتمعية والاقتصادية. في هذه الحالة تبدو المراجعة, مسألة ضرورية تفرضها حالات التطور الطبيعي. اي انها في هذه الحالة نتاج تعبير ذاتي عن تطور الفكر السياسي الفلسطيني للتعاطي مع التطورات الحاصلة. الاشكالية الثانية تتعلق بضغط الواقع السياسي الراهن المتمثل باستحقاقات عملية التسوية, والتي بات من شروطها المعروفة قيام الفلسطينيين بالغاء بنود الميثاق, بما يتناسب وتعهدات السلطة الفلسطينية في الاتفاقيات التي وقعتها مع اسرائيل. في هذه الحالة فإن عملية المراجعة تبدو عملية قسرية تستهدف تشويه الفكر السياسي الفلسطيني, وامتهان السلطة الفلسطينية, واجبار الفلسطينيين على الاقرار بهزيمتهم وانكسارهم امام الاملاءات الاسرائيلية. اما الاشكالية الثالثة, فهي تحيل هذا الموضوع على مستوى تطور الحالة السياسية الفلسطينية, وبالتالي تحيل على مسألة التعددية والديمقراطية وطريقة اتخاذ القرارات في الساحة الفلسطينية. وفي هذه الحالة يظهر النظام الفلسطيني في حالة بائسة, من جهة ادارة السلطة لعملية المراجعة التي تجعل منها مجرد استجابة للمتطلبات الاسرائيلية, في حين انها تحاول تمرير هذا الاستحقاق بطريقة تسلطية وقسرية, بعيدا عن معايير التعددية والاصول الديمقراطية. هذا من جهة السلطة اما من جهة المعارضة فإن الفوضى السياسية السائدة في الساحة الفلسطينية, تنسحب عليه ايضا, فهذه المعارضة التي باتت تقدس الميثاق الوطني الفلسطيني, لا تفعل ذلك من باب اقتناعها بالميثاق بقدر ما تفعله من باب اعتباره ورقة من أوراق صراعها ضد السلطة. ففي حقيقة الامر فإن الفصائل الفلسطينية لم تتعاط مع الميثاق باعتباره وثيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها, فهو ظل في دائرة النسيان ردحا طويلا من الزمن لدى عديد من الفصائل التي اعتبرته مجرد ديكور في منظمة التحرير الفلسطينية, وهي لم تدرجه في برامجها التثقيفية الداخلية ولا في ادبياتها الاعلامية. ومن جهة اخرى ثمة فصائل تبنت ما يتجاوز هذا الميثاق. والسلطة الفلسطينية تستند في محاولاتها الى تعديل الميثاق وتجاوزه الى هذه الحقائق. وعلى وجه التحديد فإن قرارات المجالس الوطنية السابقة, من الدورة الثانية عشرة لعام (1974) الى الدورة العشرين لعام (1991) تجاوزت الميثاق عنوة, حيث تم تبني برنامج النقاط العشر, أو ما سمي فيما بعد (البرنامج المرحلي) وكذلك تم تبني (وثيقة اعلان الاستقلال) الفلسطيني (د/19/1988) وهذه القرارات والوثائق أشارت, وإن بشكل غير مباشر إلى موافقة المجلس الوطني على قيام دولتين لشعبين على أساس القرارات (181) و(242) و(338) الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي, وهذا يخالف بشكل صريح بنود الميثاق التي ترفض القرارات الدولية التي تتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه فلسطين. ولابد من التنويه الى أن هذه القرارات مرت بموافقة الأغلبية من أعضاء المجالس الوطنية, وبموافقة الفصائل الفلسطينية, وهذا يعني أن أي تعديلات لها سند شرعي في قرارات المجالس الوطنية, من وجهة نظر القيادة الفلسطينية وبحسب طريقتها المعروفة في العمل. وهكذا فالمسألة المطروحة الآن بالنسبة لتعديل الميثاق, تضيف مشكلة كبيرة الى العمل الفلسطيني, فمن جهة أولى ثمة ضرورة طبيعية لتعديل الميثاق, على قاعدة تطويره بما يتناسب وتطور الحالة السياسية الفلسطينية, والفكر السياسي, ومن جهة ثانية فإن هذه الضرورة تصطدم باستحقاقات السلطة الفلسطينية, وبإملاءات عملية التسوية, وبأسلوب إدارة السلطة, وبالعلاقات المتردية في الساحة الفلسطينية, وعليه فإن المسألة المطروحة الآن ليست مجرد عملية تعديل للميثاق, وإنما هي عملية تطويع للفكر السياسي الفلسطيني للاملاءات الاسرائيلية. فهذا التعديل لا يعبر عن رغبة ذاتية نابعة من تطور بالفكر السياسي, او من تقدم حاصل في العملية الوطنية الفلسطينية, ولا بسبب تراجع اسرائيل عن بعض مواقفها, وانما التعديل (التغيير) المطلوب هو نتيجة رغبة اسرائيلية بحتة بامتهان السلطة الفلسطينية والنيل من كرامة الفلسطينيين. واسرائيل التي تعتبر نفسها منتصرة, تحاول فرض شروطها على من تعتبرهم مهزومين, ومن ضمن ذلك فرض قراءتها للجغرافيا والتاريخ ولطبيعة الصراع على الطرف الفلسطيني, وهذا هو مغزى الضغط من اجل الغاء وتعديل بعض فقرات الميثاق, بحجة نشر ما يسمى (ثقافة السلام) . من الصعب في هذه الظروف الحديث عن امكانية انتاج (ميثاق وطني فلسطيني) جديد يعبر عن تطورات الساحة الفلسطينية, ويجيب عن اسئلة العمل الوطني الفلسطيني واستحقاقاته على ضوء مجمل المتغيرات الدولية والاقليمية, وعلى ضوء الحقائق الجديدة في العملية الصراعية بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني, وعلى الصعيد العربي. والمشكلة ان الفلسطينيين في ظل اوضاعهم المتردية هم بحاجة ماسة, في هذه المرحلة, لميثاق يوحدهم ويشكل قاسما مشتركا لهم, خاصة وانهم سيواجهون قريبا استحقاقات المفاوضات على قضايا المرحلة النهائىة التي تتعلق بمستقبل: القدس, اللاجئين, المستوطنات, الحدود, وغير ذلك من القضايا السيادية. ومع كل ذلك لابد من الشروع في مراجعة وطنية نقدية شاملة للفكر السياسي ولمختلف جوانب العمل الوطني الفلسطيني, لاعادة تنظيم اوضاعه على اسس جديدة, وعلى قاعدة التعددية, والديمقراطية, وضمان استمرار العمل لاستعادة الحقوق الفلسطينية. المشكلة ايضا ان الاسرائيليين يقومون من جهتهم بمراجعة اضطرارية للمنطلقات الصهيونية, ولكن الفارق كبير ونوعي بين المراجعتين, فالفرق هنا يتعلق بمراجعة يجريها الطرف القوي, ومراجعة تفرض على الطرف الضعيف, كما يتعلق بأهداف المراجعة, وطريقة التفاعل الداخلي بشأنها, وبالمحصلة الفرق يكمن بمن يدفع الثمن الاكبر لهذه المراجعة. نعم, من الضروري عقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني, بل من الضروري عقد اجتماعات فلسطينية موسعة ومتخصصة, ولكن ليس من اجل الغاء او تعديل بعض بنود الميثاق الوطني, وانما من اجل مراجعة المسيرة السياسية, وإعادة تنظيم البيت الفلسطيني على اسس جديدة, على قاعدة الاعتراف بالتعددية والتنوع والحق في الاختلاف في اطار الوحدة. المطلوب عقد مجلس وطني يكرس دوره كمرجعية عليا للسلطة الفلسطينية, ويعزز مكانته التمثيلية كموحد للشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده, ويعمل على ايجاد مرجعية لمفاوضات المرحلة النهائىة, مجلس وطني لتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ولضمان استمرار مسيرة النضال لاستعادة الحقوق الفلسطينية, وليس لمناقشة التعديلات المطلوبة فقط, فهذه آخر القضايا التي يجب مناقشتها واتخاذ الموقف الصحيح بشأنها. كاتب فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات