مع الناس:بقلم-عبد الحميد أحمد

من المفارقات أن يستقبل الاسرائيليون الرئيس الامريكي بيل كلينتون بغضب ورفض وعدم ترحيب, الى حد رفع لافتات تطالبه بالعودة الى بلاده, وان يستقبله في المقابل الفلسطينيون بالترحيب وآلاف الأعلام الأمريكية, وكأنه في اسرائيل العدو اللدود, وفي فلسطين الصديق الأقرب, مع أن العكس صحيح تماما . فهو مثلا أكثر الرؤساء الامريكيين الذين خدموا اسرائيل, سواء بالدعم السياسي أو المادي, ودشن زيارته لها هذه المرة بوعد بمساعدات اضافية تفوق المليار دولار, وعلى خلفية سياسية من الدعم الكبير لكل ما يطرحه قادة اسرائيل بخصوص مسيرة السلام, بما في ذلك الخطوات التي تهدد هذا السلام عمليا, كبناء المستوطنات, إن لم يكن ذلك بالتأييد الصريح, فبالصمت على الاقل عنها وغض النظر. ثم هو يكاد يكون الرئيس الامريكي الوحيد الذي زار اسرائيل أربع مرات حتى الآن, منها مرتان لغرض إظهار التعاطف, الاولى عقب مقتل إسحاق رابين, والثانية بعد موجة التفجيرات, كما انه الرئيس الذي أولى للمؤيدين لاسرائيل, وبالذات اليهود, المناصب السياسية المهمة في ادارته, من الخارجية الى مجلس الامن القومي مرورا بالبيت الابيض نفسه, لدرجة ان بعض هؤلاء تصرف ويتصرف لخدمة مصالح اسرائيل اكثر مما تصرف لخدمة امريكا نفسها. ونكتفي بذلك من شواهد على الخدمات التي قدمها بيل كلينتون لاسرائيل, فبعضها لايحتاج الى دليل والقراء يتذكرونها, مقابل العسف الذي حصل عليه الفلسطينيون من السياسة الامريكية, سواء بالضغوط عليهم لتقديم مزيد من التنازلات كل مرة, أم بالامتناع عن تقديم المساعدات, حتى تلك التي نصت عليها معاهدات السلام, من أوسلو الى غيرها, كمزيد من ممارسة الضغوط. مع ذلك فالاسرائيليون لايتذكرون للرئىس الامريكي كل خدماته الجليلة لهم, ويتظاهرون ضد زيارته ويحتجون عليها, لمجرد أنه يقوم هذه المرة بزيارة الأراضي المحتلة تحت مشروع الحكم الذاتي فيستكثر هؤلاء عليه مثل هذه الزيارة, حتى وهي من ناحية اخرى تصب في مصلحتهم, وربما تأتي تنفيذا لشرط من شروطهم, اي التأكد فعلا من الغاء بنود في الميثاق الفلسطيني كانت تدعو لتدمير اسرائيل. اما بالنسبة للفلسطينيين, الذين يشبهون الغريق غير الخائف من البلل, أو الغريق يتعلق بقشة, فزيارة كلينتون لهم, كأول رئيس أمريكي يزور أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية, تسعفهم بآمال الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة, وتشعرهم بكيانهم الخاص, وهما عنصران, بحاجة لهما الشعب الفلسطيني كما القيادة الفلسطينية, لكي لا تكون جهودهم وما بذلوه وقدموه من أجل السلام قد ضاعت سدى, أو انها بلا مقابل. هذا المقابل إذا كان في مجرد الزيارة الخالية من أي مدلول سياسي أو اعتراف بالكيان الفلسطيني صراحة أو أي دعم سياسي ومادي تمهد لولادته العام المقبل, فهو مقابل رخيص تماما ووهم آخر تضع السلطة الفلسطينية نفسها فيه, أمام التاريخ وأمام شعبها, وفوق هذا فثمن هذا المقابل الرخيص سيكون باهظا وغالي الثمن عند الغاء بنود الميثاق الفلسطيني بالطريقة المهينة التي أرادها نتانياهو ووافقت عليها السلطة, أي بالتصويت برفع اليد واحدا واحدا, حتى مع علمنا ان هذا الالغاء تحصيل حاصل فقد جرى ذلك منذ أكثر من عامين, ما يعني ان على الفلسطينيين أن يندبوا لزيارة كلينتون لهم بدلا من التهليل والزغاريد, وأن على الاسرائيليين أن يهللوا بدلا من الاحتجاج, لولا أن الواقع مقلوب رأسا على عقب, في الزمن الاسرائيلي الأغبر الذي نعيش!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات