اصدرت قمة مجلس التعاون التي عقدت في ابوظبي في الاسبوع الماضي بيانا في ختام جلساتها, هذا البيان ليس للقراءة فقط وانما ايضا للتحليل والمتابعة , وقد تطرق البيان للعديد من القضايا التي ربما اصبحت كلاسيكية في شكلها الخارجي, ولكن اللافت ان بعضها قد اخذ صيغة جديدة او توجه نحو اهتمام جديد ان لم يكن في صلب البيان ففي الخطب التي صاحبته, او التصريحات التي سبقته. من هذه القضايا قضيتان ارى ان الاهتمام بهما قد اخذ حقه في متن البيان كما اخذ حقه في التصريحات المصاحبة, وارى ان النقاش حول هاتين القضيتين واجب ملح فهما قضيتان ينبغي ان تؤخذا بالجدية التي تستحقانها. القضية الاولى والاهم هي القضية الاقتصادية, معضلاتها وطرق التغلب عليها في بيئة الخليج الاقتصادية, ولقد تصدى الامير عبدالله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي في كلمته الافتتاحية ليؤكد مايعرفه الجميع, وهو ان عصر النفط والرفاه قد ولى, وقد اراد بذلك قرع جرس قوي والتنبيه لما هو قائم وقادم, ولما قد تداوله الاكاديميون والاقتصاديون المهتمون بشؤون الخليج منذ فترة خلف ابواب مغلقة, واهمية القول تأتي من اهمية صاحبه ومستوى البيئة السياسية التي قيل فيها وهي اجتماع القمة, ولقد اشار الى القضية الاقتصادية بانها (اكثر التحديات الحاحا) امامنا, وهي كذلك بالطبع. ملخص القضية الاقتصادية الاكثر الحاحا في الخليج هو تدهور اسعار النفط في السوق العالمي, وهو قضية ليست من الموضوعات الاقتصادية الكلاسيكية التي يمكن ببضع خطوات تصحيحية التغلب عليها, لان تدهور اسعار النفط هو نتيجة وليس سببا بذاته, وهو قضية مركبة ايضا وليست بسيطة. يعلم الاقتصاديون ان الاقتصاد له عناصر معروفة تزيد مؤشراتها في بعض الاوقات نظريا او تنقص, ولكن في المجمل فانه فيما بعد الحرب العالمية الثانية اصطلح على ان هناك ما يسمى بالاقتصاد العيني ( وهو مجمل مايعرف بالانتاج والتصدير والتقدم التقني والمعرفي) والاقتصاد المالي (اسواق العملات والتجارة في الاسهم والسندات وغيرهما) ونتيجة لعدد من التغيرات التقنية والديموغرافية العالمية, اصبح للاقتصاد المالي اولوية في السنوات الاخيرة, ونتيجة لهشاشة وضعف الرقابة على هذا القطاع الاقتصادي العالمي اصيبت الاسواق في الدول النامية اولا ثم لحقتها الدول الصناعية - الى حد ما - بالتدهور والكساد, ولان هذه الدول - نمور صغيرة, او (اقتصاد نام في قلب النظام الغربي او على هامشه - تعتمد في توسع اقتصادها على استهلاك النفط ومشتقاته, وحيث ان الطلب عليه قد تراجع نتيجة ما حصل في قطاعي الاقتصاد المالي والعيني في هذه الدول, وما رافقهما من حالة انكماش اقتصادي شبه عالمي, نقص الطلب على هذه المادة فتدهورت اسعار النفط لغلبة العرض على الطلب العالمي. المشكلة المطروحة امام متخذي القرار في الخليج هي ان حلول المشكلات التي تواجه الاقتصاد العالمي العيني او المالي معروفة او شبه معروفة علميا, وهي تحتاج الى مجموعة من الخطوات الاقتصادية المؤدية في مجملها لشد الاحزمة على البطون, ولكن هذا الشد في تلك الاصقاع (النامية) والمضطربة اقتصاديا سوف يؤثر مرة اخرى بالسلب على اسعار النفط ويزيد من انكماش الاقتصاد في الخليج, وكأن الدواء الذي يؤخذ هناك هو جزء من اسباب المرض هنا. حقيقة الامر ان تدهور اسعار النفط, - وان لم يحصل من قبل بهذه السرعة وبهذا الانخفاض الحاد - قد حصل في السابق, وفي كل مرة تبرز الازمة الاقتصادية ينذر الخليجيون بشد الاحزمة عندهم, ولكن سرعان ما تعود من جديد اسعار النفط فترتفع, وقد تكرر الامر الى درجة ان اشد المتشائمين بدأوا يراهنون على ان هذا النوع من الانخفاض والارتفاع هو دوري ومتوقع, بجانب انه في السابق لم تتأثر الاستثمارات الخارجية لدول وافراد في الخليج لان الاسواق الاخرى العقارية او المالية الدولية لم تكن قد تأثرت كما تأثرت اليوم, لكن اليوم هناك ازمة مزدوجة هي انخفاض حاد في الاقتصاد العيني وكذلك الاقتصاد المالي الدولي, اثرت في كل من اسعار النفط من جهة وكذلك في قطاعات الاستثمار الخليجية الاخرى من جهة ثانية, وقد كانت الاخيرة تقدم بعض الدعم من ريعها للخزينة العامة, فأصبحت الازمة الاقتصادية في الخليج برأسين لا رأسا واحد. قلت ان طرق حل الازمة في اقتصاد المال من جهة والاقتصاد العيني من جهة اخرى معروفة, أو بعضها معروف ومجرب عالميا, اما التدهور في اسعار سلعة حيوية مثل النفط الذي تعيش عليه ميزانيات دول الخليج مباشرة أو غير مباشرة فذلك يحتاج إلى اعمال الفكر, ولم يكن بيان قادة دول مجلس التعاون خاليا من التفكير في بعض الحلول, ولكنها حلول ذات اتجاهين, الاول هو اقرب إلى التمنيات ويحتاج إلى جهد سياسي وتنسيق عالي المستوى ليتحقق, والاتجاه الثاني من الحلول هو من (المقدور عليه اقليميا) . وبين التوجه الاول والتوجه الثاني تجري المناقشة. من هذه الحلول في التوجه الاول الاشارة إلى استعداد لتخفيض المعروض من النفط في السوق العالمي (إن التزمت الدول الاخرى بتعهداتها) , وهذا يتطلب عملا سياسيا ومتابعة اقتصادية جماعية حميمة, والسؤال هو: هل لدى دول مجلس التعاون (الأداة) لهذه المتابعة؟, فقد كان من الممكن البحث عن اداة تضمن في الاعلان النهائي كأن يعلن عن اجتماع مفتوح لوزراء النفط في هذه الدول وتفويضهم بالمتابعة الحثيثة لامر جلل مثل هذا, وكهذه الاشارة تأتي الاشارة الثانية في التوجه الاول وهي الداعية إلى (تكليف لجنتي التعاون البترولي والتعاون التجاري في المجلس) ان تدرسا جدوى تضمين النفط ضمن المنتجات القطاعية التي تلتزم بها الدول بالاعفاء التام من الرسوم الجمركية, هاتان المحاولتان تحتاجان إلى آلية تتابع وتقيم, وهما على كل حال من الحلول طويلة الامد والخارجة جزئيا عن مطلق قبضة اليد. من الحلول المقدمة في البيان الختامي ذات العلاقة بالتوجه الثاني والعملي ايضا في الوقت نفسه, عملية دعم التعاون الاقتصادي المشترك بين الدول الاعضاء, ومن جملته اتخاذ خطوات لدعم القطاع الصناعي وفتح السوق الخليجي على بعضه في القطاعين الاستثماري والبشري, مثل هذه الخطوات هي داخلة في حيز الممكن بين الدول الاعضاء والقادرة جزئيا على تخفيف آثار تراجع اسعار النفط, وكما قال الامير عبدالله في خطابه إلى القمة: إن المرحلة الاقتصادية في الخليج اليوم هي مرحلة (أزمة) وفي غابة الاقتصاد الدولي لا يمكن ان يصمد إلا (اقتصاد خليجي موحد) . القضية الثانية ذات الاهمية هي القضية الامنية, واهميتها نابعة ليس من ذاتها فقط ولكن ايضا من علاقاتها بالاقتصاد, فمصادر التهديد لدول الخليج المباشرة وغير المباشرة عديدة, وهناك اجتهادات متفاوتة في اولوية هذا التهديد, ولكن التهديد الاكبر والمرتبط بالامن هو التهديد القادم من النظام العراقي, لا لانه تهديد عسكري, ولكن ايضا لانه تهديد اقتصادي, فمن المعروف الان ان استنزاف ثروة الخليج واضعاف قوتها الاقتصادية التفاوضية, جاء جزئيا من المغامرات التي ارتكبها هذا النظام, اولا مع جيرانه في الجنوب الشرقي (ايران) ثم مع جيرانه العرب (الكويت والخليج) . من جراء هذه المغامرات فقدت المنطقة اكثر من عنصر من عناصر قوة المفاوضة الاقتصادية, منها الاستنزاف الخطير لاحتياطاتها التي امضت ردحا من الزمن في تنميتها, بسبب اضطرارها لتقديم المساعدات المالية والعينية الكبيرة لاشباع روح المغامرة لدى رئيس النظام العراقي, ثم اخيرا فقدان القدرة على مقاومة تخصيص مبالغ كبيرة لمصروفات الدفاع بسبب التهديد الدائم القائم على الابتزاز, ومع استمرار سياسات النظام العراقي التي لا تبدو انها في القريب ستتغير, يزداد الضغط على الوضع الاقتصادي والتأزم المالي والاجتماعي في دول الخليج, ولقد عبر عن ذلك الربط بوضوح خطاب الامير عبدالله حيث قال: إن الرخاء لا يمكن ان يتحقق دون استقرار, والاستقرار لا يمكن ان يدوم الا اذا ازلنا ما يهدده من مخاطر سياسية وعسكرية, ولقد مرت بمنطقة الخليج ــ منذ لقائنا الاخير ــ اكثر من ازمة ساخنة فجرها النظام الحاكم في العراق. لعل اهمية الارتباط بين الشأنين الاقتصادي والسياسي لا تظهر في مكان من العالم قدر ظهورها في الخليج, لذلك فقد اخذ الشأنان الاقتصادي والسياسي اكبر قدر من البيان الختامي لقمة مجلس التعاون التاسعة عشرة في أبوظبي, وهو ارتباط منطقي والنظر فيه من عاجل الامور. تبقى القضايا الاخرى التي ناقشتها قمة أبوظبي قضايا حيوية ومهمة بلاشك, ومتابعة تطور كل ما التقت اليه هذه القمة تشكل مهمة كبيرة وخطيرة يستشعرها الجميع من واقع مهامهم المختلفة, ولو رجعنا إلى تصريح نقل عن الامين العام الشيخ جميل بن ابراهيم الحجيلان الذي قال فيه ما معناه ان تنفيذ توصيات القمة أو القمم السابقة يحتاج إلى جهد من الاجهزة المحلية يظهر الشعور بكبر المهمة وخطورتها لوجدناه كلاما صحيحا ومن الواجب الالتفات له, واعطاؤه حقه من الاهتمام على جميع المستويات الخليجية, فأمام الامين العام مهمة صعبة في الوقت القادم لم تكن امام اي من سابقيه, وامام الخليجيين جميعا مهام لها اهمية الاستمرار في المستقبل.